هدي النبي مع أزواجه

 

الخطبة الأولى

أما بعدُ:

فإنَّ خيرَ الحديثِ كتاب الله، وخيرَ الهَدْي هدي محمدٍ، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكل بدعة ضلالة، فخيرُ الهدي هدي محمد، فمَنِ اتَّبع هديه، فَأْتَمَرَ بأمرِه، وَتَجَنَّبَ نَهْيه، سَعِد في الدُّنيا والآخرة، وأسعد مَن حوله، ومَن خالَفَ أمره، واتَّبَع السُّبُل خابَ وخسر، ﴿ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ﴾ [النور: 54].

ومِن هدي النبي صلى الله عليه وسلم حُسنُ معاشرة النساء، والإحسان إليهنَّ، فهذا هديُه قولاَّ وعملاً، فمن حُسن معاشَرة النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه مَدْحُهنَّ، والثناء عليهنَّ، وبيان فضلهنَّ، وما لهنَّ من مزايا، فعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كمل منَ الرِّجال كثيرٌ، ولم يكملْ منَ النساء إلاَّ آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء، كفضلِ الثريد على سائر الطعام))؛ رواه البخاري (3411)، ومسلم (2413).

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحفظ لأزواجه ودَّهُنَّ، ويعترف بِجَمِيلهنَّ حتى بعد وفاتهنَّ، فحينما عاتَبَتْه عائشة رضي الله عنها قائلة له: كأنَّه لم يكنْ في الدنيا امرأة إلاَّ خديجة، أجابَهَا بقوله: ((إنها كانتْ وكانتْ، وكان لي منها ولد))، رواه البخاري (3818)، فذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يحفظ لها جميلها؛ حيث سانَدَتْه في بداية دعوته، وَوَقَفَتْ معه، وَخَفَّفَتْ عنه آلام الدعوة، وَوَاسَتْه بمالِها.

ولا تخلو المرأة مِن جوانب مضيئةٍ متعدِّدة، سواء ما يتعلَّق بجمالها الحسِّي أمِ المعنوي، من ديانة، وأدبٍ، وحُسن تصرُّف، أو حُسن عمل في البيت، طبخًا وترتيبًا وإصلاحًا، وغير ذلك، فيُثني الزوج على الزوجة في هذا الجانب، ويدعو لها، فهذا مظنَّة الازدياد مِن هذا الجانب الحَسَن، أو على الأقل المُحافَظة عليه، أما كثرة الوقوف على الملاحَظات، التي لا يخلو منها أحدٌ، والمُعَاتَبة عليها، فهذا مظنَّة الشِّقاق والنِّزاع، ومع ذلك تبقى هذه العُيُوب وتَتَكَدَّر الخواطر؛ فلذا أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى النَّظَر إلى الجوانب الحَسَنَة في المرأة، وهي كثيرةٌ، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يَفْرَك مؤمن مؤمنة، إن كَرِه منها خُلُقًا رضيَ منها آخر))؛ رواه مسلم (1469).

ومِن حُسْن معاشَرة النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه، أنه كان يستمع لِوِجْهَة نَظَرِهنَّ، ويقبل منهنَّ المُرَاجَعة له، والاعتراض على بعض تصرُّفاته، فيعاتِبْنَهُ ويردِّدن القول عليه، بل ربما هجرتْه الواحدة منهنَّ، وهو في ذلك لا يقابِل الإساءةَ بالإساءة، بل بالصبر والإحسان، فعن عمر بن الخطاب قال: كنا – معشر قريش – نغلب النساء، فلمَّا قدمنا على الأنصار إذا هم قوم تغلبهم نساؤهم، فطَفِق نساؤنا يأخذْنَ مِن أدب نساء الأنصار، فصحتُ على امرأتي فراجعتني، فأنكرت أن تراجِعَنِي، فقالتْ: ولِمَ تُنكر أن أراجعكَ؟ فوالله، إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليُرَاجِعنه، وإن إحداهنَّ لتهجره اليوم حتى الليل؛ رواه البخاري (2468)، ومسلم (1479).

هذا هو هَدْيُه في نزاع أهلِه له، فما بال البعض منَّا لا يحتمل أن يسمعَ الكلمة مِن زوجته، وإن كانت مُحقَّة؟ لا يريد النِّقاش فيما يتَّخذه من قرارات، حتى ما يخص الزوجة والأولاد، بل ربما صبَّ جَمَّ غضبه على زوجته وسبَّها، ثم لا يحتمل منها أن تردَّ عليه خطأه، وتُبَين له وجهة نظرها، سبحان الله، مَنِ الذي أباح لكَ أن تقولَ لها ما شِئْتَ منَ الكلام، وحَرَّمَ عليها أن تردَّ عليك فيما ظلمْتَها به؟

ومِن حُسن معاشَرة النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه، حُسن معاشَرة أهل الزوجة وأصدقائها، فعن عائشة قالت: ما غِرْت على نساء النبيِّ صلى الله عليه وسلم إلاَّ على خديجة، وإني لم أدركْها، قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذَبَحَ الشاة يقول: ((أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة))، قالتْ: فأغضبته يومًا، فقلت: خديجة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنِّي قد رزقتُ حبَّها))؛ رواه البخاري (3816)، ومسلم (2435)، واللفظ له.

فكان النبي صلى الله عليه وسلم   يُحْسِن معاشَرة أهل المرأة ويكرمهم، وحسن معاشرته مع آل أبي بكر، وآل الخطاب، أمرٌ مشهور، فمِن أسباب دوام الأُلْفة والمحبَّة بين الزوجينِ الدّنُو مِن أهل المرأة، وصِلَتهم، وحضور مناسباتهم، وهذا مفقود عند البعض منَ الأزواج، فتجده تمرُّ الأشهر؛ بلِ السنون، ولم يحضر لهم مناسبة، ولم يلج لهم بيتًا، يقف عند الباب لإيصال زوجته، وأَخْذها من بيت أهلها أو بُيوت أقاربها، وهذا مما تنقم منه النِّساء، قد يعتذر البعض باختلاف وجهات النظر معهم، أو وجود منكرات عندهم، أو غير ذلك منَ المعاذير، وهذا ليس بِعُذر، فتتمُّ الزيارة، ويتلطَّف الصهر في إنكار المنكر، فهم أَوْلَى من غيرهم بالتوجيه والنُّصْح، فالقريب له مِنَ الحق العام والخاصِّ ما ليس للبعيد.

معاشِر الإِخْوة: أَوْصَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالنِّساء، وأَمَرَ بتَقْوى الله فيهنَّ، فحينما خطب النبي صلى الله عليه وسلم في عرفَة في حجة الوداع، في أكبر تجمُّعٍ إسلامي في عهد النبي، قال: ((فاتَّقوا الله في النساء))، فعلينا معاشر الأزواج أن نتقي الله في النساء، فلا نهضمهنَّ حقهنَّ، فَنَمْنعهنَّ مِن حقوقِهنَّ، أو نتطاول عليهنَّ باليد أو اللِّسان، ويجب علينا الوفاءُ بالشروط التي قَطَعْناها على أنفسنا، سواء كان الشرط مسجَّلاً في عقد الزواج، أم غير مسجلٍ، فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أحق الشروط أن توفوا به ما استَحْلَلتُم به الفُرُوج))؛ رواه البخاري (2721)، ومسلم (1418).

ويُحَرَّمُ الضغط على المرأة للتَّنازُل عنِ الشروط التي اشترطَتْها على الزوج، ولا يَصِحُّ تنازل المُكْره، والراشدة منَ النساء زوجة كانت، أو بنتًا، أو أختًا، أو أمًّا، ليس لوليها ولاية على مالِها، فلها أن تَتَصَرَّفَ بمالها من غير إِذْن الولي أو إعلامه، والزوجة كسائرِ الناس؛ يحرم على زوجها أن يأخذَ من مالها القليل أوِ الكثير إلاَّ بِرِضاها؛ إلاَّ إذا كان مشروطًا، فالأصلُ في أموال المسلمينَ الحُرْمَة، إلاَّ على الوالدينِ، فلهما الأخذُ من مالِ أولادهم.

الخطبة الثانية

الحمد لله، والصلاة والسلام على مَن أثنى عليه ربُّه بِحُسْن خلقِه، وبعدُ:

فمِن نافلة القول أن نَذْكُرَ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لا يلجأ إلى إصلاح الخطأ بالضرب، فلم يُنْقَل عنه أنه ضرب امرأة مِن نسائه، وأكثر ما حصل منه هو الهجر؛ حيث حلف ألاَّ يدخلَ عليهنَّ شهرًا، فعن عائشة قالت: ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا قطّ بيدِه، ولا امرأة، ولا خادمًا، إلا أن يُجاهِدَ في سبيل الله، وما نيل منه شيء قطّ فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهكَ شيءٌ مِن محارم الله، فينتقم لله – عز وجل؛ رواه مسلم (2328).

وقد عدَّ النبي صلى الله عليه وسلم ضَرْبَ الرجل المرأة عيبًا في الرَّجُل، وأَرْشَدَ المرأة إلى عدم القبول بِمَن يضرب النساء حينما يتقدَّم لِخِطبتها، فعن فاطمة بنت قيس، قالت: أتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم ذكرت له أنَّ معاوية بن أبي سفيان، وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتِقه، وأما معاوية فصعلوكٌ لا مالَ له، انكحي أسامة بن زيد))، فكَرِهَتْه ثم قال: انكحي أسامة، فنكحته فجعل الله فيه خيرًا، واغْتُبِطَتْ؛ رواه مسلم.

فما بال البعض منا لا يحسن في الحوار وحلِّ المشاكل إلا لغةَ الضرب؟ هل يرضى مَن هذه حاله أن يعامَلَ بمثل هذا الأمر؟ ألا يتذكر ضرَّابُ النساء قدرة الله عليه؟ فعن أبي مسعود الأنصاري قال: كنتُ أضرب غلامًا لي، فسمعتُ مِن خلْفِي صوتًا: ((اعْلَمْ أبا مسعود، لَلَّهُ أقدر عليك منكَ عليه))، فالْتَفَتَ، فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلتُ: يا رسول الله، هو حرٌّ لِوَجْه الله، فقال: ((أما لو لم تفعل لَلَفَحَتْكَ النار))، أو: ((لَمَسَّتْكَ النار))؛ رواه مسلم (1659).

هل يرضى مَن هو ضَرَّاب للزوجة أن تعامَل ابنته أو أخته بالضَّرب؟ كيف يرضى للناس ما لا يرضاه لأهله؟

وإنكَ لَتَعْجَبُ أشد العَجَب مِن شخصٍ متعلِّم يلجأ لضرب زوجته، فهل طُرُق إصلاح الخطأ إن كان هناك خطأ أَعْيَتْه، فلم يبقَ إلاَّ الضرب؟ نعم، أباح الشَّرع ضَرْب المرأة في حال النُّشُوز، وهو ترفعها عنِ الزوج وعدم طاعته فيما افترض اللهُ عليها طاعته فيه، لكن هذه حالة استثنائيَّة، ولم يبح الضَّرْب ابتداءً، إنما أُبيحَ بعد النُّصح والتوجيه الحَسَن، ثم إذا لم ينفعْ ذلك واستَمَرَّتِ المرأة على الخطأ وعصيان الزوج، يلجأ الزوج لحلٍّ آخر، وهو الهجر في المنزل، فلا يُجامِعها، ولا يبيت معها في فراشٍ واحدٍ، ولا زال العلاج داخل أسوار بيت الزوجيَّة، ولم تدخل أطراف أخرى في المشكلة، هنا يلجأ للضرب للتأديب، لا للتَّشَفِّي، وإرواء الغليل، هذا إذا كان الخطأ متحقِّقًا منَ الزوجة، أمَّا إذا كان الزوج مخطئًا، والمرأة تطالِبُ بحقٍّ أخلَّ به الزوج؛ كالنفقة، والمعاشرة بالمعروف، وغير ذلك من حقوقها، فيحرم عليه الهجر، فضلاً عن الضرب، ﴿ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ﴾ [النساء: 34].

وليس ضَرْب المرأة في نُشُوزها إهانة لكرامتها أو إذلالاً لها، بل هو نوعٌ مِن أنواع التربية وتعديل السلوك، وليس الأمر خاصًّا بها، فمثلاً: مَن له ولاية؛ كالأب، والمعلم، والمعلمة، لهم التأديب بالضرب للحاجة؛ بل الزَّوج الذي أبيح له ضرب المرأة في حال النشوز، قد يُمارس معه الضرب، مثلاً: لوِ ارتكب الزَّوجُ ما يوجب الحد أوِ التعزير؛ كشُرب الخمر، أوِ التطاول على الناس، فيُحْكَمُ عليه بالجلد؛ تأديبًا له، وزجرًا عنِ المعصية التي ارْتَكَبَها، كما أن المرأة العاصِية بِنُشُوزها حَكَمَ عليها الشارع بالضَّرْب، والفَرْق بينها وبين الرجل أنَّ الرجلَ الذي يحكم بتأديبه بالضرب هو القاضي، والذي يَحْكُم بتأديب الزَّوجةِ زوجها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بواسطة : الشيخ أحمد الزومان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.