النظافة الزوجية وأثرها في استدامة الحياة السعيدة

نشرت بعضُ الصحف السيارة أن إحدى السيدات قد رفعت قضية ضد زوجها بطلب تطليقها منه؛ نظرًا لأنه لا يستحم. وفي مصر رأينا بعض زوجات يطلبن الخلع في المحاكم لأن أزواجهن لا يستحمون إلا مرة واحدة في الأسبوع، وأخريات يطلبن الخلع بسبب أن الزوج يتناول الثوم يوميًّا ورائحته تؤذيها، أو لأنها تتأذى من رائحة جورب زوجها، أو نتن رائحة قدمه بسبب انتعال بعض الأحذية المسببة لهذه الرائحة، أو نتن رائحة فمه بسبب عدم استعمال معجون الأسنان، وزوجة سابعة قِصَّتها غريبة مع زوجها؛ إذ إنها بعد أن أقامت دعوى تطليق من زوجها (قبل صدور قانون الخُلع في مصر) وقفت أمام القاضي لتقرِّر أنها لا تعيب عليه في خُلق ولا إنفاق؛ فهو دمِث الخُلق، ينفق عليها بسخاء، لكنها طلبت من القاضي حينما حضر الجلسة أن يقترب من منصة القضاء، فلمَّا استدعاه ووقف بين يديه، طلبت منه أن يشَمَّ رائحته، فإذا بالزوج تنبعث منه رائحة كريهة، فلما استفسر القاضي عن سرِّ هذه الرائحة، قالت له الزوجة: إن زوجها قد أصيب بعقدة من الاستحمام منذ صغره، حيث كاد يغرق في البانيو الذي تنظفه فيه أمه، ومن يومها وهو يستعمل العطور لتطيب رائحته، ولكن هيهات هيهات! فالعطورُ وحدها لا تكفي لإزالةِ رائحة البولينا المنتشرة في العرق؛ وما كان للقاضي إلا أن أجابها لطلب التطليق، وحكم لها به.

ولقد ذكَّرنا هذا بتلك المرأة التي جاءت إلى عمر بن الخطاب بصحبة زوجها تطلب منه التفريق بينهما؛ لأنه أشعثُ أغبر لا يهتم بهندامه؛ فما كان من عمر إلا أن طلب منها أن تترك زوجها له وتأتي بعد يومين، ماذا فعل عمر مع زوج المرأة؟

لقد أرسله ليستحمَّ ويأخذ من شَعر رأسه ويقلِّم أظافره ويتطيب، فانقلب حال الرجل إلى خير حال، وأرسل عمر إلى الزوجة يستدعيها، فلما مثلت بين يديه، أمرها أن تأخذ بيد زوجها ويعودا إلى عش الزوجية، فنظرت المرأة إليه فاستغربته ونفَرَتْ منه، ثم عرفته، فقبِلته، ورجعت عن دعواها (بعد إجراء تعديلات النظافة عليه)، ثم وضعت يدها في يده وخرجت من عند أمير المؤمنين مسرورة منشرحة القلب؛ فقال لهما أمير المؤمنين عمر: “هكذا، فاصفوا لهن كما تحبون أن يصفين لكم”.

وكان ابن عباس يقول: “إني أحب أن أتزين لزوجتي كما أحب أن تتزين لي”.

ومن المعلوم أنه لا شيء يهدد العلاقةَ الجنسية بين الزوجين بالفشل الكامل قدر ريح الفم وعفَن اللِّثَة والأسنان عند الزوجين أحدهما أو كليهما؛ فهذا زوج قال لزوجته في أول زواجهما: “انتبهي جيدًا للروائح؛ فأنا حساس جدًّا من الروائح الكريهة”، وهذا آخر طلق زوجته بعد أشهر من الزواج، فلما سئل عن سبب ذلك قال: “رائحة فمِها لا تطاق!”.

 

الطهور باب للجنة

 

إن الطُّهور شطر الإيمان، وفيه صحة الأجسام، ونضارة الأبدان، حث عليه القرآن خمس مرات؛ فقال: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا” [المائدة: 6].

والطُّهور سبب لمحبة الديان القائل: “إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ” [البقرة: 222]، كما أنه موجِب لدخول جِنان الرحمن والفوز بالرضوان، بعد أن عده النبيُّ من علامات الإيمان وشعائر الإسلام؛ فقال في الحديث: “تخلَّلوا؛ فإنه نظافة، والنظافة تدعو إلى الإيمان، والإيمان مع صاحبه في الجنة” رواه الطبراني.

النبي صلى الله عليه وسلم أسوتنا وقدوتنا في النظافة والروائح الجميلة الطيبة:

فقد كانت له سُكَّة يتطيب منها، وكان ابن عمر يستجمر بالأَلُوَّة غير مُطرَّاة، وبكافور يطرحه مع الأَلُوَّة (الألوة بفتح الهمزة وضمها: العود الذي يُتبخَّر به، وغير مطراة: أي: غير مخلوطة بغيرها من الطِّيب)، ويقول: هكذا كان يستجمرُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم.

وقد وقَّت النبي صلى الله عليه وسلم للغسل يومًا كل أسبوع؛ ففي الحديث: “غُسل الجمعة واجبٌ على كل محتلم، وسواك، ويمس من الطِّيب”؛ (رواه مسلم).

والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: “حُبِّب إليَّ من دنياكم الطِّيب والنساء، وجُعلت قرة عيني في الصلاة”، و”من عرض عليه طِيب، فلا يرده؛ فإنه طيِّب الريح، خفيف المحمل”، وكان صلى الله عليه وسلم لا يردُّ الطيب، وكانت تفوح منه دائمًا رائحته، حتى إذا ما سار في طريق عرف الناس (من جمال رائحته) أنه كان يسير فيه.

وعن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أطيب الطيب المسك”، أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي.

 

 

منافع الطيب

 

والمسك ملِك أنواع الطيب، وأشرفها، وأطيبها، وهو الذي تضرب به الأمثال، ويُشبَّه به غيره، ولا يُشبَّه بغيره، وهو كثبان الجنة (والكثيب: الرمل المستطيل المحدود)، يسرُّ النفس، ويقوِّيها، ويقوي الأعضاء الباطنة جميعها شربًا وشمًّا، والظاهرة إذا وضع عليها، نافع للمشايخ والمبرودين، لا سيما من الشتاء، جيد للغشي والخفقان وضعف القوة؛ بإنعاشه للحرارة الغريزية، ويجلو بياض العين، وينشف رطوبتها، ويفُشُّ الرياح منها، ومن جميع الأعضاء، ويبطل عمل السموم، وينفع من نهش الأفاعي، ومنافعه كثيرة جدًّا، وهو من أقوى المفرحات“، زاد المعاد ج4 ص 395 لابن القيم.

وفي الحديث، استحباب الطيب للرجال كما هو مستحب للنساء؛ لكن يستحب للرجال من الطيب ما ظهر ريحه وخفي لونه، وأما المرأة: فإذا أرادت الخروج أو غيره كُرِه لها كل طيب له ريح، ويتأكد استحبابه للرجال يوم الجمعة والعيد، وعند حضور مجامع المسلمين، ومجالس الذكر والعلم، وعند إرادته معاشرة زوجته، ونحو ذلك؛ (قاله النووي في شرح مسلم (15 / 10).

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “طِيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطِيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه”؛ أبو داود في اللباس (4/324) مشار إليه في منهج السنة النبوية في رعاية الصحة ص 90.

وفي الطيب من الخاصية أن الملائكة تحبه، والشياطين تنفِرُ منه، وأحب شيء إلى الشياطين الرائحة المنتنة الكريهة؛ فالأرواح الطيبة تحب الرائحة الطيبة، والأرواح الخبيثة تحب الرائحة الخبيثة، وكل رُوح تميل إلى ما يناسبها؛ فالخبيثات للخبيثين، والخبيثون للخبيثات، والطيبات للطيبين، والطيبون للطيبات، وهذا وإن كان في النساء والرجال، فإنه يتناول الأعمال والأقوال، والمطاعم والمشارب، والملابس والروائح، إما بعموم لفظه، أو بعموم معناه؛ (زاد المعاد ج 4 ص 280).

ومنافع الطيب كثيرة؛ فلذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعمله كثيرًا.

 

 

نظافة فم النبي صلى الله عليه وسلم

 

وكانت أم المؤمنين عائشة حينما تُسأل عن أي شيء يبدأ به النبي حينما يستيقظ من نومه، تقول: كان يبدأ بالسواك، وكذلك كان يفعل حينما يدخل بيته.

وقال صلى الله عليه وسلم: “لولا أن أشقَّ على أمتي، لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة”؛ (البخاري).

وقال أيضًا: “مَن أكل البصل والثُّوم والكراث، فلا يقربن مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم”؛ (متفق عليه).

وفي حثّه صلى الله عليه وسلم على نظافة أسنان المسلم، وحتى لا يوجد بينها بقايا طعام يتخمر ويؤدي إلى تعفن رائحة الفم ونتانته، روى الإمام أحمد في مسنده أن أبا أيوب قال: خرج علينا صلى الله عليه وسلم فقال: “حبذا المتخللون من أمتي”، قال: وما المتخللون يا رسول الله؟ قال: “المتخللون في الوضوء، والمتخللون من الطعام؛ أما تخليل الوضوء، فالمضمضة والاستنشاق وبين الأصابع، وأما تخليل الأسنان، فمن الطعام، إنه ليس شيء أشد على الملَكين من أن يريا بين أسنان صاحبهما طعامًا وهو قائم يصلي“، وفي سنن ابن ماجه وغيره قال صلى الله عليه وسلم: “تسوكوا؛ فإن السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب، ما جاءني جبريل إلا أوصاني بالسواك، حتى خشيت أن يُفرَض عليَّ وعلى أمتي”.

وفي الاعتناء بهندام المسلم وجمال هيئته وحُسن مظهره وباطنه يقول صلى الله عليه وسلم منبهًا وآمرًا: ((قصوا أظفاركم، وادفنوا قلاماتكم، ونقوا براجمكم، ونظِّفوا لثاتكم من الطعام، لا تدخلوا علي قلجًا بخرًا))، (القلج: هو صفرة الأسنان، والبراجم: العقد التي في ظهور الأصابع يجتمع فيها الوسخ، والمراد بدفن القلامة تغييبها تحت الأرض؛ لأن أجزاء ابن آدم مكرمة، والبَخَر: هو نتن رائحة الفم).

 

وسنن الفطرة أيضًا نظافة

 

يقول كذلك في وصيته لأمته (رجالها ونسائها): “من الفطرة: حلق العانة، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، والختان”، ويحث على تنظيف المغابن، (وهي الأرفاغ: جمع رفغ، وهي بواطن الأفخاذ عند الحوالب، وكل ما ثنيت عليه فخذك من شأنه أن يجتمع فيه الوسخ والعرق)، وإزالة شعر العانة، وفي حديث عكرمة: “من مس مغابنه، فليتوضأ”، وذلك احتياطًا منه صلى الله عليه وسلم؛ فإن الغالب على من يلمس ذلك الموضع أن تقع يده على فرجه.

وقد قالت الحكماء‏:‏ من نظف ثوبه قل همه، ومن طاب ريحه زاد عقله‏.‏

عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جوَاد يحب الجود، فنظفوا أفنيتكم وساحاتكم، ولا تشبَّهوا باليهود”، وفي لفظ: “فنظفوا بيوتكم”.

النظافة واجبة على الزوجة أيضًا:

ذلك أن المرأة شريكة للرجل في أوامر الشرع الحنيف ونواهيه؛ فالنساء -كما هو معلوم- شقائقُ للرجال؛ قال تعالى: “وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ” [البقرة: 228]؛ لذلك فنظافة الزوجة وتجمُّلها لزوجها واجبة عليها، وما من امرأة تعهدت نفسها بنظافة ثيابها وبدنها وجمال ظاهرها وباطنها، إلا حازت في قلب زوجها المكانةَ العالية، والمنزلة السامية، والمرأة التي تهمل نظافة بدنها تعملُ على إبعاد زوجها عنها بيدها، ليرتمي في أحضان أخرى نظيفة.

وقد قال جان جاك روسو: ليس ينفر الإنسان من شيء في العالم أكثر مما ينفر من المرأة القذرة.

ومن المؤسف أن نرى كثيرًا من النساء يهملن الزينة والتجمل والنظافة في بيوتهن، بينما يظهرنها للرجال في الطرقات العامة، وهذا تبرُّج فاحش، لا يجمل بالمرأة أن تُظهِره، وكأني بها تتمثل المثل المصري القائل: (في البيت قردة، وفي الشارع وردة).

ولقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم المرأة التي سألتْه عن غسل الحيض أن تأخذ قليلاً من مسك أو غيره من الروائح الطيبة، فتجعله في قطنة أو صوفة أو خرقة أو نحوها، فتطيب به الفرج؛ لتزيل الرائحة الكريهة التي تتولد عن دم الحيض؛ (رواه الجماعة إلا الترمذي)، وما ذلك إلا مراعاة لحق الزوج في نظافة زوجته إذا أراد أن يلمس هذا المكان منها.

 

 

من وصايا الصحابة والتابعين

 

وما أجمل ما أوصت به أمامة بنت الحارث ابنتها أم إياس بنت عوف الشيباني عند زواجها من عمرو بن حُجْر ملِك كِندة، حيث قالت لها في الوصية الثالثة والرابعة: التفقد لمواقع عينيه وأنفه؛ فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشَم منك إلا أطيب ريح (رائحة).

وهذه امرأة توصي ابنتها فتقول لها: يا بنيتي، لا تنسي نظافة بدنك؛ فإن نظافته تحبب زوجك إليك، ونظافة بيتك تشرح صدرك، وتصلح مزاجك، وتنير وجهك، وتجعلك جميلة محبوبة ومكرمة عند زوجك، ومشكورة من أهلك وأهله ومن ذويك (أقاربك)، وأترابك وزائراتك، وكل من يراك نظيفة الجسم والبيت تطيب نفسُه ويسر خاطره.

هذا فضلاً عما للنظافة من تأثير في توطيد أركان الصحة والصفاء، وما للقذارة من أثَر في جلب الأمراض والشقاء.

قال الأصمعي: رأيت في البادية امرأة عليها قميص أحمر وهي مختضبة (يدها محمرة بالحناء)، وبيدها مسبحة، فقلت: ما أبعد هذا من ذاك! فقالت: “للهِ مني جانبٌ لا أضيعه .. وللهو مني والخلاعة جانب“؛ فعلمت أنها امرأة صالحة لها زوج تتزين له.

وهذا عبدالله بن جعفر بن أبي طالب يوصي ابنته حين تزوجت بالتجمُّل والنظافة، فيقول لها: “وعليك بالكحل؛ فإنه أزين الزينة، وأطيب الطيب الماء“.

وهذه نائلة زوجة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه ينصحها أبوها حين زواجها منه بقوله: “أيْ بنيتي، إنك تقدمين على نساء من نساء قريش هن أقدر على الطيب منك، فاحفَظي عني خَصلتين: تكحلي وتطيبي بالماء؛ حتى يكون ريحك (رائحتك) ريح شن أصابه المطر (الشن: القربة)”، (وانظر الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني).

وقال أبو الأسود لابنته: وعليك بالزينة، وأزين الزينة الكحل، وعليك بالطيب، وأطيب الطيب إسباغ الوضوء.

ويراعي الإسلام توجيه الزوجة توجيهًا لطيفًا للعناية بهندامها؛ حتى لا تظهر أمام زوجها إلا في أجمل صورة وكأنها في ليلة عرسها، كما يمنع الرجل من تطلب عثرات زوجته، أو رؤيتها على صورة قبيحة تنفِّره منها، (وبخاصة شعر العانة، المأمورة بإزالته مثل الرجل تمامًا).

وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا دخلت ليلاً، فلا تدخل على أهلك، حتى تستحد المغيبة وتمتشط الشعثة“؛ (المغيبة: هي التي غاب عنها زوجها، وتستحد: المراد به حلق العانة، والشعثة: القذرة؛ لبُعد عهدها بالاستحمام؛ لعدم وجود زوجها معها).

ألاَ فليعتبر بهذا نساؤنا وفتياتنا اللاتي شاعت فيهن اليوم بدعة إطالة الأظفار، التي تصبح مجمعات للأوساخ والميكروبات تحتها، وقد كشفت لنا العلوم الطبية الحديثة عن أن هناك أمراضًا تنقلها الأظافر غير النظيفة؛ مثل: الإسهال، والمغص، والتهابات العيون، والإصابة بالديدان المعوية، ناهيك عن نقص طهارة صاحبة الأظافر الطويلة.

يقول الشاعر:

قل للجميلة أطلقتْ أظفارَها .. إني لخوف كدت أمضي هاربا

إن المخالب للوحوش نخالها .. فمتى رأينا للظِّباء مخالبَا

بالأمس أنت قصصتِ شعرك غيلة .. ونقلتِ عن وضع الخليقة حاجبَا

وغدًا نراك نقلت ثغرَكِ للقفا .. وأزحتِ أنفك رغم أنفك جانبَا

مَن علَّم الحسناء أن جمالها .. في أن تُخالف خَلْقَها وتُجانبَا

إنَّ الجمال من الطبيعة رسمه .. إنْ شذ خط منه لم يكُ صائبَا

 

 

النظافة عند غير المسلمين

 

ولا يفوتنا في هذه المقالة أن نذكر حال غيرنا وموقفهم من النظافة؛ إذ بضدها تتميز الأشياء كما يقولون، ونقول مستعينين بتوفيق الله:

لتاريخ النظافة البدنية الداخلية جدًّا جدًّا في الغرب ريح ممقوت لا يزال حتى يومنا هذا على ما هو عليه، نادرًا ما يتغير، وإنه ليذكرنا بفضل الإسلام علينا، وحسد أعدائنا لنا عليه، حتى قالوا في عصر النبوة: “قد علمكم نبيكم صلى الله عليه وسلم كل شيء حتى الخراءة؛ (رواه أحمد، وأصحاب الصحاح جميعًا إلا البخاري).

وقد كان لهذا الوضع أثره المباشر فيما أظلم على أوربا من قرون في حدوث الطاعون، حتى ذكرت بعض الأخبار أن الفتاةَ الفرنسية حتى وقت قريب كانت لا تغتسل.

وكانت إحدى ملكات أوروبا تفتخر بأن الماء لم يقرب جسدها من بعد التعميد، فهل كان هذا حال (بلاطها)، أم خالفها بعضه، وأي ريح فاح في هذا البلاط؟!

لكن العجب العجاب أن يبرر القوم لهذا الوضع، فيذكروا أن بالفم من الجراثيم ما في الشرج، وهذه مغالطة أسوأ حالاً من هذا الوضع نفسه، فقد اجتهدوا للفم بأدوات لنظافة اللِّثَة والأسنان بمختلف المعاجين والسوائل، ولم يسلكوا السبيل نفسه إلى نظافة هذا الجزء من البدن بالماء.

قد رأينا -فيما سبق- أن الإسلام كان له فضل السبق في سَنِّ السواك، والحث على النظافة قبل أربعة عشر قرنًا من الزمان، حتى جعلها عنوان الإيمان وشعاره.

وقد حدث في سنة 1963 في مدينة دندي بإنجلترا أنْ ظهرت حالات (تيفود) بصورة متلاحقة في فترة وجيزة، مما أثار القلق من أن يتصاعد هذا الموقف إلى حدوث حالة وبائية بالمدينة.

وصدرت تعليمات صحية بوجوب الاستنجاء بالماء بعد التبرز، والإقلاع عن استعمال أوراق المراحيض؛ حيث إنه ثبت أن هذه أنجح وسيلة لمنع انتشار العدوى بالمدينة، وفعلاً اتبع سكان مدينة دندي هذه التعليمات التي جاء فيها حرفيًّا: “النظافة الشخصية تكون بالماء، كما يفعل المسلمون، وليس بالأوراق التي بدورات المياه…”، ولم تمض سوى أيام قليلة إلا واختفت حالات التيفود.

 

 

د. عوض الله عبده شراقة

المصدر

 

وداعًا للملل.. 10 خطوات لتجديد حياتكما الزوجية

يشتكي الكثير من الأزواج من الملل الزوجي بعد مرور فترة من الزمن على ارتباطهما، ذلك على الرغم من الفترات الجميلة العامرة بالحب والرومانسية التي قضياها سويًا في فترات العقد وبداية الزواج؛ بل ويتخيل البعض أن الحب والمشاعر قد ذابا مع الأمور الحياتية بعد أن كانت كلمات ومشاعر الحب لا تكفيهما للتعبير عما يفيض بقلوبهما؛ فصار الروتين هو السائد في البيت؛ ما يجعل الكثيرين يتساءلون: كيف نواجه الجفاف العاطفي الذي حلّ بنا؟

فالزواج نعمة من أعظم نعم الله على الإنسان؛ حيث قال تعالى: “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ”، والزوجة الصالحة سبب عظيم من أسباب السعادة في الدنيا.

 

المرأة ودورها في تجديد الزواج

الزواج عشرة وحياة بين رجل وامرأة، خلق الله لكليهما شخصية مختلفة عن الآخر، وشبّه “جون جراي” العلاقة بينهما -في كتابه المشهور الرجال والنساء والعلاقات بينهما- كالعلاقة بين كائنين كل منهما من كوكب مختلف؛ فالرجال كانوا يعيشون في كوكب المريخ والنساء كن يعشن في كوكب الزهرة، وقررا لقاء بعضهما البعض كأزواج في كوكب الأرض، كل منهما يدرك أن للآخر طباعًا وسلوكيات تختلف عن الآخر؛ لذلك وجب أن يتعايشا ويفهم كل منهما الآخر.

وقد خلق الله تعالى الأنثى عاطفة جياشة، تهوى الحب والرومانسية في علاقتها بشريك حياتها؛ وبالتالي كان على الزوجة الدور الأكبر في تجديد حياتها الزوجية، بل والتخطيط لذلك؛ خاصة مع زيادة أعباء الحياة من الناحية الاقتصادية؛ مما جعل على الزوج عبئا كبيرًا لتوفير سبل المعيشة. والتجديد هنا لا يعني أبدًا أن يبحث أحد الزوجين عن شريك آخر بدل الشريك الحالي؛ بل المقصود بتجديد الحياة الزوجية إصلاح العيوب التي تعاني منها العلاقة بين الزوجين لكي تبدو حياتهما في صورة جديدة أجمل.

وهنا يجب أن يدرك كلا الزوجين أن الحياة الزوجية تبدأ عادة بحب كبير، ومشاعر جياشة، ورومانسية طاغية؛ لكن مع مرور الوقت وثقل التبعات على الطرفين يفتر هذا الحب وتغيب الرومانسية عن واقع الحياة اليومية بين الزوجين، لدرجة يصل معها كلا الطرفين إلى الاعتقاد بأن الحب لم يعد له وجود بينهما؛ بل وقد تفشل الحياة الزوجية بالطلاق، الذي غالبًا ما لا يكون حلًا للمشاكل؛ إنما يكون الطلاق بمثابة فشل في إيجاد سبب لفجوة بين الزوجين وما يترتب عليها من مشكلات.

الأبناء سبب في وجود الفجوة

 

حينما نبحث عن السبب الحقيقي وراء هذا الغياب لمشاعر الحب عن الحياة الزوجية نجد أن الأزواج يظنون أن الحب انفعال وتأثر، وما دام أنهم لا يشعرون به فإنه لا مجال لفعل شيء لإيقاظه أو لإحيائه بين القلوب؛ بل ويلقي الزوجان المسؤولية الكاملة على الطرف الآخر، وهنا تكمن المشكلة، كما أن وجود الأولاد في حياة الزوجة وكثرة أعبائهما تجعلها كثيرًا ما تتناسى مهامها تجاه الزوج؛ بل وتعتقد بعضهن أن الأولى هم الأبناء، بل وإن بدأت الخلافات تظهر بينها وبين زوجها لفضلت رعاية أبنائها عن تلبية احتياجات زوجها، غير عابئة بالتفكير في سبل التوفيق بين شؤونهما.

 

وقد يرجع البعض أن اختلاف البيئات الثقافية والاجتماعية، وكذلك الفوارق العمرية بين الزوجين في نشوء الفجوات بينهما؛ ومن ثم الجفاف العاطفي. لكن، يجب أن يدرك هؤلاء أن الحب بين الزوجين يحمل طابعًا خاصًا؛ لا سيما اللذين مر على زواجهما سنون وأعوام، فهو حب لا يعوقه عائق مهما كان، لكن أحيانًا إن كان الفارق في السن كبيرًا بينهما، وكان الزوج يرى نفسه رجلًا كبيرًا -لا يصح له أن يعيش لحظات الحب أو الرومانسية- تشعر الزوجة بالضيق، وتعتقد أنها تفقد الحب مع شريك حياتها؛ فهذه ليست مشكلة؛ إنما يكون دور الزوجة في تأجيج مشاعر الحب بينها وبين شريك حياتها الذي اختارته هي ووافقت به زوجًا وحبيبًا لها. والرجل مهما كبر سنه فله قلب يلين مع زوجة متميزة.

 

بداية طريقكِ لتجديد زواجكِ

وعلى الزوجات اللاتي يعانين من الجفاف العاطفي في علاقتهن الزوجية أن يبدأن في تجديد زواجهن؛ حتى لا يتركن مجالًا لزيادة الفجوة بينهن وبين شريك الحياة.

إليكِ هذه الخطوات:

  1. ازرعي في أعماق نفسكِ أن التجديد لن يأتي بعصا سحرية؛ إنما يتطلب جهدًا كبيرًا من الزوجين، ويجب أن تكون هناك عزيمة وإرادة لذلك، وإلا لن يتحقق أي شيء؛ بل -لا قدر الله- قد يتسبب الجفاف العاطفي في انهيار الحياة الزوجية ببطء، وهنا يجب أن تصارحي زوجكِ بهذه المشاعر التي تعانين منها، ووضحي له أن التواصل العاطفي مطلوب بعد الزواج أكثر من فترة عقد القران، وتناقشا سويًا في كيفية تجديد حياتكما.

  2. لا تجعلي أولادكِ شغلكِ الشاغل. خصصي بعض الوقت على مدار اليوم لزوجكِ لتلبية احتياجاته وكأنكما في أول أسبوع الزواج.

  3. حافظي على التجديد في مظهرك بشكل دائم، سواء في شكل ملابسكِ أو تسريحة شعركِ، أو مكياجكِ أو عطرك؛ فالرجال دائمًا يميلون إلى التجديد ويكرهون الروتينية. وانتبهي ألا تكون أناقتكِ فترة المساء فقط؛ إنما حافظي على مظهركِ الجذاب طوال اليوم، وتجنبي الطهي وشؤون المنزل في فترات تواجد زوجكِ.

  4. صوني غرفة نومك أنت وزوجكِ عن كل الخلافات أو المناقشات الحادة؛ لتكون هذه الغرفة بمثابة العش الدافئ للحب والحنان بينكما، بل والملاذ من ما يعكر صفو حياتكما.

  5. اقتطعي جزءًا من ميزانية الشهر ورتّبي ليوم مميز تقضينه أنت وزوجكِ بعيدًا عن مشاكل البيت والأولاد، تستعيدان فيه أيام عقد القران وبداية زواجكما. وخلال هذا اليوم قدمي له بعض المفاجآت الرومانسية التي تثير مشاعر حبه تجاهكِ؛ كأن ترسلي الأولاد إلى بيت الجدة وتغلقي أضواء المنزل وتضيئي الشموع التي قد يحبها زوجكِ، وأعدي له العشاء المفضل وتحدثي معه عن قيمة المشاعر في حياتكِ.

  6. حاولي أن تخلو العلاقة بينكما من أي مشكلات. كوني معه زوجة مطيعة. تقربي إليه بالكلمات الجميلة؛ فالرجال بشر، ولا تتخيلي أن يسمع رجل من زوجته أبشع الكلمات في الصباح ثم يأتي المساء لتطلب منه أن يُسمعها كلمات الحب!

  7. إن كان زوجكِ يقضي وقتًا طويلًا خارج البيت في غير العمل، خططي لاستعادته إليكِ بالطرق التي ترينها مناسبة؛ ليشعر زوجكِ من خلالها بالمفاجأة السعيدة وتجعله يتشجع مستقبلًا للعودة إلى البيت فور انتهاء دوام العمل. أما إن كانت طبيعة عمله شاقة وتتطلب منه وقتًا طويلًا خارج البيت فواظبي على الاتصال به يوميًا لتخبريه بمكانته في قلبكِ واشتياقكِ الدائم له، وابعثي له رسائل الجوال من وقت لآخر؛ بل ولا مانع أن تبعثي عبر أحد محال الزهور بباقة ورد جميلة يستقبلها فور وصوله إلى المكتب في الصباح؛ فهذا كله من شأنه أن يجعلكِ بباله في كل لحظة، ورتبي معه موعدًا لإجازة تقضيانها سويًا يغلق فيها هاتفه النقال!

  8. رتبي لأفكار غير تقليدية تجددين بها زواجكِ، رتبي مع زوجكِ أن تعيدا حفل زواجكما في يوم رائع، ترتدين فيه ثياب عرسكِ وهو كذلك، وأقيما حفلا في حضور الأسرتين، واجعليه يوم مرح مضحكًا؛ ينتهي بمشاعر فياضة بينكما في نهايته. وحاولي كذلك التنزه مع زوجكِ في بعض الأماكن التي تنزهتما بها فترة عقد القران وبداية فترة الزواج، واسترجعا سويًا هذه الفترة الجميلة من حياة أي زوجين.

  9. التواصل العاطفي لن يكتمل إلا بالرضا التام من كلي الزوجين عن علاقتهما الخاصة؛ فحافظي على ذلك وتفنني في سعادة زوجكِ.

  10. قد يعبّر بعض الرجال -خاصة ما بعد الأربعين من العمر- عن حبه بطريقة تختلف عن النساء؛ فعندما يراكِ متعبة ويعد لكِ كأسًا من العصير ويحضر لكِ الدواء فهو بذلك يقول لكِ أحبكِ، وعندما يعرض عليكِ غسيل الصحون يوم الجمعة وقت فراغه فهو بذلك يقول لكِ إنه يحبك؛ فلا تتسرعي دائمًا في اتهامه بعدم حبه لكِ أو التقصير في ذلك.

وأخيرًا، يجب أن تعلم كل زوجة أن الحب طفل صغير، يستطيع الإنسان أن يقتله في مهده أو أن يتركه حيًا، ولكن بلا روح أو حراك، أو أن يوقظه فيجعل منه قوة هائلة تضفي على حياته جوًا من البهجة والتفاؤل والسعادة.

 

 

بقلم: لمى هلال

الوفاق الزوجي

لا شك أنّ الزواج فيه مسؤوليات كثيرة، وليس أشق من السير بالزواج في طريق النجاح والعمل على إسعاده. فالذي يجب على الرجل أن يكون ذا مودة ورحمة، وأن يكون ممن يتصفون بالصفات اللازمة؛ فهم المسؤولون عن عائلتهم، المكلفون بإطعامها، وبكسائها، وبتعليم أولادهم؛ ومن أجل هذا فهم يبذلون ما في جهدهم في الحصول على ثمن هذه الأشياء كلها، وهم أحرار في أن ينفقوا على زوجاتهم ما شاؤوا أن ينفقوه من مال، وغرضه أن يقنعها ويشرفها بين الناس، وبالاختصار فإنه حر في أن يستبقي على صفات الرجولة اللازمة له في هذا المعترك.

ولا يبقى بعد ذلك إلا أن يهنآ بعيشهما، وأن يسعدا تحت سقف بيتهما؛ فيرتبطان بالحب، ويتماسكان بالضرورات من شؤون الحياة، ويعملان على أن يكونا أصحاء الأجسام أقوياء؛ ليحصلا على السعادة. وبالاختصار، فهما في حاجة إلى ماذا؟

الجواب إنهما في حاجة إلى “الوفاق الزوجي”. وقد يتفقان من حيث العقل، ومن حيث الاحترام؛ ولكنهما يجهلان الحياة، ويجهلان طريق السعادة فيها، وربما يقنعان بما هما فيه من نجاح أو فشل، ويكتمان ذلك عن أعز أصدقائهما، ثم يتعرفان بخطأهما أخيرًا ويبدآن يتشاحنان ويعركان الحياة، ويشقيان ما شاءا أن يشقيا مدى حياتهما، أو يجابهان الحقيقة فيسعيان إلى الطلاق ويفران من بعضهما.

والرجل يرتاب من نفسه بعد، ويرى حكمته قد ضاعت وقد انهدم هيكل أمله؛ إذ شاء يومًا أن يحلم بالسعادة وعاد فلم يستطع أن يفسّر حلمه؛ فأخذ يكيل للنساء ما شاء من سخط، ويرفع عقيرته بالإساءة إليهن ويذكرهن بكل قبيح.

وترى خير الرجال وأعقلهم أولئك الذين حافظوا على الفضيلة واحتموا فيها، وغريب أمر هؤلاء على سعة عقولهم، وكثرة معارفهم أن يدخلوا ميدان الزواج وهم يجهلون المرأة التي أحبوها؟

نعرف كثيرًا من الرجال الذين كانوا يطمرهم الجهل بالشؤون الزوجية، وكان جهلهم لا يطاق؛ لكن العطف والإشفاق والحنان كانت كلها بسبيل إلى تخفيف فداحة هذا الجهل. وإلى جانب هذا، فإن هناك أضرارًا جسمية جمة، وأخطاء خلقية، كان الزواج بسبيل إلى إيجادها.

قال أحد المفكرين: كثيرًا ما رأى امرأة شريفة ترتعش خائفة عند اقتراب زوجها منها، وليست هي حادثة واحدة؛ بل هناك حوادث غير محصورة من هذا القبيل يبقى أثرها في كل الحياة الزوجية.

يقول هافلوك أليس ضمن كتاباته عن الأزواج: يظهر أنه لم يخبرهم أحد أن الحب فنّ، وأن الرجل في حاجة إلى ذكاء وحكمة ليحصل بهما على المرأة ويمتلك منها جسمها وقلبها.

 

بقلم: د. زيد بن محمد الرماني

المصدر

المنافسة بين الزوجين

من الطبيعي أن أيّ توافق بين شخص وآخر في العمر والثقافة والظروف الاجتماعية والبيئية يحقق نسبة كبيرة من نجاح العلاقة والتواصل بينهما؛ لأن مثل هذا التوافق يخلق بين الطرفين نوعًا من الألفة الروحية والفكرية والعاطفية والاجتماعية.

وهذا لا يتحقق بشكل طبيعي وعاديّ في حالة اختلاف هذه العناصر بينهما؛ لأن الإنسان عندما يعيش مع شخص آخر يشبهه من حيث الأجواء والموقع والانتماء لا يشعر بالغربة، ولا يحس أنه فقد شيئًا من مزاجه، أو شيئًا من حياته الاجتماعية، أو شيئًا من أوضاعه الخاصة والعامة. وقد جاء في بعض كلمات الشعراء: «كلُّ شكلٍ لشكله ألِفُ».

ولكن، عندما ندرس عمق المسألة في التفاصيل، فإننا نجد أن ذلك لا يمثل خطًا عامًا يوصل إلى تناغم العلاقة على الدوام؛ لأن الإنسان الذي يحتاج إلى التنوع -حتى لا يشعر بالغربة- قد يحس بالحاجة إلى شخص آخر مخالف نسبيا لما هو عليه؛ من أجل أن ينفتح على أفق جديد لا يملكه في واقعه الحالي المعتاد عليه, خاصة في الحياة الزوجية التي تطول عن أي علاقة أخرى. فمع القليل من الاختلاف والتنوع، بل والمنافسة أحيانًا، تكتسب الحياة الزوجية المزيد من التجدد والحيوية؛ لكن الخطير في هذا الموضوع أن يزيد الأمر على حده فينقلب إلى ضده.

فمما لا شك فيه أن هناك تنافسًا مستمرًا بين المرأة والرجل في الحياة الزوجية؛ فالحياة الزوجية ليست كلها تعاون وتواصل إيجابي وحبّ وألفة، بل هناك تنافس أيضًا. وأشكال التنافس تأخذ صورًا ظاهرة واضحة أو خفية غير مباشرة، وذلك وفقًا لشخصية الزوجين وظروفهما؛ ففي العلاقة الزوجية التقليدية -حيث يعمل الرجل خارج المنزل وتعمل المرأة داخله- يأخذ التنافس أشكالًا تختلف عنها في العلاقات الزوجية الأخرى حينما يعمل الطرفان خارج المنزل.

ومن أمثلة التنافس في العلاقات التقليدية: الخلاف حول الطبخ والطعام وجودته وإتقانه؛ حيث تتفنن الزوجة في ألوان الطعام المختلفة لإبهار الزوج بقدراتها، كما أنها في ذات الوقت تنزعج كثيرًا إذا تدخّل الزوج في أمور المطبخ وإعداد الطعام. وهذا التدخل تراه الزوجة نوعًا من التنافس والمنافسة، وقد تنشأ خلافات شديدة وحادة نتيجة لذلك.

والرجل عندما يعطي رأيه أو يتدخل عمومًا في مجال الزوجة فإنها تعتبر ذلك تقليلًا من شأنها، وتنزعج، وربما تقاوم بتصرفات يمكن أن تكون مرضية ومبالغًا فيها أحيانًا؛ ما يساهم في نشوء المشكلات الزوجية أو تفاقمها.

وببساطة، فإن شؤون المطبخ تمثل قيمة خاصة للزوجة تدافع عنها وتنافس الرجل فيها وتعلن تفوقها ورضاها. وكذلك الرجل يدافع عن قوته في مجالاته وميادينه (شؤون العمل أو الإدارة مثلًا)، وأيّ تدخل للمرأة في ذلك يمكن للرجل أن يعتبره تنافسًا وتدخلًا؛ ولذلك فهو يقاوم بشدة ويحاول التفوق على منافسه وغلبته وتحطيمه في بعض الأحيان.

أما إذا كانت الزوجة عاملة فقد يأخذ التنافس موضوعات أخرى؛ مثل: التحصيل العلمي أو المادي أو المهني أو التفوق في الثقافة والمعرفة العامة أو التخصصية وغير ذلك.

ومما لا شك فيه أن التنافس عمومًا يمثل حافزًا إيجابيًا ويساهم في الإبداع والإنتاج والتحصيل. وهناك التنافس المقبول الإيجابي، ولكن هناك التنافس المدمر السلبي، والصراع الذي يمكن أن يكون عامل هدم في العلاقات الإنسانية عمومًا، وفي العلاقات الزوجية خصوصًا.

ولا بد من القول إن العصر الحاضر وقيمه التي تشجع على الفردية والأنانية وتقديس الذات لها دورها في زيادة حدة التنافس وإشعاله بين الأزواج، ومن ثم ازدياد الاختلاف والصراع. ولا يعني ذلك أن التنافس لم يكن موجودًا قديمًا؛ ولكن ربما كان بدرجات أقل أو أشكال مختلفة.

12 وسيلة تعينكما على تنمية العاطفة في حياتكما الزوجية

العاطفة في الحياة الزوجية هي الحب الذي يكنّه الزوجان للآخر، أو هو الجاذبية التي تجذب كلاهما نحو الآخر وتشده إليه؛ فهي شعور داخلي ناتج من استحسان أوصاف وطبائع وأخلاق الطرف الآخر، وميل فطري إلى النواحي الجمالية والصفات الخلقية والخُلقية لشريك الحياة.

وهي في العلاقة الزوجية بمنزلة الملح للطعام، أو الماء للنبات؛ فكما أنه لا قيمة للطعام دون ملح، ولا حياة للنبات دون ماء؛ فكذلك الحياة الزوجية لا طعم لها ولا ضمان لاستمراريتها وبقاء حيويتها دون عاطفة.

وتتجسد قيمة العاطفة في إبدائها للطرف الآخر وإشعاره بوجودها والعمل على تنميتها؛ فالحب المكنون في القلب الذي لا يعمل صاحبه على إبدائه كالوردة التي لا عطر لها، حيث تصبح العلاقة الزوجية سطحية جافة، فاقدة للحيوية والانتعاش، يسيطر الملل على جوانبها، وتعمّ الوحشة جميع أرجائها؛ فالمرأة بحاجة إلى ما يخفف عنها عناء الأعمال المنزلية، والرجل بحاجة إلى ما يخفف عنه متاعب العمل أو الوظيفة، وكلاهما بحاجة إلى ما يسري عنه همومه وأحزانه، ويخفف من وطأتها عليه، وبحاجة إلى إحساسه بأن هناك من يعتني به ويراعي مشاعره.

 

أعظم وسيلة

 

وهناك الكثير من الوسائل لتنمية العاطفة بين الزوجين، وهي في نفس الوقت وسائل تعبير عن الحب المضمر في القلب. وقبل الشروع في ذكر الوسائل فإني أحب أن أذكّر القارئ الكريم أن أهم وسيلة وأعظم طرية لتقوية العلاقة بين الزوجين طاعتهما لله وابتعادهما عن محاربته بالمعاصي؛ قال تعالى: “إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا”. غير أن الله تعالى جعل لك شيء أسبابه، كما أن عامة صنوف الإحسان إلى الطرف الآخر تعمل على تنمية الحب بين الزوجين؛ فقد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها، غير أني سأركز على نقاط معينة غفل أو تغافل عنها الكثير من الأزواج؛ من أهمها:

  • الكلام العاطفي الصريح، واستخدام كلمات الحب والغرام. فقد روي أن السيدة عائشة كانت تقول: “سمعت حبيبي صلى الله عليه وسلم يقول كذا وكذا…”.

  • مخاطبة شريك الحياة بالكنى والألقاب الحسنة، وتدليل الأسماء أو ترقيقها أو ترخيمها، كما روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يخاطب السيدة عائشة بقوله: “يا عائش” أو “يا حميراء”.

  • المزاح والمداعبة ومقابلة الطرف الآخر بالكلمة الرقيقة والابتسامة الحانية، وعدم التجهم والعبوس في وجهه دون مبرر؛ وهذا من أهم وسائل الترويح عن نفسية الطرف الآخر وتخفيف أحزانه. وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان يمازح زوجاته ويداعبهن، وقد ذكر صلى الله عليه وسلم في بعض أحاديثه أنّ وضْع اللقمة في فم الزوجة فيه أجر ومثوبة، وهو من صور المداعبة.

  • التغزّل في الزوجة وذكر النواحي الجمالية فيها.

  • الإشادة بأخلاق الطرف الآخر وحسن تعامله، وشكره على ما يقدم من خدمات، والإغضاء عن هفواته بتذكر حسناته، وعدم استخدام المناظير السوداء بالتركيز على النواحي السلبية.

  • إطراء الزوج، حسن اختيار الزوجة للباسها، وحسن صنيعها في الطعام، وحسن ترتيبها لأثاث المنزل واهتمامها بشؤون العائلة.

  • حرص الزوجة على التزيّن الدائم لزوجها، وحرصها على اختيار ما يميل إليه من اللباس وألوانها، وانتقاء ما يميل إليه ذوقه من العطر والزينة وغيرها، وكذلك الحال بالنسبة إلى الزوج.

  • احترام الزوج لميول زوجته الفكرية واهتماماتها الثقافية، وعدم دفعها أو إجبارها على التقيد بنواحي فكرية معينة يميل إليها؛ إلا إذا كانت تميل إلى أفكار هدامة منافية للقيم الدينية والاجتماعية.

  • احترام مشاعر الطرف الآخر وأحاسيسه، والابتعاد عما يكدّر خاطره ويجرح مشاعره؛ فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لصفية بنت حيي (وكان أبوها من اليهود): “لقد كان أبوكِ من أشد الناس عداوة لي حتى قتله الله”، فقالت: يا رسول الله “ولا تزر وازرة وزر أخرى”؛ فلم يذكر صلى الله عليه وسلم أباها بعد ذلك بسوء؛ حفاظًا على مشاعرها واحترامًا لأحاسيسها.

  • تبادل الهدايا بين الزوجين في المناسبات؛ فإن الهدية من أكبر أسباب المحبة، كما قال صلى الله عليه وسلم: “تهادوا تحابوا”.

هدايا الناس بعضهم لبعض .. تولد في قلوبهم الوصالا

وتزرع في النفوس هوى وحبّا .. وتكسوهم إذا حضروا جمالا

  • احترام أهل الطرف الآخر، والإشادة بهم وحسن تربيتهم، وعدم ذكر عيوبهم والتنقص بهم؛ فإن في ذلك إيذاء للطرف الآخر وتنقصًا به، إلا إذا كان على سبيل التحذير من عادة أو خلق معين يتّصفون به.

  • الابتعاد عن سوء الظن في شريك الحياة أو التشكيك في سلوكه دون مبررات وأدلة؛ فإن شدّة الغيرة والمبالغة فيها معول هدم للحياة الزوجية.

وقد يعتقد كثير من الأزواج أن بعض هذه الأمور منافية لرجولته أو تقلل من هيبته أمام زوجته، ويرجع اعتقادهم هذا إلى عوامل نفسية أو تربوية أو اجتماعية، كالضعف النفسي أو نشأتهم على الشدة والقسوة أو التدليل الزائد، أو نشأتهم في بيئة جافة من ناحية عاطفية؛ فليقلب هؤلاء سير المصطفى صلى الله عليه وسلم أكمل الرجال رجولة وأعلاهم هيبة ليجدوا الأمر بعكس تصورهم.

فقد كانت حياته صلى الله عليه وسلم حافلة بحسن تعامله مع زوجاته وتلطفه بهن، وكانت العاطفة الصادقة تسود جو حياته الزوجية، فقد كان طليق الوجه مبتسمًا، ولم يكن متجهما عبوسا، وهو القائل: “إن الله يحب السهل اللين القريب”، لا كما يفعل بعض الرجال حين يدخل بيته كالوحش الكاسر يملؤه صخبًا وصراخا، ولا يعرف إلا الشدة والعنف والغلظة، فنسأل الله السلامة والعافية.

 

الكاتب: محمد بن سعيد المسقري