{ولهن مثل الذي عليهن} 

إن من أسرار فنِّ العشرة بين الزوجين ودوام الألفة، وكمال المودة بينهما – أن ينطلقا من التوجيه القرآني في تربيتهما، فكلٌّ منهما يحتاج للآخر، وكل منهما يكتمل بالآخر، وبالتالي فكل منهما لا يستغني عن الآخر في أصل التركيبة الإنسانية، فكلٌّ منهما له حق وعليه حق، وتُرفرف السكينة والطُّمأنينة في البيت المسلم إذا فهِم الزوجان هذا الجانب في حياتهما الزوجية، ولذا ذكر الله هذا الأمر صريحًا في القرآن الكريم، فقال تعالى: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [البقرة: 228]، يقول ابن كثير رحمه الله في تفسيره لهذه الآية: “أي: ولهن على الرجال من الحق مثل ما للرجال عليهنَّ، فليؤدِّ كلُّ واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف”.

قلت: وهذا في جميع الجوانب سواءً كانت التعاملات الحياتية العامة كطرفين يعيشان معًا تحت سقف واحد، وبينهما مصالح مشتركة، فكلٌّ منهما يحتاج من الآخر الاحترام والتقدير ومراعاة المشاعر العامة، أما كانت هذه الاحتياجات في الجوانب الزوجية من تبادُل مشاعر الحب والود، ودِفء المشاعر العاطفية بينهما، فكل منهما له حق وعليه حق يجب أن يقدم ذلك طاعة وعبادة وقربةً لله تعالى، ولا ينتظر الآخر أن يقدم له أولًا بحجة أنه هو أكثر عاطفة أو احتياج، أو هو الطرف الذي يبدأ له الطرف الآخر بهذا الاحتياج، حتى يبادله الاحتياج بالاحتياج، وهذا خلاف التوجيه المذكور.

فإذا فهِم الزوجان مقصود هذا التوجيه على عمومه، استقرت الحياة الزوجية بينهما، واستطاع كلٌّ منهما أن يقدِّم ما يرضي ربه أولًا، ثم يسعد نفسه ثانيًا، ثم يسعد زوجه وبقية أسرته ثالثًا، وأما إذا فهم التوجيه على أن هذا لا يشمل الخصوص في الحياة الزوجية كما يتبادر للكثير من الأزواج والزوجات، فعند ذلك لا يستقرب ما يسود بعض الأُسر من تفكُّك أسري وضعف وتدهور في العلاقة الزوجية بين الزوجين في هذه الجوانب؛ لأن كل واحد ينتظر الطرف الآخر أن يبادره بهذا الحقِّ الذي يظن أنه واجبٌ عليه، فقط ينبغي أن يُؤَدَّى للطرف الآخر، ولذا بدأ الله في خطابه بالتوجيه للنساء “بلهنَّ”، مؤكداً بأن “عليهنَّ” حتى يذهب ما لديهنَّ مِن لبس في هذا الجانب، وكذلك حتى يذهب ما للرجال مِن لبسٍ في هذا الجانب، فالحياة الزوجية في البيت المسلم والمجتمع المسلم تقوم على التواد والتراحم والتعاطف والتكامل، وليس على الجفاء والإعراض والتباعد والتهاجر، وبرود العاطفة بينهما!.

__________________
بواسطة:

الدكتور / عوض حمد الحسني

__________________
رابط الموضوع:

https://www.alukah.net/social/1030/156088/

زوجتي.. شكرا لك 

زوجتي الغالية العزيزة، ذكرياتي معكِ كثيرة طيبة رائعة، لها أثرها المتجدِّد، وعبَقها الفوَّاح، تلك المواقف الجميلة التي تعمل على تجديد العلاقة المتينة، وتقويتها يومًا بعد يوم، إنَّه رصيدُ أكثر من ثلاثة عقود، سنوات مرَّت سريعًا كأنها أيام، وهنا أدوِّن بعضَ الذكريات معكِ رفيقة الدرب حفظكِ الله ورعاكِ: إنَّها بعض المحطَّات التي مررنا بها معًا، وتوقفنا معها، وقد يكون غيرنا أكثر توقُّفًا واستفادة:

1- القرآن كلام الرحمن:

حيث كانت البداية وانطلاق المعرفة، فلا أنسى تِلك اللَّحظات عندما سمعتُ بمسابقة للقرآن الكريم على مستوى المدارس الإعدادية، وأنَّ بين الفائزات إحدى الفتيات من الأهل والجيران في تِلك القرية التي نَسْكنها، فلمَّا رأيتُ الاسم سُررتُ وسعدت أن يكون عندنا من أهل التميز بالقرآن، فشكرتُ الرحمن، وأضمرتُ في نفسي التواصل بإحسان، وفعلاً التقيتُ بالوالد الهمام، ودارَ الكلام، وحصل تشاور لأيام، وتمَّت الموافقة بفضل الواحد المنَّان.

وبقيَت العلاقة مع القرآن مستمرَّة إلى الآن، وها أنت على وشك ختمه حفظًا بإتقان، ولا أنسى فضلك في تلاوته في البيت عند الأولاد وفي كلِّ الأركان.

كم جميلة تِلك اللحظة والحلقة لتَدَارسه وتدبُّره في كلِّ أوان، مما يجلب الخيرَ والسعادة والفرح وبعد الأحزان والتحصُّن من الشيطان.

2- الوالدان الكريمان:

شكرًا لكِ على علاقتك الطيبة بهما التي أسعدَتني كثيرًا، فحُسن تعاملك معهما له آثاره الباقية المستمرة، ومِن نِعَم الله على العبد ألاَّ يكون هناك تنافُر بين زوجته وأمِّه وأبيه، فكيف إذا كانت المحبَّة والود والإيثار، إنَّها لحظات أُنْس وسعادة، شكرًا لكم جميعًا أمي الغالية وزوجتي العزيزة، ورَحِم الله الوالدَ وجمعنا به في الجنة.

3- الولدان عبدالله وعبدالرحمن:
إنَّهما أحب الأسماء إلى الله؛ ففي الحديث: ((إنَّ أحبَّ أسمائكم إلى الله عبدالله وعبدالرَّحمن))،والحمد لله الذي أَكرمني بآخر مولود عبدالله، وقد كان أول مولود عبدالرحمن، وبينهما ثلاثة واثنتان، إنَّها هبة الرحمن المنعِم المتكرِّم على الإنسان.

شكرًا لكِ زوجتي أم عبدالرحمن على التربية والإحسان، والله يكتب لكِ الأجرَ على تعب الولادة والسهَر والمتابعة حتى الآن، وأسأل الله أن يكونوا ذريَّة صالحة، ينفعون أنفسَهم ووالديهم وأُسَرهم وبلدهم وأمَّتهم، ويكونوا صالحين مصلِحين، ينفعوننا في الدنيا ويوم الدين.

4- رحلة الدراسة:

زواج بعد الثانوية في عمان، ثمَّ الوصول – بفضل الله – إلى الدكتوراه في السودان، مرورًا بمصر والسعودية إلى قطَر بلد الخير والإحسان، رحلة طويلة ليسَت بالهينة والسَّهلة لولا عَون الله وتوفيقه، ثمَّ وقوفكِ معي أيَّتها الحبيبة الغالية الطيبة الصابرة المحتسبة.

شكرًا لك على صبرك وتشجيعك ووقوفك عبر الطريق، وتذكيرك بعبادة الرحمن، فلا أنسى رحلتك معي، ووقوفك سندًا وعونًا ومشجِّعًا، وتحمُّلك آثار البعد عن الأهل والأرحام، واحتسابك الأجر من الكريم المنَّان، وخدمتك للزوج بجدٍّ واحترام.

5- مواقف متنوعة:

مواقف كثيرة خلال السنوات العديدة لا تخلو من فترات حُزن أحيانًا وفرح في أغلب الأحيان، وذلك بفضل الله الواحدِ الديَّان، والمؤمنُ أمرُه خيرٌ في كلِّ أوان، والحياة لا تأتي كلها وفق رغبة الإنسان، فسيِّد البشر صلى الله عليه وسلم لم يَسْلم من الأذى والألم والجوع والتَّعَب والحرمان، فكيف بنا نحن الضعفاء المساكين في هذا الزَّمان؟

فقد مرَّت بنا مواقف عند الزواج ومع الأبناء الكرام، وفي البلد الطيب، وفي السَّفر وعند التنقل بأمنٍ وسلام، مواقف في الصيف وأخرى في الشتاء من كلِّ عام، مواقف إيجابية حسنة مفرحة تبقى في الذاكرة زادًا لنا في الطريق على الدوام، وأخرى محزِنة ننساها ونحتسب أجرها عند الله يوم نلقاه عند القيام.

اللهمَّ وفق زوجتي الكريمة لكلِّ خير، وجنِّبها كلَّ شرٍّ، ووفِّقها لما تحب وترضى، واجزِها عنِّي خير الجزاء، وبارِك لنا في أولادنا، وارزقنا برَّهم لنا في الحياة وبعد الممات.

____________________

بواسطة :

الدكتور / سليمان الحوسني

____________________
رابط الموضوع: https://www.alukah.net/social/0/88078

مشاكل تهدد الحياة الزوجية 

لا يخلو بيت من مشاكل، وإن اختفت حينًا فلا بد أن تظهر في أحيان كثيرة؛ فهذا واقع الحياة، وهو واقع مشهود ومحسوس.

وفي سبيل الحفاظ على الحياة الزوجية واستمراريتها، وضَع القرآن تعاليم للزوجين تساعد على تحقيق ذلك، إن صدقَت عزيمتها.

وتسير خطوات المعالجة متسلسلة كالآتي:

1- الزوجان يبدأان الإصلاح:

فهما أعلم بما بينهما، وهما أقدر الناس على تدارك الشقاق وفتور العلاقات بينهما، وقد تكفي كلمة عتاب رقيقة، واعتذار عن هفوة، في إصلاحِ ما بينهما:

﴿ وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ [النساء: 128].

2- الحَكَمان يحاولان الإصلاح:

وإذا عجَز الزوجان عن الإصلاح بينهما، وسارت الأمور إلى الأسوأ، فلا مناصَ من تدخُّل خارجي، ويكون ذلك باختيار حَكَم من قِبَل الزوج، وحَكَم من قِبَل الزوجة، يفترض في كل منهما الحرص على استمرارية الحياة الزوجية.

﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ﴾ [النساء: 35].

3- أبغض الحلال إلى الله الطلاق:

وإذا فشِلت كل الوسائل لتحقيق المصالحة بين الزوجين، وبدتِ المعيشة بينهما مستحيلة، فلا مناص من اللجوء إلى الطلاق.

على أن الطلاق في الإسلام لا يعني الفرقة الدائمة بين الزوجين، إلا في حالة خاصة، وفيما عداها فهو تفرقة بينهما إلى حين، لعلها تكون عاملاً نفسيًّا يساعد على تهدئة النفوس الثائرة، وتضميد الجراح الحقيقية والمتوهمة، وهنا يسير الطلاق وفق قيود وضوابط، تعمل جميعها من أجل كبح الفرقة الدائمة كالآتي:

أ- الطلاق في طُهر:

فقد طلق ابن عمر امرأته وهي حائض، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يراجعها، فردها، ثم قال صلى الله عليه وسلم: ((إذا طهُرت فليطلق أو يُمسك)).

ب- الرجوع عن الطلاق في فترة العدة:

تُعرف العدة بأنها المدة التي تتربص فيها المرأة بعد طلاقها أو وفاة زوجها كي يحل لها الزواج من غيره، وقد أمر الله بإحصاء العدة؛ نظرًا لأهميتها في الحياة الزوجية، فقال:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ﴾ [الطلاق: 1].

وبالنسبة للمرأة العادية، ذات الحيض المنتظم، فقد حدد القرآن العِدة بثلاثة قروء، فقال:

﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ [البقرة: 228].

والقُرء – لغة – هو الحيض، وهو أيضًا الطهر؛ فهو من الأضداد، وبذلك يكون على المطلقة أن تمكثَ بعد طلاق زوجها لها طلاقًا صحيحًا مدة ثلاثة قروء؛ أي بعد وقوع ثلاث حيضات بعد الطلاق، قبل أن يحل لها الزواج بآخر.

ولقد أمر الله بإبقاء الزوجة المطلقة في منزل الزوجية خلال فترة العدة، إلا في حالة تردِّيها في البذاءة والفحشاء، بل إن الله كرمها إذ سمى منزل الزوجية بيتها، فقال:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ﴾ [الطلاق: 1].

ولا شك أن الحكمة من فترة العدة ومعيشة الزوجين خلالها في بيت الزوجية الذي سماه الله بيتها – من غير معاشرة جنسية – إنما لتكون سبيلاً إلى استعادة النفوس صفاءَها، وتضميد الجراح.

وخلال فترة العدة يستطيع الزوج مراجعة زوجته وإعادتها لعصمتِه دون حاجة إلى عقد جديد أو مهر جديد:

﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا ﴾ [البقرة: 228].

لكن الأمر ليس عبثًا؛ فقد حُسبت هذه طلقةً.

جـ- الطلاق مرتان:

لقد سمح الله بإيقاع الطلاق مرتين اثنتين فقط، يستطيع الزوج خلال عدتها مراجعة زوجته دون عقد ومهر، كما يحق له أن يعود إلى الزواج منها إذا انقضت عدتها ولم يراجعها فيها ولم تتزوج هي من رجل آخر.

أما إذا أسرف الزوجُ على نفسه، وأوقع بزوجته الطلقة الثالثة، فقد بانت منه بينونةً كبرى، وسواء انتهت الحياة الزوجية بالطلاق، أم استعيدت مرة أخرى، فقد أمر الله – سبحانه – بالمعروف والإحسان بين الزوجين:

﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 229، 230].

___________________
بواسطة:

اللواء المهندس أحمد عبدالوهاب علي

___________________
رابط الموضوع: https://www.alukah.net/social/0/88136/

من صور الرفق بالزوجة 

من صور الرفق بالزوجة: التلطُّف معها:

عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرّأها الله منه…الحديث، وفيه تقول عائشة: فقدمنا المدينة فاشتكيت بها شهراً والناس يُفِيضون من قول أصحاب الإفك، ويَريبني في وجعي أني لا أرى من النبي صلى الله عليه وسلم اللُّطْفَ الذي كنت أرى منه حين أمرض [1]،…

وفي لفظ آخر: وهو يَريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللُّطْف الذي كنت أرى منه حين أشتكي [2].

قال ابن حجر: (اللطف: بضم أوله وسكون ثانيه، وبفتحهما: لغتان، والمراد: الرِّفق، ووقع في رواية ابن إسحاق: أنكرتُ بعضَ لُطْفه )) [3].

ومن صور الرِّفق بالزوجة: التَّرفيهُ عنها، وتحقيق رغبتها، وإعطاؤها ما تحبُّ من الأمور المباحة.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل عليَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تُغَنِّيان بغناءِ بُعَاث، فاضطجعَ على الفراش وحوَّل وجهَه، ودخل أبو بكر فانْتَهرَني وقال: مِزمارةُ الشيطانِ عند النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم! فأقبل عليه رسولُ الله عليه السَّلام فقال: (( دعْهُما )) فلمَّا غفَل غمَزْتُهما فخرجَتا.

وكان يومَ عيدٍ يلعبُ السُّودانُ بالدَّرَق والحِراب، فإمَّا سألتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، وإمَّا قال: (( تَشْتهينَ تَنْظُرين؟ )). فقلتُ: نعم. فأقامني وراءَه، خَدِّي على خدِّه، وهو يقولُ: (( دُونَكُم يا بني أَرْفِدَةَ )). حتَّى إذا مَلِلْتُ قال:(( حَسْبُكِ؟ )). قلتُ: نعم. قال: (( فاذهبي )) رواه البخاري ومسلم [4].

قال ابن حجر: (( فيه: الرِّفق بالمرأة، واستجلابُ مودّتِها)) [5].

ومن صور الرِّفق بالزوجة: مجاراتُها، والسّماع لها

عن سعد بن أبي وَقَّاص رضي الله عنه قال: استأذنَ عمرُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعنده نساءٌ من قريش يُكَلِّمْنَهُ وَيَسْتَكْثِرْنَهُ، عاليةً أصواتُهُنَّ، فلما استأذنَ عمرُ، قُمْنَ يَبْتَدِرْنَ الحجابَ، فأَذِن له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَضْحَكُ، فقال عمرُ: أَضْحَكَ الله سِنَّكَ يا رسول الله؟. قال: (( عَجِبْتُ من هؤلاء اللاتي كُنَّ عندي، فلمَّا سَمِعْنَ صوتَك ابْتَدَرْنَ الحجاب! )).

قال عمر: فأنت يا رسولَ الله كُنْتَ أَحَقَّ أَنْ يَهَبْنَ، ثم قال: أيْ عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ، أَتَهَبْنَني ولا تَهَبْنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

قُلْنَ: نعم، أنتَ أفظُّ وأغلظُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده ما لَقِيَكَ الشَّيطانُ قطُّ سالكاً فجّاً إلا سلكَ فجّاً غيرَ فَجِّك)) أخرجه البخاري ومسلم [6].

فرضي الله تبارك وتعالى عن عمر الفاروق فيه شدة وقوة زائدتان جعلت الشيطان يهرب من طريقه ويتحاشاه.

قال ابن حجر: (( كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم لا يواجه أحداً بما يكره إلا في حق من حقوق الله، وكان عمر يبالغ في الزجر عن المكروهات مطلقاً وطلب المندوبات، فلهذا قال النسوة له ذلك )) [7].

• ومن صور الرِّفق بالزوجة: التدرُّج في تأديبها حال نشوزها

الأصل في العلاقة بين الزوجين أن تكون قائمة على المودّة والرّحمة، لكن إذا بدَر من المرأة ما يوجب تأديبها، فالتدرُّج في التأديب هو ما أرشد إليه القرآن الكريم، قال سبحانه: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ﴾ [النساء: 34][8].

وهذا الترتيب: موعظة، فهجر، فضرب، يفيد أنه لا يُلْجأ إلى الأشدِّ إذا كان ينفع الأخفّ، ليكون الضّرب هو أقسى الجزاءات على الإطلاق، فهو آخر علاج، علماً أنه عليه الصلاة والسلام ما ضرب امرأةً من نسائه قطّ.

• ومن صور الرِّفق بها: عدمُ مواجهتها بالطّلاق

أكّد الإسلام على الرِّفق بالمرأة حتّى في أصعب المواقف عليها وأكثرها جفاء، وهو الطلاق، فقال تعالى: ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة: 229][9].

ومن الإحسان في الطلاق: عدمُ مواجهتها به؛ لما في ذلك من جرحٍ لمشاعرها.

وقد عقد البخاري في كتاب الطلاق باباً سمّاه: (( مَن طلّق وهل يُواجه الرجلُ امرأته بالطلاق؟ )) [10]، وأورد تحته أحاديث تفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يواجه من طلَّقها بذلك.

وعلَّق ابنُ حجر على هذا بقوله: (( وأما المواجهة فأشار إلى أنها خلافُ الأولى؛ لأنّ تركَ المواجهةِ أرفقُ وألطفُ، إلا إن احتيج إلى ذكر ذلك )) [11].

وأختم الحديث بتنبيه السنة النبوية على رِقَّة النساء ولَطافتِهن عموماً، والحثِّ على الرِّفق بهنّ في عامة الأحوال.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في مسيرٍ له فحَدَا الحادي، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: (( اُرْفُقْ يا أَنْجَشَةُ [12]، وَيْحكَ، بالقوارير )) رواه البخاري ومسلم [13].

قال أبو محمد الرّامَهُرْمُزِي: (( يقول صلى الله عليه وسلم: اجعل سيرَك على مَهَلٍ؛ فإنك تسير بالقوارير، فكنّى عن ذِكْر النِّساء بالقوارير، شبَّهَهُنَّ بها لرِقَّتِهِنَّ وضعفهنَّ عن الحركة… وسُمِّيَت النساء قوارير: لأنهنَّ أشبهنها بالرِّقَّة واللَّطافةِ وضعف البِنْية )) [14].

وقال ابن بطّال: (( القوارير هنا كناية عن النساء الذين على الإبل، أمره بالرِّفق في الحِداء والإنشاد؛ لأن الحِداء يحثُّ الإبل حتى تسرع السير، فإذا مشت الإبل رويداً أُمِن على النساء من السُّقوط… )) [15].

______________________
بواسطة:

أ /د / حسن محمد عبه جي

______________________
رابط الموضوع: https://www.alukah.net/social/0/91044/%

الزوجة الصالحة 

الزواج اقتران وتَكافُل لبقاء النوع، وقد وضع الشرع أساس الاختيار من ناحية الزوج للزوجة، ومن ناحية الزوجة للزوج، وجعَل الأساس كله القيام على منهج الله، فمُقوم الدين يسير دائمًا إلى كمال؛ فالأساس هو الدين.

ونظرًا لأهمية صلاح الزوجة وما يعود على الزوج والأسرة من نفع، فقد ذكر ذلك في القرآن الكريم، فجاء في قوله – سبحانه وتعالى -: ﴿ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: 34]، فمِن طبيعة الزوجة المؤمنة الصالحة، ومن صفتها الملازمة لها بحكم إيمانها وصلاحها: أن تكون قانتة مطيعة.

والقنوت: هو الطاعة عن إرادة ورغبة ومحبَّة، لا عن قسرٍ وإرغام، ومِن ثَمَّ قال سبحانه: ﴿ قَانِتَاتٌ ﴾، ولم يقل: طائعات؛ لأن مدلول اللفظ الأول نفسي، وهذا هو الذي يَليق بالسكن والمودَّة بين شَطري النفس الواحدة.

كذلك فمن الطبيعة الملازمة للزوجة الصالحة أن تكون حافظة لحرمة الرباط المقدس بينها وبين زوجها في غيبته وحضوره، فلا تبيح من نفسها ما لا يُباح إلا له هو بحكم أنه الشطر الآخَر للنفس الواحدة، وما لا يباح، لا تُقرِّره هي، ولا يقرِّره هو، إنما يُقرِّره الله – سبحانه وتعالى -: ﴿ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ﴾؛ أي: إن هناك حكَمًا واحدًا في حدود هذا الحفظ، فعليها أن تحفظ نفسها ﴿ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ﴾.

أهمية الزوجة الصالحة:

الزوجة الصالحة هي سبب سعادة لزوجها وأبنائها بل ولأسرتها جميعًا، فهي تَعرِف حقوقها وواجباتها.

خصائص الزوجة الصالحة:

حاول الكثير مِن الباحثين وضع صفات للزوجة الصالِحة، ومنها:

• تُوازِن بين الوقت والاهتمام الذي يُعطى للزوج وللأطفال وللمنزل في الداخل والخارج.

• تجعل زوجها يَشعُر بأهميته وبالاحتياج إليه.

• تجعل زوجها في أمان من ناحية عَطفِها ومحبتها له.

• تتقارَب قيمُها وأفكارها ومعتقداتها من قيم وأفكار ومعتقدات زوجها.

• تُحاول أن تتفهَّم وتقدِّر احتياجات زوجها ومشاكله.

• تَشترك مع زوجها في اتخاذ القرارات خصوصًا المتعلق منها بالأسرة.

• رُوحها مَرِحة وغير سريعة الغضب.

• تَعطف على أطفالها، ومُستعدَّة لتحمُّل مسؤولية رعايتهم وتربيتهم.

• تُحافظ على جعل المنزل أنيقًا ومريحًا ومكانًا مشجِّعًا للإقامة.

• تستطيع أن تُساهم في دخل الأسرة عند الضرورة.

_____________________
بواسطة:

د/ سامية عطيه نبيوة

_____________________
رابط الموضوع: https://www.alukah.net/social/0/54821/