هل صحيح أن «أجمل ما في الحب معاناته»؟

الخبر، تحقيق: عبير البراهيم

 

 

تتذكر «صفية»، الستينية في العمر، «مواعيد الحب» كلما نظر إليها زوجها «يوسف» لينادي عليها “حبيبتي”؛ على الرغم من حملها بين ذراعيها لحفيدها الصغير!

لا يصدق الكثيرون بأن قصص الحب تعيش إلى هذا الوقت من العمر؛ ربما لأن نهاية الحب ليس من الواقعي أن تنتهي بالزواج في مجتمعاتنا، والتي ترى أن الحب «خطيئة عاشقين»، وربما لأن ما يحدث أصبح أسوأ من أن تصدق فتاة أن الشاب الذي يبعث إليها بـ “رسائل الحب” هو مسؤول راغب في الزواج منها؛ إلا أن الحب كقيمة موجودة، يعيشه الأفراد بكل فصوله، أما فيما يتعلق بمدى جدية الرجل في تتويجه بالزواج، فذلك متروك لحكايات عديدة انتهى الكثير منها بالفشل والخيبة والفراق، في حين استطاع البعض منها أن يقفز فوق الغيم ليعيش تلك السعادة الحقيقية.

أين رحلوا؟

يروي لنا “ماجد عبد الرازق” قصة الحب التي عاشها مع الفتاة الوحيدة التي يصفها بأنها “حب عمره”، فقد تعرف على ابنة الجيران، ونشأت بينهم حكاية حب أسماها ب”الشريفة”، نسج أحلامه معها رغبةً منه أن تتحول في يوم من الأيام إلى زوجته وأم لأبنائه، فقد كان يعي عمق ذلك الحب، ولم يكن يرغب في التلاعب معها، إلاّ أنه تفاجأ بعد سنوات أن أسرتها اكتشفت سر العلاقة بينهما، فسارع ليتزوج بها، لكنه صُدم حينما قوبل طلبه بالرفض، ولم تكتفي الحياة بذلك القدر من العقاب، بل أنه تفاجأ بأن الفتاة غادرت مع أسرتها إلى منطقة أخرى، ولا يعرف حتى بعد هذه السنوات إلى أين رحلوا؟.

«قلوب تبكي الفراق» و «كبت المشاعر» وزفير الآهات مع «ذكرى الحبيب».

 

 

النساء أصدق

وترى “رهام عبد الرحمن” أن الحب قيمة كبيرة توجد في قلوب النساء دون الرجال، فالمرأة أكثر مصداقية في الحب من الرجل، مضيفةً أن الرجل حتى إن بادل الفتاة الحب و”تحمس”، فأنه يبقى قاصراً على التعايش مع ذلك الحب، فهناك من يعقد العلاقات مع الفتيات، لكنها علاقات عابرة غير حقيقية لا تمت للحب بصلة في الواقع، فتصدقها الفتيات ثم تصدم بها، مشيرةً إلى أن هناك من يتوج هذا الحب بالإرتباط، لكن الرجل هذا يكتفي بذلك الزواج، ويرى بأن المرأة التي يحبها أصبحت في بيته، جزء من ممتلكاته الشخصية، فيطمئن ويبدأ يهمشها، بل ويفقد القدرة على تحسس مشاعرها، ذاكرةً أن المرأة تنظر للزواج ليس نهاية الحب بل بدايته، في حين يرى الرجل بأن الزواج من المرأة التي يحب هو نهاية الحكاية!.

 

قيمة كبيرة جدًّا

وتتفق معها “أنوار المقيطب” التي ترى أن الحب قيمة كبيرة جدًّا، من الصعب أن يوجد بين طرفين بشكله الحقيقي، فحينما تخلق حكاية الحب يعيشها الفتاة والشاب كعصفورين “محلِّقين” في السماء، ولكن الحقيقة أن معايير الحب تختلف من شخص لآخر، فهناك من الشباب من يموت حتى يتزوج بالفتاة التي يحب، ويقرر أن تكون أثمن شيء في حياته، فيتزوج بها ويسعدها، حتى إن اختلفت الظروف الاجتماعية فيما بينهما، في حين يأتي من يحب لمجرد الحب وإرضاء “غرائزه” خاصةً في مجتمعاتنا، مبينةً أن الشاب يحب أن يشعر بأنه مرغوب، فيتنقل بين قلوب الفتيات، فتقع الفتاة ضحية خاصةً حينما تكون غير واعية، وربما انتهى الحب بالزواج، لكنه سرعان ما يقضي على كل شيء؛ لأنه لم يخلق في ظل التكافؤ العقلي والأهم الإنساني، لافتةً إلى أن الحب لابد أن يدفع المُحب إلى تقديم ما يستشعره الطرف الآخر بأنه الحب والسعادة، وليس كما يشعر به هو من وجه نظره.

جيل يسلك مخرجاً غير تقليدي بحثاً عن «شريكة عمر».. و«سيف العادات» يقطع «حبل الغرام».

 

 

فخ الخلوة

ويوضح “د.حاتم الغامدي” -الاستشاري النفسي- أنه من المتعرف عليه وعلى مر التاريخ بأن الرجل يعطي حباً ليأخذ جنساً، والمرأة تعطي جنساً لتأخذ حباً، فالمرأة تتمركز احتياجاتها حول العاطفة، بينما تدور احتياجات الرجل حول الجنس، فيعطي الحب بحثاً عنه، وذلك ما يبرر وقوع الكثير من الفتيات في فخ الكلمة “الخلوة”، فيستغلها من يبحث عن إشباع رغباته، في حين تبحث الفتاة بتلك العلاقة عن الحب والعاطفة، مضيفاً أن الشاب يستطيع ببساطة أن يتكيف مع أكثر من فتاة، بينما يختلف ذلك بالنسبة للفتاة، مشيراً إلى أن الحب العميق والحقيقي الذي لا يُبنى على كشف الحساباتوالمصالح هو الحقيقي ولذلك فهو نادر، موضحاً أن الحب طاقة إيجابية يجب أن يتحلى فيها الجميع، إلاّ أنه لابد أن لا يخرج عن الإطار الحقيقي والإسلامي الذي يتحقق بالزواج.

 

 

طاقة إيجابية

وأكد على أن الحب إذا تحقق بالزواج وانتهى بذلك فإن العلاقة الزوجية تكون علاقة إيجابية، أما عن الفتور الذي يشتكي منه الزوجين الذين تزوجا عن حب والذي يحدث لدى البعض بعد الزواج، فإن له أسباباً لا تتعلق بالحب، مبيناً أنه فيما يتعلق عن عدم انتهاء أو تتويج قصص الحب بالزواج فإن ذلك يعود لعدة أسباب أهمها؛ أن المجتمعات الشرقية مجتمعات محافظة، لها نظرتها التي تحدد عقلية الشاب، والذي يؤمن بأن الفتاة التي تعطي مشاعرها وتمنح الحب، فإنها من الممكن أن تمارس ذلك الفعل مع غيره بعد الزواج، وربما يعود ذلك لقيود المجتمع، ذاكراً أنه يختلف ذلك في المجتمعات الغربية التي ترى بأنه لا قيود بين الرجل والمرأة، وبأن الحب رباط قوي بين طرفين يؤمنون بأنه كافي لتبادل الثقة، لافتاً إلى أنه من الناحية “البيولوجية” الجسدية وجد البعض من المهتمين أن جميع المحبين يرتفع لديهم هرمون “السيرتولين” بشكل كبير جدًّا حينما يعيشوا حكاية “حب”، خاصةً حينما يصنف بأنه حالة سوية وليس بشكل مرضٍ، فالحب يخلق طاقة إيجابية بداخل الإنسان، فينظر من يحب للحياة من خلال ألوانها الجميلة ، ويكون شخصاً متفائلاً.

فتاة تتذكر فراق حبيبها في لحظات رومانسية محزنة

 

الفيس بوك

وأوضح أن الشباب بدأوا يدخلون حكايات الحب في الوقت الحالي من خلال “الفيس بوك” و”الشات” و”الإنترنت”، وغيرها من الوسائل، خاصةً في ظل الظروف الاقتصادية التي يعلم من خلالها الشاب بأنه لن يستطيع أن يقبل على مشروع الزواج التقليدي بظروفه المادية الصعبة، حتى أصبح البحث عن الحب وتكوين العلاقات أفضل بالنسبة للشاب من تكوين أسرة وبيت، مضيفاً أنه في السابق كان الشاب يحصل على رسالة واحدة في الشهر أو بين عدة أشهر من محبوبته، يعيش مع تلك الرسالة، ويحلق من خلالها، ويسعد بها، بينما في الوقت الحالي أصبحت ترسل الفتاة لمن تحب عشرات الرسائل عن طريق “البلاك بيري” في اليوم الواحد، وربما بادلها الشاب النكت السطحية الساذجة، والتي تسطح من قيمة الحب، وربما تدخل أطراف أخرى في تلك العلاقة عن طريق “المحادثة الشاتية”، حتى أصبح الحب مسطحاً ولا يحمل القيمة الحقيقية منه.

 

علاقة مثيلية

ويتفق معه “د.صالح العقيل” -المستشار الاجتماعي- والذي يرى أن الحب حقيقة موجودة لم تعد كما في السابق تمارس في الخفاء، بل أن الشباب والشابات أصبحوا يعبرون عنه بشكل صريح عبر المواقع الإلكترونية، مضيفاً أنه تختلف تلك التعابير بين السلبي والإيجابي، فهناك من يعبر عنها بطريقة ساذجة حينما يكتب على جدران الأماكن العامة والمنازل، وهناك من يعبّر عن علاقة الحب ذاتها أنها موجودة، وربما تخلل ذلك بعض القنوات الفضائية التي أصبحت تمنح شريط “الدردشة” للمتحابين، وربما تعزز ذلك من خلال الإهداءات التي تُبث، خاصةً في بعض المناسبات كمناسبات “عيد الحب”، والتي يصرح فيه الشاب باسم محبوبته، حتى أصبحت تمارس بشكل علني، مشيراً إلى أن الحب موجود بصرف النظر عن إيجابياته وسلبياته، وهو حقيقة تجاوزت واقع العلاقة الثنائية إلى العلاقات المثيلية، مؤكداً على ضرورة التفريق بين العلاقات التي أصبحت تدار بين الفتيات والشباب، وبين علاقة الحب الحقيقية، ذاكراً أنه من الصعب تحديد أسس محددة نستطيع من خلالها تقييم مدى صدقية وجدية الحب من عدمها في العلاقات، فكل فرد ينظر بحسب طريقته، موضحاً أن هناك من الفتيات من تعتقد بأن من يتواصل معها عبر “الماسنجر”، أو عبر الهاتف ويتبادل معها الحديث بأنه يحبها!، في حين يدرك بعض الفتيات بأن الشباب يحاولون الوصول لأهدافهم غير النزيهة من خلال ذلك الأسلوب، ولذلك فمن الصعب تحديد أسس لاكتشاف صدقية الحب بين طرفين والحكم على ذلك الحب بأنه سيتكلل بالنجاح في حالة تتويجه بالزواج.

يخالف الواقع

وأوضح أن الكثير من القنوات الفضائية تصور الحب ونهايته بشكل يخالف واقعه في مجتمعاتنا، فالدراما الاجتماعية العربية والأجنبية تعبّر عن الحب بشكل لا يعبر عن ثقافتنا، فالكثير من الشباب يخوض تجربة العشق دون أن يكون لديه القدرة على التفكير بالإرث الاجتماعي ومدى تقبله، فعلى سبيل المثال ما يحدث أنه إذا أعلنت قصة حب بين شاب وفتاة وأصبحت معروفة في وسطيهما، وتقدم الشاب لخطبة الفتاة، فإن ذلك الزواج يقابل بالرفض للأسف، فالأسرة ترفض الشاب حينما تعرف بأنه يحب ابنتهم، على الرغم من أن ذلك مكسب للفتاة، مؤكداً على أنه لا يدعو إلى شيوع الحب بين الفتاة والشاب، ولكن إذا وجد بين طرفين بشكل حقيقي، فالأسلم هو تزويج هذين الطرفين وليس المعارضة، مضيفاً أن الحب عبارة عن مشاعر لا يمكن السيطرة عليها أو تقنينها، فمن يباغته لا يمكن أن يتفلت منه، لأنه أمر خارج إرادة الإنسان، ذاكراً أن ثقافتنا العربية تمنع تتويج حكايات الحب بالزواج لعدة أسباب منها سوء الظن، فالشاب لا يرغب بأن يرتبط بالفتاة التي يحبها لأنه يخشى من دائرة الشك التي قد تحيط به بعد الزواج، وبأن الفتاة قد تخونه مع غيره!.

كلام نظري

وعن التدرج في مراحل الحب مع الطرف الآخر ودخول مرحلة التعارف ثم الإعجاب ثم قرار الزواج بمن يرى الفرد بأنه يتناسب معه، فيرى بأنه كلام نظري من الصعب تطبيقه؛ لأننا في مجتمعاتنا غير مخيرين، وليس هناك خيارات متعددة للكشف عن المناسب، بل أن المجتمع محافظ ويحرم الاختلاط، وفي ذلك نعمة كبيرة نحمد الله عليها، ذاكراً أن الانتقاء مطلوب على جميع المستويات، حتى على مستوى التسوق والتبضع، ولكن الحقيقة أن الحب أمر تلقائي يأتي ويزور قلب الفرد دون قرار منه، فلا يختار الإنسان من يحب بشكله الحقيقي، لذلك من يختار فهو يعتمد في ذلك الاختيار على العقل، وهو الأمر الذي يعتمد على تقييم الشكل وليس الجوهر، إلا أن أهداف تلك العلاقة لابد أن تعتمد على الفكر، فحينما يعجب شاب بفتاة ويتواصل معها عن طريق الهاتف، ويتعمق الإعجاب إلى حب، عندها يتوج الشاب تلك العاطفة بالزواج فيصبح ” إنساناً مثالياً” بتتويج الحب بالزواج، والذي لابد أن لا ينتهي عند ذلك الحد، بل لابد أن يحاط بالرعاية والاهتمام الحقيقي بعد الزواج، ليثمر ويعيش الحب، مشيراً إلى أنه في النهاية نحن لا نختار الحب وملامحه ولونه وتلك حقيقة، مبيناً أن بعض الشباب الذين يخادعون الفتاة فيطلقون على نزواتهم بالحب ليشرعوه في ضمائرهم أمام الفتاة، ولكن حينما يأتي التتويج بالزواج فإنه يهرب، مؤكداً على أن المجتمع يرفض أن يرتبط الشاب بمن يحب؛ لأنه يحكم على الفتاة بأنها سيئة حتى إن كانت صادقة!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.