الزوجة ووزن أدوارها

قصة وعبرة

الزوجة ووزن أدوارها

قال أحدهم: تشاجرتُ مع زوجتي ذات ليلة – كما هي حالة أغلب البيوت – وكان ذلك لسببٍ تافهٍ جدًّا، ثم تطوَّر الخلاف بيننا إلى أن قلت لها: إن وجودَك في حياتي غير مؤثِّر، فلا نكهة للعيش معكِ أبدًا، فوجودُك وعدمه سِيَّان، فكل ما تفعلينَه من أدوار في البيت تستطيع أي خادمة أن تفعله، بل وقد تكون أفضل منكِ!

فما كان منها إلا أن نظرت إليَّ باستغراب وعينٍ دامعة، وأشارت إليَّ بيدها أَنْ كفَى، ثمَّ ولَّت إلى إحدى غرفِ المنزل، وأغلقت الباب على نفسِها، ولشدة غضبي لم أكترِثْ لبكائها، ولا حتى لحالتها النفسية، فانصرفتُ أنا الآخر إلى غرفتي دون أي اهتمام لأثر كلامي على نفسيتها، واستلقيتُ على سرير نومي، وحاولتُ استجلاب النوم الذي لم يكن استدعاؤه عصيًّا، ولكون حَنقي عليها قد وصل مداه، فقد كنتُ أحدِّث نفسي في خروجها من حياتي، حتى ولو كان بالموت، وما هي إلا لحظات وأسلِّم نفسي لنوم تداعت عليَّ فيه أحلامٌ مزعجة، فرأيتُ فيما يرى النائم أن زوجتي قد تُوفِّيت وشيَّعتها إلى قبرها، فجاء الناس يُعزُّونني في وفاتها، ورغم احتفاظ ذاكرتي بسخطي عليها، إلا أنني شعرتُ بقليل من الحزن، لكنني أرجعته ربما للعِشرة، وسلَّيت نفسي أنني – لا شك – سأنساها مع الأيام، وبعد انتهاء أيام العزاء، رأيت أنني ولجتُ إلى داخل بيتي أتفقَّد حال أولادي الصغار، فوجدت البيت غير مرتَّبٍ، والأكل غير معدٍّ، والأولاد ثيابهم متَّسِخة، وهم يتضاغون من الجوع، بل وصياحهم يتعالى بحثًا عن أمهم، فبدأت حينها أشعر بفراغٍ كبير يتسلَّل إلى حياتي، وأخذتُ أسلِّي أبنائي الصغار ببعض الوعود المسكتة، ثم دخلت إلى غرفة نومي، والغصة تحشرج في حلقي، وبدا لي وكأنَّ أشباحًا تتوارى لي من زوايا المنزل، فقرأت الفاتحة والمعوِّذات، واستلقيتُ على فراشي متحاشيًا النظر إلى موقع نومها، فنمتُ على غرةٍ، وكأن هذه النومةَ قد أنستني قصةَ موت زوجتي، فاستيقظت في الصباح متأخرًا عن موعد دوامي، فالتفتُّ إلى زوجتي كي ألومها على عدم إيقاظي للعمل في الموعد المحدَّد، لكنني تذكرتُ غيابها بالموت لَمَّا رأيت مكانها خاويًا، وقلت في نفسي: لا بد لي أن أعتمد على نفسي بعد اليوم، فقمتُ على عَجَلٍ، وأعددتُ إفطارًا لأطفالي وتركتُه على طاولة الطعام دون أن أوقظَهم من نومهم، وخرجت في عجل إلى مقرِّ عملي، فقابلني رئيسي وزملائي بلطف كونهم يقدِّرون ظرفي، وفي أثناء ساعات العمل أخذ شريط الذكريات يمرُّ أمام ناظريَّ، فتذكرت مكالمات زوجتي اليومية أثناء ساعات وجودي بالعمل، وملاطفتها لي، ثم سؤالها: هل أفطرتَ؟! وأخيرًا تُتبِعُ ذلك ببعض طلبات المطبخ الناقصة، ثم تقول لي: حتى لا تنساها سوف أرسلها لك بالواتساب، وما أكثر ما يشتدُّ نقاشنا أحيانًا عندما أتأخَّر خارج المنزل، لكنها في نهاية محادثتنا تقول لي: (بس لا تتأخر علينا يا حبيبي)، وكنت غالبًا لا ألقي لهذه العبارة وزنًا، بعكس حالي الآن الذي أجدني ما أحوجني إلى مشاكستها التي طالما تُتبعها بابتسامة حانية.

وكل هذا الشريط مرَّ أثناء نومي الذي تلا شجارَنا ليلة البارحة، فصحوتُ فَزِعًا بعد جهد وتعبٍ بالغ، فتنبَّهت أنَّ هذا بحمد الله أضغاث أحلام، ثم تذكرت حزن زوجتي وقفلها على نفسها الباب في الغرفة المجاورة، فذهبت إلى غرفتها وفتحت الباب عليها بهدوء، فوجدتها منكبة على وجهها، فشكرت الله كثيرًا؛ إذ لم يكن ذلك حقيقة، فدنوت منها وأهويت بيدي على خدِّها، فوجدت الدموع قد اتخذت فيه طريقًا، بينما المخدَّة قد بُلَّت بالدموع، فأيقظتُها وقلت لها: لِمَ كل هذه الدموع يا حبيبتي، هل ما زلت غضبى؟ فقالت: لا عليك، فما أكثر ما نغضب من بعضنا البعض، لكننا سرعان ما نرضى، إلا أن دموعي هي شفقة على حالك، فقد كنت أتردد على غرفتك، فأجدك تتنفس بصعوبة نتيجة حلم مزعج، كان صدرك معه يرتجف، فخفتُ عليك أن تختنق، وحاولت أن أوقظك إلا أنني خشيت أن تنهرَني؛ كونك ما زلت غضبان مني.

وهنا انتهى خلاف ليلة البارحة، نتيجة مخزون الحب والودِّ الذي تكوَّن بينهما على مرِّ سنوات زواجهما، لكنه مؤخرًا قد بهَتَ قليلًا عندما علاه غبار عدم الاهتمام بالآخر، إلا أنه نتيجة لهذا الموقف عادت المياه إلى مجاريها، وكأن شيئًا لم يكن.

وهنا أودُّ أن أشير إلى أن هذا الحوار في هذه القصة ينسحب أيضًا حتى على الزوجة، فاللوم لا ينبغي أن يُلقى على الزوج في كل الأحوال، فالحياة الزوجية شركةٌ، أو هي سفينةُ نجاةٍ، فهما معًا يقودانِها إلى برِّ الأمان، أو قد يُسهِمان في غرقها لا قدر الله، وتحتاج الحياة الزوجية هي الأخرى إلى التجديد والابتكار، وما أعقلَ تلك المرأةَ التي أهدَتْ لزوجها بطاقةً بمناسبة زواجهما، ووضعتها بجوار وسادة نومه، كتبت فيها: “ذهبت اليوم إلى السوق لأشتري لك ساعة بمناسبة زواجنا، فلم أجد أجمل من الساعة التي قابلتُك فيها”.

وقد يُقدِم بعض الأزواج على التعدُّد مع عدم مقدرته؛ ظنًّا منه أن منسوب السعادة لديه سيكون مع الثانية أعمق وأرق مما هو مع الزوجة الأولى؛ وذلك نتيجة الرتابة التي قتلتِ الحبَّ الأول، وما علم أن الحبَّ كالماء يتجمد بفعل عوامل طقس العَلاقات، ويتطلب لتجديده إذابة جليد الحب ليصبح نهرًا جاريًا من المشاعر العذبة التي لا يمكن أن تنضب، ويمكن لعشَّاق التعدد أن يمارسوه بالمعاني المرادفة له، والتي منها: النزهة بمفردك مع الزوجة، الهدية، فهي بريد الحب، وفي الحديث: ((تهادوا تحابُّوا))، ترديد كلمات الحب بين الحين والآخر، الثناء، استعادة شريط الذكريات سواء بالصور أو الفيديوهات المسجلة، أو حتى تذكُّرها، وروايتها على شريكك، وحذارِ من الشيخوخة المبكرة في العَلاقة الزوجية أو الطلاق العاطفي.

فاصلة: الصمت هو الحلُّ الأمثل أمام المشكلات الزوجية التافهة؛ يقول تعالى: ﴿ وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ﴾ [التحريم: 3].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بواسطة: الدكتور علي أحمد الشيخي.

اعتذر من زوجته بطريقة راقية

يُحكى أن زوجين قد دخل الشيطان بينهما في لحظة عتاب بينهما وفي الصباح على مائدة الإفطار التي أعدتها الزوجة وتركتها، جلس الزوج و شرع في تقشير بيضة وهو ينتظر زوجته لتشاركه الإفطار فلم تأت
أمسك بكوب الحليب فوجده بارداً، حاول أن يتذوقه فلم يجد شهية له، وخاصة أنه صار بارداً، مما أفقده مذاقه، عاد الزوج مرة ثانية ليأكل البيضة فلم يستطع..
نظر إلى المطبخ مترقباً قدوم زوجته لتشاركه طعام الإفطار مثل كل يوم، فإذا بها تخرج من المطبخ وبيدها الخبز، وضعته على مائدة الإفطار، وحاولت أن تجلس معه مثل كل يوم على الإفطار،
ولكنها لم تستطع لأنه أهانها بالأمس ولم يعتذر إليها أما هو فقد منعه عناده وكبرياؤه عن أن يعتذر إليها..
عادت الزوجة مرة ثانية إلى المطبخ، وشغلت نفسها بتنظيف بعض أواني المطبخ، وما هي إلا لحظات حتى سمعت صوت الباب وقد أُغلق، وهنا
أدركت أن زوجها خرج إلى العمل.. فعادت إلى مائدة الإفطار فوجدت الطعام كما هو، فالزوج لم يشرب الحليب، ولم يكمل أكل البيضة.. فقالت في نفسها: طبعاً تريد أن أقشر أنا لك البيضة، وأقطعها لك مثل كل يوم.. لكنك لا تستحق، لأنك لا تقدر معاملتي لك وصنيعي معك، وتهينني ولا تعتذر.
توجهت صوب المائدة لتنظيفها وهي غاضبة حزينة،
فإذا بها تجد وردتين، إحداهما بيضاء تليها وردة حمراء، وقد وُضعت الوردتان فوق ورقة وكتب الزوج لزوجته في هذه الورقة:
بسم الله الرحمن الرحيم..
إلى أجمل وردة في حياتي، إلى زوجتي الحبيبة، إلى روحي وحبي الخالد..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
حبيبتي..
كم كنت أتمنى أن تشاركيني الإفطار اليوم، فلما حُرمت من ذلك لم أستطع أن أفطر في غيابك عني.. كم كنت أتمنى أن أرى ابتسامتك التي تودعينني بها صباح كل يوم قبل أن أخرج إلى عملي، زوجتي وحبيبتي.. لقد نال الشيطان مني عندما أخطأت في حقك ولم أعتذرفهل تقبلين اعتذاري
أغرورقت عينا الزوجة بدموع ، واحتضنت الورقة وقبّلتها، وهي تبكي وتردد: سامحني أنت يا زوجي الحبيب، ثم انطلقت كالنحلة فأعدت طعام الغداء الذي يحبه زوجها وزيّنت بيتها حتى انقلب بستاناً جميلاً تزيّنه الورود والشموع، ويُعطره البخور والروائح الجذّابة، واستقبلت زوجها في أبهى زينة لها،
وما إن دخل الزوج إلا واستقبل كل منهما الآخر بالابتسامة ولسان حال كل منهما ينطق بالود والمحبة والصفاء والرضا!!
………………………..
.
قال الله تعالى “وجعل بينكم مودة ورحمة ”
اياكما ان تحولا تلك “المودة والرحمة ” الى نفور وبغض بكثرة الخلافات …
وليكن اختلافكما اختلاف ايجابية لا خلاف ونزاعات تأرق سعادتكما
وما اجمل ان يبادر من اخطا بالاعتدار لحفظ علاقتكما من التشتت والضياع
.
تلك دعوة لكل زوج وزوجة ان يجربا زراعة السعادة الزوجية، وحل المشكلات الزوجية والأسرية برسائل الاعتذار الصادقة..
لأجل بيت مستقر بعيدا عن تدخلات البشر بصفة عامة والأهل بصفة خاصة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بواسطة: محبة الأسلام.

من قصص النساء الصالحات(الجهاد والتضحية والصبر من أجل الدين)

لقد كان لقريش صولةٌ وانبساطٌ بالأذى على من آمن من أولئك الضعاف حتى لقد تجاوزوا به حد التعذيب والإيلام، إلى الافتنان في التمثيل، والتأنق في التنكيل، ومن أولئك اللواتي استعذبن العذاب: سُمية بنت خياط أم عمار بن ياسر كانت سابعة في الإسلام، وكان بنو مخزوم إذا ما اشتدت الظهيرة، والتهبت الرمضاء، خرجوا بها هي وابنها وزوجها إلى الصحراء، وألبسوهم دروع الحديد، وأهالوا عليهم الرمال المتقدة، وأخذوا يرضخونهم بالحجارة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر بعمار وأمه وأبيه وهم يعذبون بالأبطح في رمضاء مكة فيقول: ((صبرًا آل ياسر، موعدكم الجنة))[24]، حتى تفادى الرجلان ذلك العذاب المر بظاهرة من الكفر أجرياها على لسانهما، وقلباهما مطمئنان بالإيمان، وقد عذر الله أمثالهما بقوله تعالى: ﴿ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ﴾ فأما المرأة فاعتصمت بالصبر، وقرت على العذاب، وأبت أن تعطي القوم ما سألوا من الكفر بعد الإيمان، فذهبوا بروحها، وأفظعوا قِتلتها، فقد أنفذ الشريف النذل أبو جهل بن هشام حربته فيها، فماتت رضي الله عنها، وكانت أول شهيدة في الإسلام.

 

قال ابن حجر: وأخرج ابن سعد بسند صحيح عن مجاهد قال: أول شهيدة في الإسلام سمية والدة عمار بن ياسر، وكانت عجوزًا كبيرة، ضعيفة، ولما قُتل أبو جهل يوم بدر قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمار: ((قتل الله قاتِل أمك))[25].

 

وغير سمية كثيرات احتملن ما احتملت:

فمنهن من كانوا يلقونها، ويحملون لها مكاوي الحديد، ثم يضعونها بين أعطاف جلدها، ويدعون الأطفال يعبثون بعينها حتى يذهب بصرها، وممن عُذب بهذا العذاب زنيرة جارية عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان هو وجماعة من قريش يتولون تعذيبها، ولما ذهب بصرها قال المشركون: ما أصاب بصرها إلا اللات والعزى، فقالت لهم: والله ما هو كذلك، وما تدري اللات والعزى من يبعدهما، ولكن هذا أمر من السماء والله قادر على أن يرد عليَّ بصري، قيل فرد عليها بصرها، فقالت قريش: هذا من سحر محمد صلى الله عليه وسلم، وقد اشتراها أبو بكر وأعتقها رضي الله عنها[26].

 

ومنهن من كانوا يسقونها العسل، ويوثقونها بالأغلال، ثم يلقونها بين الرمال، ولها حرٌ يذيب اللحم، ويصهر العظم، حتى يقتلها الظمأ[27]، وممن فعلوا بهن ذلك أم شريك غزية بنت جابر بن حكيم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: وقع في قلب أم شريك الإسلام وهي بمكة فأسلمت ثم جعلت تدخل على نساء قريس سرًا، فتدعوهن، وترغبهن في الإسلام، حتى ظهر أمرها لأهل مكة، فأخذوها، وقالوا لها: لولا قومك لفعلنا بك فعلنا، ولكنا سنردك إليهم، قالت: فحملوني على بعير ليس تحتي شيء موطأ ولا غيره، ثم تركوني ثلاثًا لا يطعموني، ولا يسقوني، فنزلوا منزلًا، وكانوا إذا نزلوا وقفوني في الشمس واستظلوا، وحبسوا عني الطعام والشراب حتى يرتحلوا، فبينما أنا كذلك إذا بأثر شيءٍ بارد وقع علي منه ثم عاد، فتناولته، فإذا هو دلو ماء، فشربت منه قليلًا ثم نزع مني، ثم عاد فتناولته، فشربت منه قليلًا، ثم رفع، ثم عاد أيضًا، فصنع ذلك مرارً حتى رويت، ثم أفضت سائره على جسدي وثيابي، فلما استيقظوا إذا هم بأثر الماء ورأوني حسنة الهيئة، فقالوا لي: انحللت فأخذت سقاءنا فشربت منه؟ فقلت: لا والله ما فعلت ذلك، كان من الأمر كذا وكذا، فقالوا: لئن كنت صادقة فدينك خير من ديننا، فنظروا إلى الأسقية فوجدوها كما تركوها، فأسلموا لساعتهم[28].

 

وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه -قبل أن يُسلم- يتولى تعذيب جارية مسلمة لبني المؤمل، فلا يزال يضربها بالسياط، حتى إذا مل قال لها: إني اعتذر إليك أني لم أتركك إلا ملالة، فتقول له: كذلك فعل الله بك[29].

 

وقالت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها: لما توجه النبي صلى الله عليه وسلم من مكة حمل أبو بكر معه جميع ماله -خمسة آلاف- فأتاني جدي أبو قحافة وقد عمي، فقال: إن هذا قد فجعكم بماله ونفسه، فقلت: كلا، قد ترك لنا خيرًا كثيرًا، فعمدت إلى أحجار، فجعلتهن في كوة البيت، وغطيت عليها بثوب، ثم أخذت بيده، ووضعتها على الثوب، فقلت: هذا تركه لنا، فقال: أما إذا ترك لكم هذا، فنعم.

 

وعن ابن إسحاق قال: حُدثتُ عن أسماء، قالت: أتى أبو جهل في نفر، فخرجت إليهم، فقالوا: أين أبوك؟ قلت: لا أدري والله أين هو؟ فرفع أبو جهل يده، ولطن خدي لطمة خر منها قرطي، ثم انصرفوا[30]. اهـ

 

وخرجت أم أيمن مهاجرة، وليس معها زاد ولا ماء، فكادت تموت من العطش، فلما كان وقت الفطر، وكانت صائمة سمعت حسًّا على رأسها، فرفعته، فإذا دلو معلق، فشربت منه حتى رويت، وما عطشت بقية عمرها[31].

 

آمنت أم كلثوم بنت عقبة -وهو سيد من سادات قريش- دون رجال بيتها، وفارقت خدرها، ومستقر آمنها ودعتها، تحت جنح الليل، فريدة شريدة، تطوي بها قدماها ثنايا الجبال، وأغوار التهائم بين مكة والمدينة، إلى مفزع دينها، ودار هجرتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أعقبتها بعد ذلك أمها، فاتخذت سنتها، وهاجرت هجرتها، وتركت شباب أهل بيتها وكهولهم، وهم في ضلال يعمهون[32].

ذلك قليل من كثير مما يشهد للمرأة المسلمة باحتكام الدين في ذات نفسها، واستهانتها بالدم والروح في سبيله.

 

ومن هذا القبيل مواقف تكشف وضوح قضية ((الولاء والبراء)) في حسِّ المرأة المسلمة وضوحًا لا يخالطه شائبة ضعف، أو انهزام، أو هوادة مع من حاد الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم.

 

• فهذه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها، وقد جاءتها أمها ((قُتيلة)) راغبة في صلتها، فتوقفت حتى سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن أمي قدمت، وهي راغبة، أفأصلها؟ قال: ((نعم، صلي أمك))[33]، وفيها نزل قوله تعالى: ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [الممتحنة: 8].

 

• وعن يزيد بن الأصم قال: تلقيتُ عائشة، وهي مقبلة من مكة، أنا وابنُ أختها ولدٌ لطلحة، وقد كنا وقعنا في حائط بالمدينة، فأصبنا منه، فبلغنا ذلك، فأقبلت على ابن أختها تلومه؛ ثم وعظتني موعظةً بليغةً، ثم قالت: أما علمت أن الله ساقك حتى جعلك في بيت نبيه، ذهبت والله ميمونة، ورُمي بحبلك على غاربك! أما إنها كانت من أتقانا الله، وأوصِلنا للرحم[34]، وعن يزيد: أن ذا قرابة لميمونة دخل عليها، فوجدت منه ريح شراب، فقالت: لئن لم تخرج إلى المسلمين، فيجلدوك، لا تدخل علي أبدًا[35].

 

كذلك تأثرت المرأة بأدب الإسلام، وخرجت به عما احتكم بها في الجاهلية من عادة نافرة، وتقليد ذميم.

وكان من أول ما لقنت المرأة من أدب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم: الاعتصام بالصبر، إذا دجا الخطب، وجل المصاب.

 

وقد تقدم ذكر خبر الخنساء، وما ذهب به الدهر من حديث جزعها، وتصدع قلبها، واضطرام حشاها على أخيها، لقد استحال كل ذلك إلى صبرٍ أساغه الإيمان، وجمله التقى، فلم تأس على فائت من متاع الحياة الدنيا.

 

أولئك أبناؤها هم أشطار كبدها، ونياط قلبها، خرجوا إلى القادسية وكانوا أربعة، فكان مما أوصتهم به قولها: يا بني، إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، والله الذي لا إله إلا هو، إنكم لبنو رجل واحد، كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما هجنتُ حسبكم، وما غيرت نسبكم، واعلموا أن الدار الآخرة خير من الدار الفانية.

 

اصبروا، وصابروا، ورابطوا، واتقوا الله لعلكم تفلحون، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها، وجللت نارًا على أوراقها، فيمموا وطيسها[36]، وجالدوا رسيسها[37]، تظفروا بالغنم والكرامة، في دار الخلد والمقامة.

 

فلما كشرت الحرب عن نابها، تدافعوا إليها، وتواقعوا عليها، وكانوا عند ظن أمهم بهم، حتى قتلوا واحدًا في إثر واحد.

 

ولما وافتها النعاة بخبرهم، لم تزد على أن قالت: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم وأرجو من الله أن يجمعني بهم في مستقر الرحمة[38] [39].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بواسطة:عصام محمد الشريف.

من قصص النساء الصالحات ( الحرص على الستر والحياء والعفاف )

• قالت عائشة رضي الله عنها – في قصة الإفك: ((فلما أخذوا برأس البعير فانطلقوا به، فرجعت إلى المعسكر، وما فيه من داعٍ ولا مجيب، قد انطلق الناس، فتلفعت بجلبابي، ثم اضطجعت في مكاني، إذ مرَّ بي صفوان بن المعطل السلمي، وكان قد تخلف عن المعسكر لبعض حاجاته، فلم يبت مع الناس فرأى سوادي، فأقبل حتى وقف علي، فعرفني حين رآني، وكان قد رآني قبل أن يضرب علينا الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي))[5]، والشاهد منه: مبادرتها رضي الله عنها إلى تغطية وجهها حرصًا على الستر، وإقامة لحدود الله عز وجل.

 

• وعن أم علقمة بنت أبي علقمة قالت: (رأيت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر دخلت على عائشة رضي الله عنها وعليها خمار رقيق يشف عن جبينها، فشقته عائشة عليها، وقالت: أما تعلمين ما أنزل الله في سورة النور[6]؟! ثم دعت بخمار فكستها[7]، وفي رواية الموطأ: ((وكستها حمارًا كثيفًا))[8].

 

ودخل عليها رضي الله عنه نسوة من نساء أهل الشام، فقالت: لعلكن من الكُورة[9] التي يدخل نساؤها الحمامات. قلن: نعم، قالت: أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من امرأة تخلع ثيابها في غير بيت زوجها إلا هتكت ما بينها وبين الله من حجاب))[10].

 

• وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أيما امرأة نزعت ثيابها في غير بيتها، خرق الله عز وجل عنها ستره))[11]، وذلك لأن الجزاء من جنس العمل.

 

• وعن أنس رضي الله عنه قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة بعبدٍ قد وهبه لها، قال: وعلى فاطمة رضي الله عنها ثوب، إذا قنعت به رأسها، لم يبلغه رجليها، وإذا غطت به رجليها، لم يبلغ رأسها، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما تلقى قال: ((إنه ليس عليك بأسٌ، إنما هو أبوك وغُلامكِ))[12].

 

• ويُروى عن أم جعفر بنت محمد أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: ((يا أسماء إني قد استقبحت ما يصنع النساء أن يُطرح على المرأة الثوب فيصفها))، فقالت أسماء: يا ابنة رسول الله ألا أريك شيئًا رأيته بالحبشة؟ فدعت بجرائد رطبة، فحنتها، ثم طرحت عليها ثوبًا، فقالت فاطمة: ((ما أحسن هذا وأجمله تُعرفُ به المرأة من الرجل![13] فإذا مِتُّ أنا فاغسليني أنت وعلي ولا يدخل علي أحدٌ، فلما توفيت غسلها علي وأسماء رضي الله عنهما))[14].

 

والشاهد مه: أن فاطمة رضي الله عنها استقبحت أن يصف الثوب المرأة وهي ميتة، فلا شك أن وصفه إياها وهي حية أقبح وأقبح.

 

• ومثله ما جاء عن نافع وغيره أن الرجال والنساء كانوا يخرجون بهم سواء، فلما ماتت زينب بنت جحش رضي الله عنها أمر عمر رضي الله عنه مناديًا فنادى: ((ألا لا يخرج على زينب إلا ذو رحم من أهلها))، فقالت بنت عميس: ((يا أمير المؤمنين، ألا أريك شيئًا رأيت الحبشة تصنعه لنسائهم؟)) فَجَعلت نعشًا، وغشته ثوبها، فلما نظر إليه قال: ((ما أحسن هذا! ما أستر هذا)) فأمر مناديًا أن اخرجوا على أمكم[15].

 

• وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة)) فقالت أم سلمة رضي الله عنها: كيف تصنع النساء بذيولهن؟ قال: يرخين شبرًا))، قالت: إذن تنكشف أقدامهن، قال: ((فيرخين ذراعًا، ولا يزدن عليه))[16].

 

• وعن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس رضي الله عنه: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف، فادع الله لي، قال: ((إن شئت صبرتِ ولك الجنة، وإن شئتِ دعوتُ الله عز وجل أن يعافيك)) قالت: أصبر، قالت: فإني أتكشف، فادع الله أن لا تكشف، فدعا لها[17].

 

والشاهد فيه: حرصها على التستر حتى في حال العذر، ففي رواية البزار من وجه آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما في نحو هذه القصة أنها قالت: ((إني أخاف الخبيث أن يجردني)) الحديث.

 

• وعن امرأة من الأنصار قالت: دخلت على أم سلمة رضي الله عنها، فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأنه غضبان، فاستترت بكم درعي، فتكلم بكلام لم أفهمه، فقلت: يا أم المؤمنين كأني رأيت رسول الله عضبان؟ قالت: نعم أو ما سمعتيه؟ قالت: قلت: وما قال؟ قالت: قال: ((إن السوء إذا فشا في الأرض فلم يُتناه عنه أنزل الله عز وجل بأسه على أهل الأرض))، قالت: قلت: يا رسول الله! وفيهم الصالحون؟ قال: نعم، وفيهم الصالحون، يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يقضبهم الله عز وجل إلى مغفرته ورحمته، أو إلى رحمته ومغفرته))[18]، والشاهد: قولها: ((فاستترت بكم درعي)).

 

• وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له امرأة أخطبها، فقال: ((اذهب فانظر إليها، فإنه أجدر أن يؤدم بينكما))[19]، فأتيت امرأة من الأنصار فخطبتها إلى أبويها، وأخبرتهما بقول النبي صلى الله عليه وسلم، فكأنما كرها ذلك، قال: فسمعت ذلك المرأة، وهي في خدرها، فقالت: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرك أن تنظر فانظر، وإلا فأنشُدك، كأنها أعظمت ذلك، قال: فنظرت إليها فتزوجتها، فذُكر من موافقتها، وموضع الشاهد منه واضح.

 

• وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذ خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل))[20]، فخطبتُ جارية فكنتُ أتخبأ لها، حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها وتزوجها، فتزوجتها))، والشاهد: قوله صلى الله عليه وسلم: ((فإن استطاع)).. إلخ، لأنه يبرز حرص المرأة المسلمة على الستر، حتى ليشق على من أراد رؤيتها أن يراها إلا بعناء واستغفال واختباء.

 

• وعن محمد رضي الله عنه قال: خطبت امرأة، فجعلت أتخبأ لها، حتى نظرت إليها في نخل لها، فقيل له: أتفعل هذا، وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه يقول: ((إذا ألقى الله في قلب امرئٍ خطبة امرأة، فلا بأس أن ينظر إليها))[21]، ولو كانت هذه المرأة متكشفة معروضة كنساء هذا الزمان -إلا من رحم ربك- لما احتاج إلى الاختباء.

 

وفي رواية سهل بن أبي حثمة قال: ((رأيت محمد بن مسلمة يطارد بثينة بنت الضحاك فوق إجار -وهو السطح الذي ليس حواليه ما يرد الساقط عنه- لها ببصره طردًا شديدًا، فقلت: أتفعل هذا وأنت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فقال…)) ذكر الحديث.

 

• وعن عاصم الأحول قال: ((كنا ندخل على حفصة بنت سيرين، وقد جعلت الجلباب هكذا، وتنقبت به، فنقول لها: رحمك الله، قال الله تعالى: ﴿ وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ﴾ هو الجلباب، قال: فتقول لنا: أي شيء بعد ذلك؟ فنقول: ﴿ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ ﴾، تقول: هو إثبات الحجاب))[22].

 

((ولما كان العلامة الكاساني في حلب طلبت منه زوجته الفقيهة فاطمة بنت السمرقندي الرجوع إلى بلاده، فلما همَّ بذلك استدعاه الملك العادل نور الدين، وسأله أن يقيم بحلب فعرفه أنه لا يقدر على مخالفة زوجه، إذ هي بنت شيخه، فأرسل الملك إلى فاطمة خادمًا بحيث لا تحتجب منه، ويخاطبها عن الملك في ذلك، فلم تأذن للخادم، وأرسلت إلى زوجها تقول له: ((أبعدُ عهدُك بالفقه إلى هذا الحد؟ أما تعلم أنه لا يحل أن ينظر إليَّ هذا الخادم؟ وأي فرق بينه وبين الرجال في عدم جواز النظر؟ فأرسل إليها الملك امرأة لتكلمها في هذا))[23].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بواسطة : عصام محمد الشريف.

من قصص النساء الصالحات (الاجتهاد في العبادة )

• روى مسلم وغيره عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عند جويرية بكرة، حين صلى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة، فقال: ((ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟ قالت: نعم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لقد قلتُ بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلتِ منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته)).

 

• وعن ابن عباس قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال: ((أرأيت لو كان على أمك دين فقضيتيه أكان يؤدي ذلك عنها؟ قالت نعم. قال: فصومي عن أمك))[3].

 

• وكانت زينب رضي الله عنها -أم المؤمنين- صالحة، قوامة، صوامة، بارة، ويقال لها: ((أم المساكين)).

 

• وعن أنس رضي الله عنه قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد، فإذا حبل ممدود بين الساريتين، فقال: ((ما هذا الحبل؟)) قالوا: حبلٌ لزينب، فإذا فترت تعلقت به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا، حُلُّوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد))[4].

 

• وعن يونس بن ميسرة قال: كنا نحضر ((أم الدرداء))) وتحضرها نساء عابدات، يقمن الليل كله، حتى إن أقدامهن قد انتفخت من طول القيام.

____________________________________________________

بواسطة: عصام محمد الشريف.