هل يجتمع الزواج والصداقة تحت سقف واحد في مجتمعنا؟

من قاموس الزواج السعيد القدرة على تكوين جوّ من الصداقة بين الزوجين؛ فالمصارحة والمصادقة والاهتمام سويًا، حتى بالأمور الصغيرة، من ضروريات استمرار الزواج، حسب الخبراء النفسيين؛ فهل يجتمع الزواج والصداقة سويًا تحت سقف واحد في مجتمعنا، بحيث يتبادل الزوجان البوح في الموضوعات كافة دون خوف أو خجل؟ هل يمكن أن تختفي الأسرار ويأتمن أحدهما الآخر على حياته ونقاط ضعفه ولحظات ألمه وحزنه؟ وهل تنجح صراحة الأصدقاء في استمرار علاقة الأزواج؟ أم أن العلاقة الزوجية في مجتمعنا تتطلب الخصوصية واحتفاظ الأزواج ببعض الأسرار؟

في البداية، تتحدث السيدة (أم فيصل) قائلة: عند ما تزوجتُ قررت تطبيق ما قرأته في الكتب والمجلات عن أهمية الصراحة والبوح بين الأزواج حتى لا تحدث تراكمات تقضي على السعادة الزوجية؛ لكنني فوجئت مع الأيام بأنه لا يبادلني البوح، فهو يعلم كل ما يحدث في بيت أهلي وبيني وبين صديقاتي، لكنه لا يخبرني شيئًا عن حياة أسرته وعمله، وعندما طالبته بأن يخبرني بأسراره مثلما أفعل ألقىَ عليّ محاضرة في ضرورة وجود بعض الخصوصيات بين الزوجين، وأن إخفاءه للأسرار هدفه عدم تحميلي الهم، وأن ذلك لا يقلل من حبه لي؛ وبعد محاولات من أجل كسب صداقته قررت أن أخفي بعض الأسرار عنه لنصبح أزواجًا وندع الصداقة للآخرين!

وتضيف: ليس في الأمر انتقاص للرجولة. كثيرًا ما أخبرت زوجي بذلك، ولكن هيهات؛ فأسراره مع شقيقه، صديقة الوحيد في الوجود.

السيدة (م. العامر) ترى أن الصداقة بين الأزواج تعطي فرصة للبوح دون توتر وقلق؛ بشرط استيعاب الطرف الآخر للصداقة وشروطها وضريبتها، فالصداقة -على حد قولها- ليست مجرد كلمة تقال؛ فهي سلوك أيضًا. مضيفة: زوجي صديقي حقًا؛ لذلك هو يعلم ما يحدث في حضوره وغيابه، لدرجة أنني أحيانًا أجلس معه لنتحدث كصديقين حميمين وأشكو له كصديق من بعض تصرفاته كزوج معي!

وتوافقها السيدة (يارا) قائلة: لا توجد عندي صديقة أثق بها حتى أخبرها بأسراري؛ لذا فإن زوجي هو الوحيد الذي أبوح له بكل شيء يهمني؛ لأنني أثق في آرائه، فهو يحكم عقله، وكذلك هو من سيحميني ويقف إلى جانبي في كثير من المواقف.

 

زوجة وصديقة

 

السيد (أبو علي الحرز) متزوج من اثنتين، إحداهما صديقته المقربة والأخرى زوجة فقط، وعن هذا الوضع تحدث قائلًا: زوجتي الأولى تحرص دائمًا على معرفة أسباب ضيقي وحزني، ولانشغالها بي أبوح لها بما في داخلي وأعتبرها صديقتي المقربة، أما الثانية فلا تشغل نفسها بمثل هذه الأمور، وبالرغم من صداقتي لزوجتي الأولى؛ إلا أن هناك أيضًا أشياء لا تعلمها عني، خصوصًا تلك المرتبطة بعملي وتجارتي، أو المرتبطة بأفعال قد يضايقها أن تعرفها! فالقليل من الأسرار تحمي الأسرة وتحافظ على استمرارها؛ فزوجتي مهما بلغت درجة صداقتي لها لن تتحمل كل أموري وهمومي.

 

أسرع طرق الطلاق!

 

أما السيدة (أم عبدالرحمن) فلها رأي آخر؛ حيث قالت إن الصداقة مع الزوج أسرع الطرق للطلاق! مضيفة أن العلاقة الزوجية يجب أن تقوم على التفاهم والود والأكاذيب البيضاء التي تفيد في استمرار العلاقة؛ لأن الصراحة والصداقة والبوح بالأسرار تؤدي إلى نتائج لن تعجب الزوجين. فقد تزوجتْ إحدى صديقاتي شخصًا يعمل في مكان محترم، واتفقت معه منذ بداية زواجهما على تبادل الصراحة في كل الأمور حتى لا يحمل أي منهما ضغائن تجاه الآخر. وبعد زواجهما بعام حدثت أزمة في بيت أسرتها؛ حيث قام شقيقها بإساءة السلوك حتى دخل ذات يوم السجن ومكث فيه فترة قصيرة لم تتعد الأيام، وتم حل الأزمة، ونصحها والدها وأشقاؤها بعدم إخبار زوجها بما حدث، وبالفعل لم تخبر زوجها في وقت حدوث الواقعة؛ لكن بعد فترة، وبينما كانا يتجاذبان أطراف الحديث عن الشباب المراهقين وتصرفاتهم وشكوى زملائه من أبنائهم، حكت له صديقتي قصة شقيقها؛ فثار وغضب وطالبها بعدم إدخاله البيت! ولم يقف الأمر عند هذا الحد؛ بل اتهم عائلتها بسوء التربية! واستغل ذلك الموقف ضدها في مشاجراتهما، وبدأ يتدخل في أسلوب معاملتها لابنهما ويتهمها بأنها غير مؤهلة لتربيته، وندمت هي وبشدة على صراحتها معه؛ وأدركت أن الصداقة لا تصلح مع الرجال في مجتمعنا، فهم متحفظون لأقصى درجة!

 

ويقول (بدر العلياني) إنه من الصعب وجود علاقة صداقة بين زوجين. ويتابع: رغم متتالية هذا الوضع إذا وجد؛ وذلك لأن العلاقة الزوجية تصبح روتينية، وبالتالي إذا وجدت صداقة في بداية الزواج ستضعف تدريجيًا بعد ذلك؛ لأن الصداقة تحتاج أشخاصًا يعيشون حياة مختلفة ليجد كل منهم شيئًا جديدًا في حياة الآخر، أما الزوجان فيعيشان نفس الحياة ونفس المشكلات، وإذا اختلفا في أي موضوع سينعكس ذلك على علاقتهما الزوجية.

ويضيف العليان: بالنسبة إليّ، هناك الكثير من الأسرار التي يجوز أن أخبر صديقي بها؛ لكن لا أفكر في إطْلاع زوجتي عليها؛ فالزوجة لن تتفهم الأمور التي أخفيها عنها. وبصفة عامة، أفضّل الاحتفاظ بقدر من الأسرار لنفسي؛ فليس كل ما يحدث يجب أن يتم إعلانه على الملأ، أو حتى إخبار زوجتي به، كذلك وخلال تجارب أصدقائي المختلفة تأكدت أن البُعد عن الصداقة أفضل لاستمرار الزواج.

 

ولا يختلف رأي السيدة (مها) عن الرأي السابق؛ حيث تقول: الصداقة بين الزوجين تمر بمراحل مختلفة منذ بداية الخطبة وحتى الزواج؛ ففي البداية تكون قوية وتضعف تدريجيًا مع مسؤوليات البيت والأولاد، لكن هذا لا يعني اختفاء الود والتفاهم؛ فإذا وجدت الصداقة منذ البداية ظل الود موجودًا، لكن تقل فرصة البوح كأصدقاء؛ ذلك لأن معظم الرجال يفضلون التحدث مع أصدقائهم عن أسرارهم؛ إذ يعتقدون أن الزوجة إذا اطلعت على كل شيء قلّت هيبة زوجها في نظرها! حتى من يحكون لزوجاتهم يقومون باختصار ما يسيء إليهم؛ فالرجل يخشى أن تستغل زوجته اعترافاته في وقت الخلاف، ولأن احتكاك الرجل برفاقه أقلّ من احتكاكه بزوجته فهو لا يخشاهم، ويصارحهم بكل شيء!

 

العلاقة السليمة

 

باختلاف التجارب والظروف اختلفت النظرة إلى مدى أهمية علاقة الصداقة بين الزوجين. ولإلقاء الضوء على جوانب هذه العلاقة كافة كان الحديث مع الدكتور عامر سعد، طبيب الأمراض النفسية؛ حيث قال: العلاقة الزوجية السليمة هي تلك التي يتعامل فيها كل طرف مع الآخر كحبيب وزوج وصديق؛ للحفاظ على العلاقة الزوجية منتعشة حتى لا يتسرب الملل ويقضي على روح العلاقة، مع الحفاظ على شكلها، وفي نفس الوقت يجب تحديد المقصود بالصداقة بين الزوجين؛ حيث تعني توافر قدر من الود والتفاهم والثقة المتبادلة. ويجب على الزوجين قبول فكرة الخصوصية؛ فكل إنسان يجب أن يحتفظ ببعض الأشياء لنفسه، لا يعلمها عنه أحد مهما بلغت ثقته فيه؛ والدليل أن الأصدقاء مهما بلغت قوة علاقتهم ببعضهم بينهم أسرار!

وفيما إذا كان البوح يتسبب في حدوث أزمات زوجية، قال الدكتور عامر سعيد، ومثلما أشار عدد من الأزواج، إن كل إنسان له خلفياته وظروفه المختلفة عن الآخر، وعند الزواج يجتمع زوجان من بيئتين مختلفتين تحت سقف واحد؛ وبالتالي قد تختلف آراؤهما ووجهات نظرهما تجاه الأمور المختلفة. من هنا، فإن ما يقبله طرف قد يرفضه الآخر، وعندما يتحدث الزوجان عن حياتهما قبل الزواج بدعوى الصداقة الزوجية ويبوح كل منهما بالأشخاص الذين مروا في حياته وطبيعة علاقته بهم قد يؤدي ذلك إلى توتر العلاقة، وقد يصل الأمر أحيانا إلى الطلاق! فأحداث ما قبل الزواج لا ينبغي البحث فيها أو الحديث عنها تحت أي مسمى.

كذلك ما يتعلق بأسرة كل طرف؛ فما قد يخبر به الطرف الآخر قد يؤخذ ضده في وقت ما، أو يجعله ينظر إليه نظرة دونية؛ فما تقوله الزوجة لزوجها عن عائلتها، وإنْ تقبله بصدر رحب؛ إلا أنه يحتفظ به في عقله اللاواعي ويعاملها على أساسه فيما بعد! فمثلًا لا يجوز أن تحكي له عن خطأ ما ارتكبه شقيقها، أو علاقة خاطئة تعيشها أختها؛ فما يبدو أمامها أمرًا عاديًا قد يكون كارثة في نظر زوجها، وقد لا يستوعب ذلك؛ ويعطي حكمًا خاطئًا على أسرتها.

ويضيف الدكتور سعد قائلًا: لا تستقيم الحياة الزجية دون ودّ وتفاهم وصداقة محدودة المعالم، لا تتجاوز الخطوط الحمراء التي يضعها كل طرف للآخر؛ فالصداقة ضرورة، والبوح بالأسرار مفيد إذا كان سيحل أزمة ويصحح خللًا ما. أما البوح بما قد يضايق أو يثير الغيرة والغضب بدعوى الصراحة والصداقة فضرره كبير، والأشخاص القريبون منّا يهمنا غضبهم ونظراتهم لنا؛ لذا لا ينبغي التسرع في إخبارهم بأمور قد تغير نظرتهم لنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.