همسة في أذن الأزواج 

لقد ساح الشيطان، إنس وجن، في بيوت المسلمين وعمل فيها عمله الخبيث الذي برع فيه بأساليب مقننة ومحكمة ومخطط لها بدقة متناهية وعلى مدار الساعة.

فهو الذي يعمل على هدم الأسرة من داخلها.

﴿ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ﴾ [البقرة: 102].

وهذا جلي جدًّا خاصة في استخدام الشياطين التقنيات الحديثة، ووسائل التواصل بين الأفراد، والمواقع الإباحية، التي دخلت كل مكان وفي أي وقت. فوقعت الفواحش، والقتل، وتشريد الأبناء، وتفكك الأسر والمجتمعات.

أيها المسلم؛ ألم يجعل الله ما يغنيك عن كل هذه الفواحش؛ ﴿ وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًا لِّتَسْكُنُوٓاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الرّوم: 21].

فلما لا تستخدم ما أحل الله لك، والنعمة التي أسداها إليك؟!.

فهو الذي خلق لك زوجتك من نفسك.

ألا تستشعر هذا في نفسك وتتعامل مع زوجتك التي هي منك بهذه الروح والانسجام النفسي الرباني الذي وهبه الله لك؟!.

ضع هذا نصب عينيك في تعاملك مع زوجتك، وعش سعيدًا بها، لتشعر بالسكينة إليها، أسعد نفسك بزوجتك، واذكر نعمة الله هذه؛ قال تعالى: ﴿ فَٱذْكُرُوٓاْ ءَالَآءَ ٱللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الأعراف: 69].

فهو الذي جعل بينكم المودة والرحمة، فأي نعمة هذه؟!

فهل هناك من يهبكما هذه المودة والرحمة إلا الله؟!

أيها المسلم؛ إن لم تكن هذه المودة والرحمة موجودةً بينكما فالعيب فيك أنت، ففتش في نفسك ولا تلومنَّ إلا نفسك، فالله صادق في قوله: ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾.. ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلًا ﴾ [النساء: 122].

وعلى الزوجة أيضا أن تُسعد نفسها بزوجها وتسعده بنفسها، وإلا فالعيب فيها.

أيها المسلم؛ إن لم تجد في زوجتك ما يرضيك، فعليك بالصبر واحتسب عند الله، فسوف يرضيك بها إذا صبرت عليها، تمعن قول الله تعالى: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُواْ شَيْـًٔا وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 19].

تحمل أذاها واصبر فسيجعل الله في ذلك خيرًا كثيرًا؛ فإن لم تشعر بذلك فالعيب فيك أنت وصدق الله؛ ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلًا ﴾ [النساء: 122].

أيها الأزواج؛ لا تهدموا عشكم وسعادتكم في الدنيا بأيديكم، وإني لأتعجب كيف احتفظ نبي الله نوح، ونبي الله لوط، كل بزوجته لنهاية عمرهما ولم يتفرقا، رغم ما كانت عليه زوجاتهما من الكفر، كما وصف الله ذلك؛ قال تعالى: ﴿ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَتَ نُوحٍۢ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍۢ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَٰلِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا وَقِيلَ ٱدْخُلَا ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدَّٰخِلِينَ ﴾ [التحريم: 10].

فهل تستطيع أيها المسلم تحمل زوجتك وتحتسب عند الله الأجر والثواب ولا تهدم عش الزوجية وتشرد أولادك؟!

أكرر.. أسعدوا أنفسكم وزوجاتكم وأولادكم بهذا المنهج الرباني، لا بمنهج شياطين الإنس والجن وارتكاب الفواحش والتعري، وأخر طلعة وآخر نزلة لعارضات أجسامهنَّ التي أكرمهنَّ الله بها، فاستخدموها في معصية الله.

______________________
بواسطة:

أ . د . فؤاد محمد موسى

______________________
رابط الموضوع: https://www.alukah.net/social/0/158004/

الأسرة والابتلاء بالفقر 

المسلم يسعى إلى الغنى والكسب الحلال, ومع هذا فهو يجعل الدنيا في يده وليس في قلبه, ويعلم أن الرزق محسوم ومقسوم؛ قال تعالى: ﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾ [الذاريات: 22]، والمسلم يستعيذ بالله من شر فتنة الفقر والقلة والذلة؛ لأن الفقر قد يذل المرء, وقد يُودي به إلى ما لا يحب؛ لذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله منها؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ، وَالْقِلَّةِ، وَالذِّلَّةِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَظْلِمَ، أَوْ أُظْلَمَ))؛ رواه البخاري.

والرسول صلى الله عليه وسلم لم يخشَ علينا من الفقر فقط, بل خشي علينا من الدنيا كلها, وتنافُسنا وتكالُبنا عليها, وجعلها هدفنا ومقصودنا؛ قَالَ صلى الله عليه وسلم: ((لَعَلَّكُمْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ قَدِمَ، وَقَدِمَ بِمَالٍ؟))، قَالُوا: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((أَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا خَيْرًا، فَوَ اللهِ، مَا الْفَقْرُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ إِذَا صُبَّتْ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا، فَتَنَافَسْتُمُوهَا كَمَا تَنَافَسَهَا مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ))؛ أخرجه أحمد.

وعَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: قَال مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم: ((اطَّلَعْتُ في الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ، وَاطَّلَعْتُ في النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ))؛ رواه البخاري.

إن الفقر إذا أصاب الأسرة جعلها فريسةً سهلةً لمشاكل الدنيا بسبب قلة الوعي المالي عند بعضها، والفقر أو العوز ليس حكمًا مؤبدًا على أسرة تعاني من أزمة مالية مزمنة، بل هو مجرد مشكلة، لها مسبباتها، ولها حلولها كذلك، وإليك بعض الخطوات التي تساعد الأسرة على التغيير:

• معظم الأُسَر الفقيرة تعاني نوعًا من عدم الانسجام بين أفرادها، وهذا وحده سببٌ لضعف الإنتاج والتدبير داخل الأسرة؛ لذا على الأسرة أن تتبنى رؤية مالية واضحة تجعل للأسرة أحلامًا وأهدافًا تدفع جميع أفرادها إلى العمل وفق تخطيط مسبق بدل ترك الأمور تجري لحالها.

• خلق مصادر دخل جديدة؛ كالعمل في الفترة المسائية، أو البيع والشراء، أو البحث عن وظيفة للأولاد، أو تغيير الوظيفة لأحسن منها.

• على الأسرة أن تعرف أن الفقر فقر الطموح وليس نقص المال، فمتى ما كان هناك عزم كان هناك سبيل.

• هناك أُسَر كثيرة تحصل على دخل محترم، إلا أنها تعيش في كل مرة ضائقة مالية؛ لأنها ببساطة تُبدِّد مواردها المالية في نفقات غير أساسية يمكن الاستغناء عنها.

• على الأسرة أن تحرص على ادِّخار 10٪ على الأقل من الدخل الإجمالي للأسرة دائمًا ومهما كانت ظروفك.

• على الأسرة أن تمتلك المعرفة والمهارات الضرورية التي تُمكِّنها من اتِّخاذ القرارات المالية الصحيحة، وغرس ثقافة الادِّخار والاستثمار لدى أفراد الأسرة، وتقديم إستراتيجيات التعامل مع الانتكاسات المالية لأفرادها.

• على الأسرة أن تعلم أنَّ الرزق بيد الله تعالى، فمهما كان سعيها فإنَّه لا يحصل إلَّا ما كتب الله لها، وأن تستيقن الأسرة أنَّ السعادة ليست مقترنةً بوفرة المال، بل إنَّ السعادة تكون في الرضا والقناعة.

• أن تعتاد الأسرة النظر في حال من هم أقلُّ منهم رزقًا وقسمةً، ولا ينظرون إلى من فُضِّلوا عليهم في الأرزاق، بل أن تتوجَّه الأسرة لربها بسؤاله البركة في الرزق الحلال.

أسأل الله أن يُعظِّم لنا أجورنا على صبرنا، وأن يرزقنا كل خير، وأن يجعل بيوتنا عامرة بالطاعة والعمل الصالح وحسن الخلق، وأن يصلح لنا ولكم الذرية، وصلى الله على سيدنا محمد.

____________________
بواسطة:

عدنان بن سلمان الدريويش.

____________________
رابط الموضوع: https://www.alukah.net/social/0/154468/

عاشروهن بالمعروف؟ وإن لم توجد المودة والحب “ما يغفل عنه الأزواج” 

هذه قضية يجب أن يتنبه لها المسلمون جميعًا؛ كيلا يُخربوا البيوت.

إن الكثير من المسلمين يريدون أن يبنوا البيوت على المودة والحب فقط، ومن هنا تنبَع المشكلات الأسرية وتتفاقم؛ فالزوج يريد زوجة تحقق له كل متطلبات الحيات الزوجية بأبعادها الخيالية الرومانسية، وهذا لن يكون في الواقع الذي أراده الله لنا في الدنيا، فهي دارُ اختبار وابتلاء، لا دار نعيم مقيم.

وكذا يفكر الكثير من الشباب ويبحث في الدنيا عن هذه الأحلام والخيالات ليختار شريكة حياته، فلا يجدها.

لقد قابلت الكثير من هذا الصِّنف من الشباب، الذين قد كبُر عمرهم، وخارت قوتهم؛ بحثًا عن هذا الخيال وهذه الأحلام، وقد فقدوا الأمل في الوصول إلى ذلك.

كما قابلت كثيرًا من الأزواج الذين تزوجوا تحت هذا الوهم، فكان خراب بيوتهم سريعًا بأيديهم وبفكرهم غير الواقعي، فلم يستطيعوا التكيف والتعامل مع زوجاتهم، فما كان منهم إلا أن يلعنوا الطرف الآخر، ويعلِّقوا سبب فشلهم عليهم.

وهناك من تزوَّج تحت هذا الوهم وحاوَل الاستمرار في زواجه، مطالبًا زوجته بتحقيق هذا الوهم بالضغط عليها ومعاملتها معاملة سيئة؛ ما سبب لها الأذى الكبير، فجعلها كالمعلَّقة.

وهناك من عدَّد زوجاته؛ بغية الوصول إلى وهمه، مما زاد من مشكلات حياته.

وهناك من تقلَّب في الزواج والطلاق أيضًا؛ بغية أن يصل إلى حلمه؛ فأرهق نفسه وغيرَه معه.

هذا واقع شاهدته بكثرة في حياة الأسر المسلمة، إنها مشكلة مُسْتَشْرِيةٌ تؤرق المجتمع المسلم، ولكن ما الحل لذلك؟

إن الحل وضعه رب هذا الكون وخالقه ومدبره؛ ﴿ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الأعراف: 54].

قال تعالى: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 19].

هذا هو الحل – أيها المسلم – إن كنت تؤمن بالله.

فعلى الزوج أن يعاشر زوجته بالمعروف، من الصحبة الجميلة، وكف الأذى وبذل الإحسان، وحسن المعاملة، واحتمال الأذى منها، والحلم عن طيشها وغضبها، ومن آداب المعاشرة – أيضًا – أن يزيد على احتمال الأذى منها بالمداعبة والمزح والملاعبة، فطيبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم، وينبغي لكم – أيها الأزواج – أن تُمسكوا زوجاتكم مع الكراهة لهن، فإن في ذلك خيرًا كثيرًا؛ من ذلك امتثال أمر الله، وقَبولُ وصيته التي فيها سعادة الدنيا والآخرة، ومنها أن إجباره نفسَه – مع عدم محبته لها – فيه مجاهدة النفس، والتخلق بالأخلاق الجميلة، وربما تزول الكراهة، وتخلُفها المحبة، كما هو الواقع في ذلك، وربما رُزق منها ولدًا صالحًا، نفع والديه في الدنيا والآخرة.

ثم ختم سبحانه الآية الكريمة ببيان أنه لا يصح للرجال أن يسترسلوا في كراهية النساء، إن عَرَضَتْ لهم أسباب الكراهية، بل عليهم أن يُغلِّبوا النظر إلى المحاسن، ويتغاضوا عن المكاره؛ فقال تعالى: ﴿ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 19].

فالآية الكريمة ترشد إلى حِكَمٍ عظيمة؛ منها: إن على العاقل أن ينظر إلى الحياة الزوجية من جميع نواحيها، لا من ناحية واحدة منها، وهي ناحية البغض والحب، وأن ينظر في العلاقة التي بينه وبين زوجه بعين العقل والمصلحة المشتركة، لا بعين الهوى، وأن يحكِّم دينه وضميره قبل أن يحكِّم عاطفته ووجدانه، فربما كرهت النفس ما هو أصلح في الدين وأحمد وأدنى إلى الخير، وأحبت ما هو بضد ذلك، وربما يكون الشيء الذي كرهته اليوم، ولكنك لم تسترسل في كراهيته سيجعل الله فيه خيرًا كثيرًا في المستقبل؛ قال تعالى: ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 216].

روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يفرُكُ مؤمن مؤمنة، إن كرِه منها خُلُقًا رضيَ منها آخر))؛ أي: لا يبغضها بغضًا كليًّا يحمله على فراقها؛ أي: لا ينبغي له ذلك، بل يغفر سيئتها لحسنتها، ويتغاضى عما يكره لما يحب، والفَرْكُ: البغض الكلي الذي تُنسى معه كل المحاسن.

فالإسلام ينظر إلى البيت المسلم بوصفه سكنًا وأمنًا وسلامًا، ويقول للأزواج: ﴿ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 19]؛ أي: تمسكوا بعقدة الزوجية فلا تنفك لأول نزوة.

فجعل الإسلام لهذه المؤسسة الإنسانية الكبرى جديتها، فلا يجعلها عُرْضَةً لنزوة العاطفة المتقلبة، وحماقة الميل الطائر هنا وهناك.

_______________________
بواسطة:

أ.د.فؤاد محمد موسى .

_______________________
رابط الموضوع:

https://www.alukah.net/social/1030/155497/22l/

{ولهن مثل الذي عليهن} 

إن من أسرار فنِّ العشرة بين الزوجين ودوام الألفة، وكمال المودة بينهما – أن ينطلقا من التوجيه القرآني في تربيتهما، فكلٌّ منهما يحتاج للآخر، وكل منهما يكتمل بالآخر، وبالتالي فكل منهما لا يستغني عن الآخر في أصل التركيبة الإنسانية، فكلٌّ منهما له حق وعليه حق، وتُرفرف السكينة والطُّمأنينة في البيت المسلم إذا فهِم الزوجان هذا الجانب في حياتهما الزوجية، ولذا ذكر الله هذا الأمر صريحًا في القرآن الكريم، فقال تعالى: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [البقرة: 228]، يقول ابن كثير رحمه الله في تفسيره لهذه الآية: “أي: ولهن على الرجال من الحق مثل ما للرجال عليهنَّ، فليؤدِّ كلُّ واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف”.

قلت: وهذا في جميع الجوانب سواءً كانت التعاملات الحياتية العامة كطرفين يعيشان معًا تحت سقف واحد، وبينهما مصالح مشتركة، فكلٌّ منهما يحتاج من الآخر الاحترام والتقدير ومراعاة المشاعر العامة، أما كانت هذه الاحتياجات في الجوانب الزوجية من تبادُل مشاعر الحب والود، ودِفء المشاعر العاطفية بينهما، فكل منهما له حق وعليه حق يجب أن يقدم ذلك طاعة وعبادة وقربةً لله تعالى، ولا ينتظر الآخر أن يقدم له أولًا بحجة أنه هو أكثر عاطفة أو احتياج، أو هو الطرف الذي يبدأ له الطرف الآخر بهذا الاحتياج، حتى يبادله الاحتياج بالاحتياج، وهذا خلاف التوجيه المذكور.

فإذا فهِم الزوجان مقصود هذا التوجيه على عمومه، استقرت الحياة الزوجية بينهما، واستطاع كلٌّ منهما أن يقدِّم ما يرضي ربه أولًا، ثم يسعد نفسه ثانيًا، ثم يسعد زوجه وبقية أسرته ثالثًا، وأما إذا فهم التوجيه على أن هذا لا يشمل الخصوص في الحياة الزوجية كما يتبادر للكثير من الأزواج والزوجات، فعند ذلك لا يستقرب ما يسود بعض الأُسر من تفكُّك أسري وضعف وتدهور في العلاقة الزوجية بين الزوجين في هذه الجوانب؛ لأن كل واحد ينتظر الطرف الآخر أن يبادره بهذا الحقِّ الذي يظن أنه واجبٌ عليه، فقط ينبغي أن يُؤَدَّى للطرف الآخر، ولذا بدأ الله في خطابه بالتوجيه للنساء “بلهنَّ”، مؤكداً بأن “عليهنَّ” حتى يذهب ما لديهنَّ مِن لبس في هذا الجانب، وكذلك حتى يذهب ما للرجال مِن لبسٍ في هذا الجانب، فالحياة الزوجية في البيت المسلم والمجتمع المسلم تقوم على التواد والتراحم والتعاطف والتكامل، وليس على الجفاء والإعراض والتباعد والتهاجر، وبرود العاطفة بينهما!.

_____________________
بواسطة:

الدكتور عوض حمد الحسني.

______________________
رابط الموضوع: https://www.alukah.net/social/0/156088/-

سكن الروح.. وعين الرضا 

رباط الحبِّ بين الزوجين رباط مقدسٌ، تُدثِّره الرحمة، وتظلله غصون المودة، فلِمَ يختلف الزوجانِ على شيء تافه، ويتطور العداء، حتى يتخلخل هذا البناء الشامخ العتيد؟

يا لأمر خديجة والحبيب صلى الله عليه وسلم، يعود إلى حضنها بعد ساعات رهيبة قضاها في الغار، كادت أن تختلف منها أضلاعه.

كأني به تصطكُّ أسنانه من شدة البرد، ويرتجف وقد عَلَتْهُ رهبة الموقف وشدته، وهو يقول لخديجة التي مُلئت حنانًا من رأسها إلى أخمص قدميها: دثروني… دثروني…

كانت هذه الكلمة لا سواها هي التي تدوي في البيت، وتمتلئ أركان البيت بصداها.

دثروني فأنا متعب…

مرهق…

مبرود…

لا أطيق الوقوف على قدمي…

لا تحملني رجلاي…

فتُهرع خديجة تدثره…

وقبل دثار اللباس دثرت قلبه بشَغاف قلبها…

كان بإمكانه أن يأخذ غطاءه وينزوي على نفسه، ويلتف في لحافه، وتجيش أنفاسه دون علم خديجة، لكن كان يريد مشاعرها قبل دثارها، وقلبها قبل غطائها.

يا خديجة: “والله لقد خشيت على نفسي”.

فترد: “كلا، والله لا يخزيك الله أبدًا”.

ثم تصفه بصفات هي من أعظم ما وُصف به الحبيب صلى الله عليه وسلم.

أي ثقة كانت عند خديجة؟!

أي قلب تحمل؟!

أي أمل تصنع؟!

ما أنقى قلبها الذي كان يجيش بتلك العواطف!

لقد كانت أمًّا قبل أن تكون زوجة، فما قلبها إلا قلب عطوف رؤوم، تحن على صغيرها الذي ينتفض من البرد؛ كعصفور على غصن شجرة.

كان الرسول صلى الله عليه وسلم يبادلها نفس الشعور؛ فقد كان محبًّا لها، يعرف قدرها، ويعلي من مكانتها، ويعرف حقها، وعندما ودَّعَتِ الدنيا، أظلمت الدنيا في وجهه، وكان ذلك العام عام الحزن.

الروح إذا سكنت إلى إلْفِها، واطمأنت في عُشِّها، صار البيت حديقة وارفة، ومرتعًا آمنًا، ونزلت البركة، وتغَشت الرحمة، وهطل الرزق، وعمَّ الخير.

ذكر الإمام أحمد بن حنبلٍ رضي الله عنه أنه أقام مع زوجته أمِّ صالح ثلاثين عامًا، فما اختلف معها في كلمة!

وذكر الرافعي رحمه الله بقاءه أكثر من خمسة وعشرين عامًا مع زوجته لم يختلفا إلا مرةً واحدة، كان هو المخطئ فيها!

كيف يمكن أن نجعل البيت كله سكينة وحبًّا وجمالًا؟

بالتفاهم وعدم رفع الصوت، وأن يعتبر كل منهما الآخر شريكًا له في هذه الحياة، فيظلله بالحب والرحمة والود.

إن نفوس الكثير من الأزواج والزوجات أصبحت متصحرة من الحب، قاحلة من الود، ضربها جفاف العاطفة، فتشققت عن خصام وبغضاء، وهجر واختلاف، ففارقها الإلْفُ، فعاد انعكاس ذلك عليهم هم وأولادهم، وأصبحت تلك الأسر في شقاء.

الحب بين الزوجين رابط قوي، وحبل متين، وعروة وثيقة، ولقد وقفتُ على كلمات عجيبة في مذكرات الشيخ محمد الغزالي، وهو يتذكر رفيقة دربه، فيقول عنها كلامًا لطيفًا يبعث الشجى، ويثير كوامن الذكرى؛ إذ يقول: “لقد عشتُ مع زوجَتي ثلاثين سنةً كأسعدِ زوجَين في الدنيا، وكافَأتها على رِضاها بفَقري، فأسكنتُها الغرفَ، وأذقتُها الترَف، وجعلتُها تدوسُ الحريرَ والذهب، وأنجبتُ منها تسعًا من الوَلد، استودعتُ ربي اثنين، وبقيَ لي سبعٌ من الإناثِ والذكور، ثم فارقَتْ الدنيا على غيرِ انتظار، فبكيتُها من أعماقي، وتمثَّلت بما قيل:

أما والذي أَبكى وأضحكَ والذي أماتَ وأَحيا والذي أمرُه الأمرُ لقد تركتَني أحسدُ الطير أن أرى أليفينِ منها لا يروعُهما الذعر” 

وقفتُ على قضايا زوجية تافهة لا تُذكر، ولا تستحق الذكر، تطورت حتى انتهى الأمر بالانفصال، ما الذي يجعل الهوة تكبر، والخرق يتسع؟

إنه غض الطرف عن كل محاسن الرفيق، والنظر بعمق إلى عيوبه.

فإذا نظرتَ بعينِ الرضا، هانت تلك المساوئ وصغُرت وتلاشت واختفت؛ وقديمًا يقول الإمام الشافعي:

وعينُ الرضا عن كل عيبٍ كليلةٌ ولكن عين السخط تُبدي المَساويا 

وكما أن هذه العين موصوفة بأنها كليلة، فقد وُصِفت أيضًا بأنها عمياء؛ إذ يقول الشاعر:

وعينُ السخط تبصرُ كل عيبٍ وعينُ أخي الرضا عن ذاك تَعمى 

وكما سُمِّيت هذه العين التي تغض الطرف عن هفوات الرفيق بعين الرضا، فقد سميت أيضًا باسم أعمق من هذا، فقد سميت بعين الحب؛ كما قال الشاعر:

وعينُ البغضِ تبرزُ كل عيبٍ وعينُ الحبِ لا تجدُ العيوبا 

وحتى لا يحصل شرخ في بناء العلاقة الزوجية، يجب على الشريك أثناء حصول أي خلاف في وجهة نظر، أو التقصير في القيام بمهمة موكَلة من أحد الطرفين – الهدوءُ قليلًا، والتروي، وضبط النفس، وتذكر المحاسن، والإعراض صفحًا عن تضخيم العيوب، وقَلَّ – بل عدم – أن تجد شخصًا مبرَّأً من النقص والعيب والزلل، بل المتنبي له مذهب موغلٌ في هذه القضية، فهو يرى أن عيوب الصديق حسنات؛ فيقول موضحًا مذهبه بكل جرأة:

ويَقبُح مِن سواك الفعلُ عندي وتفعلُه فيحْسنُ منكَ ذاكا 

ويقابل عين الرضا عين السخط؛ إذ يقول أبو العتاهية مميزًا بينهما:

أرى العين عينَ السخط عينًا سخينةً ويا عينُ عينَ الرضا ما أقرها 

الحياة الزوجية تقوم على التكامل، وإلا تتآكل، وسفينة العلاقات لا بد أن ترمَّم بين الحين والآخر، وإلا ستغرقها أمواج الخلافات، وعش الزوجية عش جميل ماتع؛ فلقد سمى الله عز وجل كلًّا من الزوجين لباسًا للآخر، واللباس من طبيعته الستر؛ فهو يستر الجسد ويغطيه؛ ستر من العيوب، ستر من الهفوات، تحصين من الزلَّات، صرفٌ لهذه الشهوة المستعِرة، وتوجيهٌ لها في الحلال؛ لتطيب الحياة، ويكمل النقص، وما أقبح أن يرى الزوج زوجتَه أنها مجرد متعة فحسب، ضاربًا بإنسانيتها عرض الحائط.

الحياة الزوجية أكبر من هذا.

إنها مسألة العيش المشترك، والأمان، والاطمئنان، والزاوية التي تجد فيها مواقد الدفء، وأفانين السعادة، وجِنان الحب، وبسمات الود.

والزوجة سكن، وما أجمله من سكن! فيه الراحة والهناء وطيب العيش وجمال المستقر، فإن وجِد في هذا السكن ما ينغص، فمن الكرم تحمُّل هذه المنغصات، ومن اللؤم تكبيرها، وتفسيرها، وتحميلها ما لا تحتمل، ومن الكرم وحسن الخلق تغميض العينين عما يشوب العلاقة؛ فالإغضاء أمر مهم لدوام العلاقة، أما تتبع العثرات وتصيدها وتحديق النظر إليها، فهذا يعجِّل بانتهاء زمن الحب، بل لا تكاد تجد رفيقًا، ولن يسلم لك حبيب؛ وفي ذلك يقول الشاعر:

وَمَن لَم يُغمِض عَينَهُ عَنْ صديقِهِ وَعَن بَعْضِ مَا فِيهِ يَمُتْ وَهْوَ عَاتِبُ وَمَنْ يَتتبعْ جَاهِدًا كُل عَثْرَةٍ يَجِدهَا وَلا يَسلمْ لَهُ الدهْر صَاحِبُ 

والتعامي عن هفوات الرجل من كرم الزوجة، ولكن أيضًا عليها أن تُقَدر الضغوط التي يواجهها الزوج، ومشاق الحياة، وطبيعتها المتعبة، وأن تعلم أنها تستطيع بذكائها أن تكسب عقله، وتستميل قلبه، وتجره إليها جرًّا برقتها.

ولا يُعَد التعامي عن الأخطاء وتمريرها جبنًا، ولكن للحفاظ على هذا البناء الشامخ من أن ينهار فجأة، أو تضربه صاعقة، فتهد منه جانبًا؛ وفي هذا يقول الشاعر:

وأُغمِضُ عَينِي عن أمورٍ كَثيرةٍ وإني عَلَى تَرْكِ الغُمُوضِ قَدِيرُ وَمَا مِنْ عَمى أُغْضِي وَلَكِنْ لَربمَا تَعَامَى وَأَغْضَى المَرْءُ وَهْوَ بَصِيرُ 

ولا أقصد هنا الأخطاء الكبيرة التي لا تحتمل، إنما الأخطاء اليومية المتكررة، والروتين الذي يجري بسبب وضع البيت أو العمل أو إعداد الطعام أو الأولاد، وما شابهه ذلك، فما يجري بسبب هذه القضايا لهو أمر هين، لا ينبغي أن يشتد فيه الخصام، وتتطور فيه المهاترات، ويكثر بسببه العتاب والشدة والهجر.

الحياة الزوجية قيامها لا بد أن يكون على الود، فإن لم يكن ودٌّ، فلتكن هناك رحمة ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾ [الروم: 21].

يجب أن تظل الزوجة سكنًا كما وصفها القرآن بذلك، ولا بد للزوج أن يبني هذا السكن ويحسن بناءه، ويهتم بجماله وحُسنه، ويحافظ على صفائه ونقائه، وأن يرمم هذا البناء كلما داهمه الخطر؛ لئلا يقع فينهدم على أهله، وتضيع أسرة بكاملها، كما أنه من الضرورة أن يشتغل بإحسانه دومًا؛ لتظل فيه البهجة والحياة، ويبقى فيه الأنس والراحة، والطمأنينة والانشراح، وطيب الخاطر، وجمال الإمتاع والمؤانسة.

_____________________
بواسطة:

عامر الخميسي

_____________________
رابط الموضوع: https://www.alukah.net/social/0/157553/