نصائح للنساء في حياتهن الزوجية

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أمَّا بعدُ:

فالإنسانُ رجلًا كان أو امرأةً يحتاج في أموره وشؤون حياته لمشورة غيره، وتشتدُّ هذه الحاجة إذا كان الأمرُ يتعلَّق بشيءٍ مهمٍّ ودائمٍ ومستمرٍّ في حياته مثل الزواج، وربما كانت المرأة في هذا المجال أشدَّ حاجة للمشورة والنصيحة من الرجل، فهي إن تردَّدت في الزواج ربما بقِيت عانِسًا، وإن تزوَّجَت ولم تُحسِن الاختيار وقعت في مشاكلَ، وتصير حياتُها ألَمًا ومعاناةً، وإن تزوَّجَت ولم تُعالج مشاكلَها بحكمةٍ صارت من المطلَّقات، فتحتاج إلى مَنْ يأخُذ بيدها في هذه المعضلات، ولا أحسن من نصائح وتوجيهات ومشورة المخلصين، وعلى رأسهم العلماء الربَّانيُّون الصادقون.

والعلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، عالم فاضل، وشيخ حكيم، ومرشد ناصح، ومربٍّ صادق، تثق النساء في نصائحه وتوجيهاته وإرشاداته، تقول فتاة تبلُغ من العمر الثانية والعشرين -بعد أن عرضت سؤالها على الشيخ حول رجل تقدَّم لخِطْبتها-: أرجو النُّصْحَ والإرشاد التامَّ بما فيه الخير والفائدة؛ لأنني أقتنع بكلام ورأي فضيلة الشيخ محمد العثيمين حفظه الله، وهو نِعْم المربِّي والموجِّه والمرشِد.

وهو كذلك رحمه الله، والشيخ له كلام مفيد ونافع يتضمَّن توجيهات للمرأة في حياتها الزوجية، أسأل الله أن ينفع به جامِعَه وقارئه وناشرَه.

نصيحة للنساء اللاتي تأخَّرْن عن الزواج:

قال الشيخ رحمه الله: النصيحة التي أُوجِّهها إلى مثل هؤلاء النساء اللاتي تأخَّرْنَ عن الزواج – أن يلجأْنَ إلى الله عز وجل بالدعاء والتضرُّع إليه بأن يُهيِّئ لهنَّ مَنْ يُرضى دينُه وخُلُقُه، وإذا صدق الإنسان العزيمة في التوجُّه إلى الله، واللجوء إليه، وأتى بآداب الدعاء، وتخلَّى عن موانع الإجابة، فإن الله تعالى يقول: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة: 186]، وقال تعالى: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ [غافر: 60].

فرتَّبَ سبحانه وتعالى الإجابةَ على الدعاء بعد أن يستجيب المرء لله، ويؤمن به، فلا أرى شيئًا أقوى من اللجوء إلى الله عز وجل، ودعائه، والتضرُّع إليه، وانتظار الفَرَج، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((واعلَم أن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العُسْر يُسْرًا))، وأسأل الله تعالى لهن وأمثالهن أن يُيسِّرَ لهن الأمر، وأن يُهيِّئ لهن الرجال الصالحين الذين يُعينونهنَّ على صلاح الدين والدنيا.

المرأة التي لم يُكتَبْ لها الزواجُ تُثابُ إذا صبرتْ واحتسبَتْ:

سُئِل الشيخ من سائلة: يا فضيلة الشيخ، هل عدم زواجنا هذا بما يُسبِّبُه لنا من ألَمٍ فيه تكفير لذنوبنا؟

فأجاب الشيخ رحمه الله: لا شكَّ أن هذا الذي حصل نصيب ومكتوب، فإن الله سبحانه وتعالى كتب في اللوح المحفوظ ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة، وكتب على العبد أَجلَه وعملَه ورِزْقَه وشقيًّا أم سعيدًا، وقد أشار الله تعالى إلى ذلك في قوله: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ﴾ [الحديد: 22، 23]، ومع كونه مكتوبًا مُقدَّرًا من الله عز وجل، فإن الله تعالى يُثيبُ المرء عليه إذا صبَر واحتسَب، فإذا صبر الإنسان واحتسب على المصيبة، كان في ذلك تكفيرٌ لسيئاته، ورِفْعةٌ لدرجاته، وتكثيرٌ لثوابه؛ قال الله تعالى: ﴿ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 155 – 157]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر: 10].

 

لا ينبغي للفتاة أن ترفض الزواج؛ لأنها مُكرمةٌ عند أهلها:

سألت فتاة الشيخ: أنها لا ترغب في الزواج؛ لأنها لا تحبُّ أن يفرض أحدٌ سيطرتَه عليها، ولا تُحِبُّ أن تكون مأمورةً عند أي شخص كان، وأنها كل شيء بالنسبة لأهلها، وأنها لا تطلُب شيئًا إلا ويأتي إليها، وأنها مُكرَّمةٌ عند أهلها، إضافة إلى أنها لا تعرف الطَّهْي مُطْلقًا، ولا تُحِبُّ دخول المطبخ.

فأجابها الشيخ رحمه الله: لا ينبغي للمرأة أن ترفُض الزواج بمثل هذه الأعذار التي ذكرتها السائلةُ، بل تتزوَّج، وربما يكون حالُها بعد الزواج خيرًا من حالها قبل الزواج، كما هو الشائع المعلوم، فالذي أُشيرُ به على هذه المرأة أن تتزوَّج، وألَّا تجعل مثل هذه الأعذار عائقًا دون زواجها، وستجد – إن شاء الله تعالى – خيرًا كثيرًا في تزوُّجها، ثم إن كونها تُعوِّد نفسَها ألَّا تكونَ مأمورةً، ولا يُحال بينها وبين مطلوبها، فهذا خطأ؛ بل الناس بعضهم لبعض، يأمُر بعضُهم بعضًا، ويُعِينُ بعضُهم بعضًا، ويمنع بعضُهم بعضًا، فالإنسان ينبغي له أن يصبر، وأن يتكيَّفَ مع الحياة كيفما كانت، إلا في الأمور التي فيها معصية الله ورسوله، فإن هذا لا يمكن لأحدٍ أن يرضى به.

الامتناع من الزواج بحجة إكمال الدراسة نظريةٌ خاطئةٌ:

قال الشيخ رحمه الله: أقولُ تعقيبًا على السؤال؛ حيث امتنعت المرأة من النكاح بذي الخُلُق والدين من أجل أن تُكمِل دراستها في الجامعة، أقول: إن هذه نظرية خاطئة؛ لأن تكميل الدراسة في الجامعة بالنسبة للمرأة أمرٌ ضروريٌّ، فهي ليست بحاجة إلى أن ترقى إلى الدراسات العُليا؛ لأنها إذا فعلتْ ذلك وترقَّتْ إلى الدراسات العُليا، فإن ذلك سيكون فيما بَعْدُ عِبْئًا عليها، فلن ترضى لنفسها إلا بوظيفة تُناسِبُ شهادتَها، وإذا توظَّفَتْ هذه الوظيفة انشغَلَتْ عَمَّا هو أهمُّ من إصلاح أولادها، وإصلاح بيت زوجها، وغير ذلك.

 

زواج المرأة بمن هو أصغر منها سنًّا:

سُئِل الشيخ: أنا فتاة أُعلِّق مستقبلي وحياتي بالله تعالى، ثم إني أطلب نصيحتكم في هذا الأمر: تقدَّم لخطبتي شابٌّ أصغر منِّي بثلاث سنوات، وفي عُرْفِنا وعادة الناس عندنا في بلادنا أنه لا تكون المرأةُ أكبرَ من زوجها سنًّا، وأخشى أن يؤثِّر على زواجنا هذا العُرْفُ من الناس، فماذا تنصحُني أنت – وفَّقَكَ الله – إذا كان ذلك الرجلُ مستقيمًا في دينه؟

فأجاب الشيخ رحمه الله: أنصَحُ أن تقبلي النكاحَ من هذا الرجل، لا سيَّما إذا كان سِنُّه كبيرةً، وإن كان أقلَّ منها بثلاث سنوات، وأُذكِّرها بأن النبي صلى الله عليه وسلم تزوَّج خديجة، وله خمس وعشرون سنة ولها أربعون سنة، وأولاده كُلُّهم منها إلا إبراهيم، ولم يتزوَّج عليها أُخرى، وهي حيَّة، ما تزوَّج إلا حين ماتَتْ.

 

فأقول: لها في خديجة أمِّ المؤمنين رضي الله عنها أُسوةٌ، وإذا كان هذا الخاطب كُفْئًا في دينه وخُلُقِه، فلتتوكَّلْ على الله وتقبل، والأعراف المخالفة للشرع كُلُّها أعرافٌ باطلةٌ لا يُلْتَفَتْ إليها.

 

زواج المرأة من رجل ليس كُفْئًا لها في دينه لعلَّ الله يهديه:

قال الشيخ رحمه الله: النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا جاء مَنْ تَرْضَون دينَه وخُلُقَه فأنْكِحُوهُ، إلَّا تفعلُوا تَكُنْ فتنةٌ في الأرض وفسادٌ عريضٌ)) فمتى وُجِد الرجلُ الطيبُ المرضيُّ في خُلُقِه ودِينِه، فإنه إذا خطب لا يُردُّ؛ لهذا الحديث الذي ذكرناه، وأما إذا خطب المرأة مَنْ ليس كُفْئًا لها في دينه، بحيث يكون متهاونًا في الصلاة، أو شاربًا للخَمْر، أو ما أشبه ذلك من المعاصي العظيمة، فإن لها الحقَّ في أن تردَّه، ولا تقبل النكاح به.

وأما قول السائلة: إنها تتزوَّج به لعلَّ الله يهديه، فالمستقبل ليس إلينا، فإنه قد يهتدي، وقد لا يهتدي، وربما يكون سببًا في ضلال هذه المرأة الصالحة، ونحن معنيُّون بما بين أيدينا، وأما المستقبل فلا يعلمه إلا الله عز وجل، وكم من امرأة تمنَّتِ الأماني – مثل هذه الأمنية – ولكنها باءت بالفشل، ولم يستقم الزوج؛ بل كان سببًا للنكد مع الزوجة الصالحة.

قال رحمه الله: المرأة يخطبها إنسانٌ منحرفٌ، وترغب أن تتزوَّجَه، وتقول في نفسها، أو يقول وليُّها: “يهديه الله، لعل الله يهديه إذا تزوَّج”، ويكون الأمر بالعكس، هذه المرأة المستقيمة تكون منحرفةً بواسطة هذا الزوج.

 

الزواج فيه خيرٌ كثيرٌ للمرأة:

يقول الشيخ رحمه الله مُوجِّهًا نصيحته لفتاة ترفُض الزواج:

المرأة إذا تزوَّجَتْ حصل في زواجها خيرٌ كثيرٌ من إحصان زوجها، ونيل مُتْعتِها، وربَّما تُرزَقُ أولادًا صالحين ينفعونها في حياتها، وبعد مماتها، ثم هي أيضًا تُحصِنُ فَرْجَ زوجِها، ويحصل بهذا النكاح الاجتماعُ والتآلُفُ بين الأُسْرتين: أسرة الزوج، وأسرة الزوجة.

تخفيف المهر من أسباب بركة النكاح، والمغالاة فيه تسبُّب المشاكل بين الزوجين:

قال الشيخ رحمه الله: المبالغة والمغالاة في الصداق خلافُ السُّنَّة، فإن السُّنَّة تخفيفُ الصَّداق، وكلما خفَّ الصداق كان أبركَ للنكاح، فإن أعظمَ النكاح بركةً أيسرُه مؤونةً، والمغالاة في المهور تُسبِّب مشاكلَ كثيرةً، منها: أنها تضرُّ الزوج، وربما يحتاج إلى الاستدانة من الغير، وتتراكم عليه الديون، وإذا قدر أنه حصل بينه وبين الزوجة وأهلها مشاكلُ، فصَعْبٌ عليهم استخراجُها من هذا الزوج، واستنقاذها منه؛ لأن الزوج قد بذل شيئًا كثيرًا، فالسُّنَّة تخفيفُ المهر، وهو من أسباب بركة النكاح، ومن أسباب سهولة الانفصال إذا حصل بينهما مشاكلُ.

من أسباب الأُلْفة والحياة الزوجية السعيدة: الدعاء، والمعاشرة بالمعروف:

قال الشيخ رحمه الله: الوسيلة إلى أن يُحِبَّ الرجلُ زوجتَه والمرأةُ زوجَها: الوسيلة إلى ذلك بيَّنها الله بقوله: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]، فإذا عاشر كلُّ إنسان زوجتَه بالمعروف، وهي كذلك، حصلت المحبَّةُ والأُلْفة والحياة الزوجية السعيدة.

وقال رحمه الله: لا يجُوز للمرأة أن تعمل عملًا يكون به عطف الزوج عليها، ولا يجوز للزوج أن يعمل عملًا يكون به عطف الزوجة عليه؛ لأن هذا نوع من السِّحْر، ولكن الطريق إلى ذلك أن تسأل الله عز وجل دائمًا أن يُحبِّبَ زوجَها إليها، وأن يُؤلِّف بينهما، نسأل الله تعالى أن يُؤلِّفَ بينها وبين زوجها، وأن يُبارك لهما وعليهما، وأن يَجْمَعَ بينهما في الخير.

ثواب الزوجة إذا خدمت زوجها في البيت:

سألت زوجةٌ الشيخَ، فقالت: أريد أن أُصلِّي في الليل، لكن طول النهار أكون في خدمة البيت، حتى الساعة العاشرة مساءً؛ ممَّا يجعلني في حالة إرهاق شديد، فهل أُثابُ على نيَّتي؟

فأجاب الشيخ رحمه الله: نعم يُثابُ المرءُ على نيَّته إذا اشتغل بما هو أفضل ممَّا ترك، وهذه المرأة قامت بواجب من واجبات حياتها، وهو خدمة زوجها في البيت، وهو أفضل مِنْ أن تتهجَّد، فإذا علم الله من نيَّتِها أنه لولا قيامها بهذا الواجب الذي تُخْشى أن يكون في إضاعته إثمٌ، فإنه يُرجَى أن يكتب اللهُ لها الأجْرَ كامِلًا.

عدم إحضار الخادمة إلا للضرورة القصوى لما يترتَّب على وجودها من أخطار:

قال الشيخ رحمه الله: مسألة الخدم أصبحت مشكلةً اجتماعيةً، كل واحد يُريد أن تكون عنده خادمة، وقد يكون ذلك بلا حاجة، مع أنه يترتَّب على وجود هؤلاء الخدم مفاسدُ في بعض الأحيان، فالخادمة قد تكون على جانبٍ من الجمال والشباب، فيَفْتَتِن بها صاحبُ البيت، ويفتتن بها أولادُ أصحاب البيت أيضًا، ولا سيما الشباب، و((الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم))، ويُزيِّنُ له سوءَ عمله، تجد الرجل عنده زوجة من أحسن النساء جمالًا وشبابًا، فإذا أتى بهذه الخادمة التي تكون متزوجةً وثيبًا، فإذا به يُزيِّنها الشيطانُ في قلبه حتى يفعل الفاحشة بها.

وإننا لترِدُ علينا مسائلُ من هذه الأشياء، واستفتاءات، وأسمعُ ما يشيبُ منه الرأسُ ممَّا يقَعُ من هؤلاء الخدم من الفتنة، فالذي أرى أنه يجب علينا أن يُرشِدَ بعضُنا بعضًا حول هذا الموضوع، وألَّا نسمح بإحضار الخادمة إلا للضرورة القصوى، وبشرط أن يكون معها مَحْرَمٌ، فإن لم يكن معها مَحْرَمٌ، فلا نُدخِلها لما في ذلك من الفتنة.

دعوة الزوجة – النساء – محمودٌ بشرط ألَّا تكون على حساب الواجب للزوج والأولاد:

قال الشيخ رحمه الله: دعوة النساء إلى الشريعة وإلى الخير كدعوة الرجال، فينبغي للمرأة أن تكون داعيةً كما ينبغي للرجل أن يكون داعيًا، ولكن لا تكون هذه الدعوة على حساب ما يجب عليها من معاشرة الزوج وقضاء حاجاته؛ لأن الله تعالى أوجب على كلِّ واحد من الزوجين أن يُعاشِرَ الآخر بالمعروف؛ فقال تعالى: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [النساء: 19]، وقال تعالى: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [البقرة: 228]؛ لذلك نقول: إن وجود داعيةٍ بين النساء محمودٌ، لكن بشرط ألَّا يكون على حساب الواجب على المرأة لزوجها أو أولادها.

خطأ أن تدعو الأُمُّ بالموت على ولدها الذي يرتكب المُحَرَّمات ولا يخاف الله:

سألت امرأة متزوجة الشيخ سؤالًا ذكرَتْ فيه: أن ابنها الأكبر يُقلِّد أباه في فعل بعض المحرَّمات؛ ولذلك فهي تكرهه أيضًا لتقليده أباه في فعل الحرام، وعدم خوفه من الله، وتدعو عليه بالموت، وتسأل عن حكم الدعاء على الولد؟

فأجاب رحمه الله: الدعاء على ولدها بالموت خطأٌ، ولا ينبغي للإنسان إذا رأى ضالًّا أن يدعوَ عليه بالموت، بل الذي ينبغي أن يحاول النصيحة معه بقدر الإمكان، ويسأل الله عز وجل له الهداية؛ فإن الأمور بيد الله سبحانه وتعالى، والقلوب بين إصبعين من أصابعه سبحانه وتعالى يُقلِّبُها كيف شاء، وكم من شيء أَيِسَ الإنسانُ منه في تصوُّره، فيسَّر الله تعالى حُصُولَه، فلا تستبعدي أيتها المرأة أن يهدي اللهُ سبحانه ولدك، ادعي له بالهداية، وكرِّري له النُّصْحَ، والله على كل شيء قدير.

آيات تُقرأ على المرأة الحامل لتسهيل الولادة:

سألت سائلة: فضيلة الشيخ، هل هناك آيات واردة تُقرأ بغرض تسهيل الولادة؟

فأجاب الشيخ رحمه الله: لا أعلم في ذلك شيئًا من السُّنَّة، لكن إذا قرأ الإنسان على الحامل التي أخذها الطَّلْق ما يدلُّ على التيسير؛ مثل: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ [البقرة: 185]، ويتحدَّث عن الحمل والوضع، كقوله تعالى: ﴿ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ ﴾ [فاطر: 11]، ومثل قوله تعالى: ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا ﴾ [الزلزلة: 1، 2]، فإن هذا نافعٌ ومجرَّبٌ بإذن الله، والقرآن كُلُّه شفاء، إذا كان القارئ والمقروء عليه مُؤمنَيْنِ بأثره وتأثيره، فإنه لا بُدَّ أن يكون له أثرٌ؛ فإن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ﴾ [الإسراء: 82]، وهذه الآية عامة شفاء ورحمة، تشمل شفاء القلوب من أمراض الشُّبُهات، وأمراض الشهوات، وشفاء الأجسام من الأمراض الصعبة.

وقال الشيخ رحمه الله: أنا لا أرى نصيحةً نُوجِّهُها للتي أخذها الطَّلْق إلا أن تُعلِّق قلبَها بالله عز وجل، وتلجأ إليه، وتسأله التنفيس، ولا سيَّما إذا اشتدَّ بها الطَّلْق، لكن عند عُسْر الولادة يمكن للإنسان أن يكتُب في إناء الآياتِ التي تدلُّ على تنفُّس الأشياء؛ مثل: ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا ﴾ [الزلزلة: 1، 2]، ومثل قوله: ﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ﴾ [الرعد: 8]، وما أشبه ذلك، وتُسْقَى إيَّاها، ويُمسَح ما أسفل بطنها، فهذا يُسهِّل الولادة.

من فوائد آلام الطَّلْق عند الولادة:

قال الشيخ رحمه الله: المرأة لا بُدَّ أن تجِدَ ألَمًا عند الطَّلْق، لكنَّ أَلَمَها هذا تستفيد منه فوائد:

الفائدة الأولى: أنه تكفير للسيئات.

الثانية: أنه رِفعة للدرجات إذا صبَرت واحتسَبت.

الثالثة: أن تعرف المرأة قدر الأُمِّ التي أصابها مثلما أصاب هذه المرأة.

الرابعة: أن تعرف قدر نِعْمة الله عليها بالعافية.

الخامسة: أن يزيد حنانُها على ابنها؛ لأنه كلما كان تحصيلُ الشيء بمشقَّةٍ، كانت النفس عليه أشْفَقَ، وإليه أحَنَّ.

السادسة: أن الابن أو أن هذا الحَمْل يَخرُجُ من مخارجه المعروفة المألوفة، وفي هذا خيرٌ له وللمرأة.

السابعة: أنها تتوقَّى بذلك ضرر العملية، [يقصد الشيخ رحمه الله العملية القيصرية]؛ لأن العملية تُضعِفُ غشاء الرَّحِم وغير ذلك، وربما يحصُلُ له تمزُّقٌ، وقد تنجح وقد لا تنجح.

الثامنة: أن التي تعتادُ القيصرية لا تكاد تعُودُ إلى الوضْع الطبيعي؛ لأنه لا يمكنها، وخطر عليها أن تشُقَّ محل العمليات.

التاسعة: أن في إجراء العمليات تقليلًا للنَّسْل، وإذا شُقَّ البطْنُ ثلاث مرات من مواضع مختلفة، وَهَنَ وضَعُف، وصار الحَمْلُ في المستقبل خطرًا.

فالواجب على المرأة أن تصبر وتحتسب، وأن تتحمَّل آلام الولادة الطبيعية، فإن ذلك خيرٌ لها في الحال وفي المآل.

تجنُّب الولادة القيصرية بقدر المستطاع:

قال الشيخ رحمه الله: ليعلم أن الوضْع لا بُدَّ فيه من ألمٍ، ولا بُدَّ فيه من تعبٍ، ﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ﴾ [الأحقاف: 15]، وليس لمجرد أن تحسَّ المرأة بالطَّلْق تذهب وتُنزِل الولد، حتى لا تحس به، فالولادة الطبيعية خيرٌ من التوليد، سواء عن طريق القيصرية، أو غيرها، لكن إذا وجدت مشقة غير عادية، فحينئذٍ تذهب وتحذر من الولادة القيصرية بقدر المستطاع.

استعمال المُسكِّنات والمقويات إذا كان يشُقُّ عليها الطَّلْق من الأشياء المباحة:

قال الشيخ رحمه الله: إذا كانت المرأة يشُقُّ عليها الطَّلْق والولادة، وأخذت من الأدوية المباحة ما يُعينها على ذلك، فإن هذا لا بأس به، وهو من باب التنعُّم بنِعَمِ الله سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى من كرمه وجوده وفضله، يُحِبُّ لعباده أن يتنعَّمُوا بِنِعَمِه التي مَنَّ بها عليهم، ويُحِبُّ من عبده أن يرى أثَرَ نِعْمَته عليه، واستعمال المسكِّنات والمقويات في الطَّلْق أو ما أشبه ذلك من الأشياء المباحة، ولا بأس به ولا حرَج؛ لأن الله سبحانه وتعالى يُحِبُّ اليُسْر لعباده؛ كما قال الله تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ [البقرة: 185].

من فوائد إرضاع الأم لابنها:

قال الشيخ رحمه الله: لبنُ الأُمِّ أنفعُ من لبن غيرها، ولأن حنوَّ الأُمِّ على ولدها أشَدُّ، ولأنه إذا ارتضع منها، فإنه يألَفُها ويُحِبُّها، وكل هذه مصالحُ مقصودةٌ للشَّرْع.

 

غَيرة الزوجة على زوجها إذا زادت صارت غبرةً أتعبتْها:

قال الشيخ رحمه الله: من طبيعة المرأة أن تغار على زوجها، وهذا دليلٌ على محبَّتِها له، ولكني أقول: الغيرة إذا زادت صارتْ غبرةً وليست غَيْرة، وتُتعِب المرأة تعبًا شديدًا؛ لذلك أُشيرُ على هذه المرأة أن تُخفِّفَ من غيرتها، وأُشير على الرجل أيضًا أن يحمَد الله عز وجل على أن هيَّأ له امرأةً صالحةً تُحبُّه؛ لأن هذا – أعني: التحابَّ بين الزوجين – ممَّا يجعل الحياة بينهما سعيدةً، وإلَّا فإن الغَيْرة أمرٌ فِطْريٌّ لا بُدَّ منه.

 

أرسلت إحدى أُمَّهات المؤمنين إلى النبي عليه الصلاة والسلام طعامًا في إناء، وهو في بيت إحدى نسائه، فلما دخل الرسول – الخادم – بالطعام والإناء فرحًا به، يُهديه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن من امرأةٍ أخرى، فهذه المرأة التي هو في بيتها غارَتْ، فضربَتْ يد الرسول، وطاح الإناء، وتكسَّر، وتبعثَرَ الطعام، ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يُوبِّخْها؛ بل قال: ((غارَتْ أُمُّكُم))، ثم حبَس الخادم حتى أُتِيَ بصَحْفة مِن عند التي هو في بيتها، فدفع الصَّحْفة الصحيحة إلى التي كُسِرَتْ صَحْفتُها، وأمسَك المكسورة في بيت التي كسرت الصَّحفة؛ لأن الرسول إذا رجع وقال: إن المرأة هذه فعلتْ كذا وكذا، سوف تتكدَّر المرسِلة، فإذا جاءها إناء ضَرَّتِها وطعام ضَرَّتِها، فسوف تبرد، وهذا من حكمة الرسول عليه الصلاة والسلام…. المهم أن الغَيْرة بين النساء أمرٌ لا بُدَّ منه، وأرى من نعمة الله على الزوج أن تكون المرأةُ تُحبُّه إلى هذا الحدِّ، ولكني أقول للمرأة: خفِّفي من الغَيْرة، لئلا تَشُقِّي على نفسك وتَتعبي.

وقال رحمه الله: مهما تَصافَتِ النساءُ بينهن، فلا بُدَّ من غَيْرة، لكن يجب على المرأة إذا غارت ألَّا تأْثَمَ.

 

موقف الزوجة إذا تزوَّج زوجُها بزوجة ثانية:

قال الشيخ رحمه الله: يُؤسِفنا كثيرًا أن بعض النساء إذا تزوَّج زوجُها بزوجة أخرى، فعلت أفعالًا لا تليقُ بها؛ من الصُّراخ، والمقاطعة، والبغضاء، ومطالبة الزوج بالطلاق، أو بفراق الجديدة، وما أشبه ذلك، والذي ينبغي للمرأة أن تُهوِّنَ على نفسها هذا الأمر؛ لأن هذا الأمر وقع من النبي عليه الصلاة والسلام، ومِن سادات المؤمنين من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم إلى يومنا هذا، وإذا كان الله تعالى قد أجاز للرجل أن يتزوَّجَ إلى أربع، فهم أعلمُ وأحكمُ وأرحمُ، فالذي ينبغي للمرأة أن تُهوِّن على نفسِها هذا الأمر، وأن تصبرَ على ما نالها من المشقَّة، وألَّا تُطالِبَ الزوجَ بشيءٍ، وفي ظنِّي أن الزوج إذا وجَدَ أرْضًا لينةً بالنسبة لزوجته الأولى، فسيكون لينًا.

 

الزوجة إذا تزوَّج عليها زوجُها، فصبَرت وتحمَّلَت، فإنها مُثابةٌ مأجُورةٌ:

قال الشيخ رحمه الله: المرأة إذا تزوَّج عليها زوجُها وصبرَتْ، وتحمَّلَتْ فإنها مُثابةٌ مأجُورةٌ، فكلُّ شيءٍ يُصيبُ المؤمنَ من هَمٍّ أو غَمٍّ حتى الشوكة إذا أصابته، فإن ذلك تكفيرٌ لخطاياه، وإذا صبر واحتسَب الأجرَ، كان ذلك زيادةً في ثوابه ودرجاته.

 

ينبغي للزوجة عدم التسرُّع في طلب الطلاق؛ فقد تندم حين لا ينفع الندم:

قال الشيخ: النصيحة للزوجة لا تتسرَّع في طلب الطلاق من الزوج، بل عليها أن تصبرَ وتتحمَّلَ المرة تِلْوَ الأخرى حتى إذا أيِسَتْ من الصلاح والإصلاح فلا بأس؛ لأن الله تعالى قد جعل لكل ضِيْقٍ فَرَجًا لكم، أما كونها تتسرَّع وتريد من الزوج أن يكون على هواها في كل شيء، فلا ينبغي منها ذلك، وأكثر ما يقع هذا فيما إذا تزوَّج الزوج بزوجةٍ أخرى، فإنها حينئذٍ تُسارع إلى طلب الطلاق والإلحاح عليه، وتندم حين لا ينفع الندَمُ، فنصيحتي لها أن تصبر وتحتسب الأجْرَ من الله عز وجل على صبرها.

 

موقف مُشرِّف لزوجة تزوَّج عليها زوجُها:

وجَّهَتْ زوجةٌ للشيخ سؤالًا تقول فيه: تزوَّجْتُ من رجل متزوِّج، لكنه بعد زواجي منه لا يذهبُ لزوجته الأُولى، وأنا لا أرضى لزوجي العصيانَ، وهو لا يُريدُ أن يُطلِّقَني، فهل أطلُبُ منه الطلاق من أجل المرأة الأخرى؟ أم ماذا أفعلُ؟

فأجاب الشيخ رحمه الله: أقول: جزى الله هذه المرأة خيرًا؛ فإنها من المؤثرين على أنفسهم، حيث تُريدُ من زوجها أن يعدِلَ بينها وبين الزوجة الأُولى، نشكُرها على هذا العمل؛ لأنها تحرِص على مصلحة زوجها.

 

♦ فائدة: ذكر الإمام ابن الجوزي رحمه الله في كتابه “صفة الصفوة”: قصة امرأتين صالحتين ببغداد، تتلخَّص القصة في أن رجلًا متزوج بابنة عمِّه، وكان له منها ولَدٌ، ثم إنه تزوَّج من امرأة ثانية، وأخفى عن زوجته الأولى أمرَ زواجه، وبقي على ذلك أشهر، ثم أن ابنة عمِّه أنكرت منه تغيُّر أحوالِه، فطلَبَتْ من جاريةٍ لها أن تتبعه إذا خرج من السُّوق، فتبِعتْه وهو لا يدري، إلى أن دخل بيت زوجته الثانية، فسألت الجارية الجيران: لمن هذه الدار؟ فقالوا: لامرأة قد تزوَّجَتْ برجل تاجر، فعادتْ إلى سيِّدتها، وأخبرتها بالخبر، فقالت لها: إيَّاكِ أن يعلم بهذا أحَدٌ، ولم تُظهِرْ لزوجها شيئًا، وبعد سنة مَرِضَ الزوجُ ومات، وخلَّفَ ثمانية آلاف درهم، للابن سبعة آلاف درهم، وألف للزوجتين، فعمَدت زوجتُه ابنةُ عمِّه، وقَسَمَتِ الألْفَ نِصْفَينِ، وبعثَتْ إلى زوجته الثانية نصيبها من الألف، وقالت للجارية: اذهبي إليها، وأخبريها أن الرجل تُوفِّي، وأن هذا هو نصيبها من الميراث، فلما ذهبت الجارية إليها، وأخبرتها أن الرجل قد مات، بكَتْ، وقالت لها: عُودي إلى سيِّدتِكِ، وسلِّمي عليها عنِّي، وأخبريها أن الرجلَ قد طلَّقَني، ورُدِّي عليها هذا المال، فإني ما أستحقُّ في تركته شيئًا.

 

هل الأفضل البقاء مع زوج يُسيء معاملة زوجته أو طلب الفراق؟

سُئل الشيخُ: امرأة متزوجة من رجل، وقد أنجبت منه أربعةَ أولادٍ، ولكنه يُسيء معاملتَها ومعاملة أولادها، ومُقصِّرٌ في دِينِه كثيرًا، فهو يشرب الخمر، ويتناول الحبوب المخدِّرة، وقد تزوَّج بزوجةٍ أخرى، هل يجوز لها البقاءُ معه على تلك الحالة؟

قال الشيخ رحمه الله: البقاء معه أو طلب الفراق، فإذا كانت ترجو في البقاء معه أن يُصلِحَ الله حاله بالنُّصْح والإرشاد، فلْتَبْقَ معه؛ لئلا ينفرطَ سلك العائلة، وتحصل مشكلات بينهما، ويحصُل القلق لأولادها، وإذا كانت لا ترجو ذلك، فإنها تستخير الله عز وجل، وتُشاورُ مَنْ تراه ذا عَقْلٍ راجح في هذه المسألة: هل تبقى أم تُفارِق؟ ونسأل الله أن يختار لها ما فيه الخير والصلاح، ومحل ذلك ما لم يكن هذا الزوج تاركًا للصلاة، فإن كان تاركًا للصلاة، فإنه لا يجوز لها البقاء معه، لأن ترك الصلاة مُخرِجٌ عن الملَّة، والكفر المخرج عن الملَّة يقتضي انفساح النكاح، والله أعلم.

 

وقال رحمه الله مُجيبًا زوجة تسأل عن حُكم الاستمرار مع زوجها الذي يرتكب بعض المحرَّمات، إضافة إلى سوء عِشرته، وسُوء أخلاقه:

أرى ألَّا تُفارقَه ما دام لم يخرج عن الإسلام بذُنُوبه، ولكن تصبر وتحتسب من أجل الأولاد وعدم تفرُّقهم، وعليها أن تُكرِّرَ النصيحة لزوجها، فلعَلَّ اللهَ سبحانه وتعالى يهديه على يديها.

 

طلب المرأة الطلاق من زوجها الذي يُدمِنُ المخدِّرات:

قال الشيخ رحمه الله: طلب المرأة من زوجها الذي يُدمِنُ المخدِّرات الطلاقَ جائزٌ؛ لأن حال زوجها غير مرضية، وفي هذه الحال إذا طلبت الطلاق منه، فإن الأولاد يتبعونها إذا كانوا دون سبع سنين، ويُلزَمُ الوالدُ بالإنفاق عليهم، وإذا كان يمكن أن تبقى مع هذا الرجل وتُصلِحُ حالَهُ بالنصيحة، فهذا خيرٌ.

 

عدم خروج الزوجة من بيت زوجها إذا طلَّقها وهي رجعية:

قال الشيخ رحمه الله: لا يجوز للزوج إذا طلَّق زوجته أن يُخرِجَها من بيته، ولا يجوز للمرأة أن تخرج من بيت زوجها إذا طلَّقها إلى انتهاء العِدَّة.

 

يجب أن تبقى المرأة في بيت الزوج، ويحرم على الزوج أن يُخرِجَها، بل تبقى إلى أن تنتهي العِدَّةُ؛ لأن الله بيَّنَ الحِكْمةَ من ذلك؛ فقال: ﴿ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ﴾ [الطلاق: 1]، رُبَّما إذا بقِيت تغيَّرتْ أخْلاقُها، ورُبَّما إذا بقيت تولَّدَ في قلب الزوج محبَّةٌ لها فيُبقِيها؛ لأنه قيل: أحَبُّ شيءٍ إلى الإنسان ما مُنِعَ، فرُبَّما إذا طلَّقَها زال ما في قلبه عليها وأبقاها؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ﴾ [الطلاق: 1].

 

فإن قال قائل: إذا بقِيت في بيت الزوج، هل يحلُّ لها أن تكشف وجهها له؟

فالجواب: نعم، يحلُّ أن تكشف وجهها له، ويحلُّ أن تتجمَّل له، ويحِلُّ أن تتطيَّبَ له، ويحِلُّ أن تُكلِّمَه ويُكلِّمَها، ويخلوَ بها، كل هذا جائز؛ لأنها زوجته، فالزوجية لا تزول إذا كان الطلاقُ رجعيًّا، إنما تزول بانتهاء العدة؛ ولهذا نقول: إذا طلَّقَ الإنسانُ زوجتَه طلاقًا رجعيًّا تبقى في البيت.

 

واقع الناس اليوم أنه إذا طلَّقَ الإنسانُ زوجتَه هَرَبتْ من البيت، ولم تبْقَ به، وهذا حرامٌ عليها، ورُبَّما يخرجها هو بنفسه، وهذا حرامٌ عليه، فإن خرجت هي فهي آثمةٌ، وإن أخرجها هو فهو آثمٌ، تبقى حتى تنتهي العِدَّةُ، ثم تذهب إلى أهلها: ﴿ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ﴾ [الطلاق: 1]، سواء كانت هذه الفاحشة عائدة إلى الأخلاق، أو المعاملة، فإنها حينئذٍ تُخرَجُ من البيت.

 

ولو جاءتنا امرأة تذكُرُ أن زوجها طلَّقها، وقد خرجت من بيته، قُلْنا لها: يجب عليك أن ترجعي إلى بيتك، هذا هو حدُّ الله.

 

عدم ذكر أسباب الطلاق للآخرين؛ لأن ذلك خلاف المعروف:

قال الشيخ رحمه الله: قال الله تعالى:﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ [البقرة: 231]، في هذه الآية من الحكم والفوائد: أنه لا يجوز للزوج بعد المفارقة ولا الزوجة أيضًا أن يُحدِّث كلُّ واحدٍ منهما بما جرى بينهما من أسباب الطلاق وغيره، إلا أن يكون ذلك لبيان العُذْرِ إذا لِيمَ على هذا الشيء، وقيل له: لماذا تُطلِّق زوجتَكَ؟ فأراد أن يُبيِّنَ السببَ حتى يَعذِرَه الناسُ، وهذا إنما يكون فيمن يستحِقُّ أن يعتذر إليه من ذلك؛ كالأب والأخ والقريب، أما عامة الناس فإنه لا ينبغي أن يُحدِّثَهم بما حصل؛ لأن ذلك خلاف المعروف.

وفي الختام:

على كل زوجة يوجد لديها مشكلاتٌ مع زوجها أن تُكثِرَ وتُلِحَّ في الدُّعاء والتضرُّع للكريم الرحيم القريب المجيب، فهذه زوجة تسأل العلامة ابن عثيمين رحمه الله حاكيةً واقِعَها مع زوجها، وكيف صَلَحَتْ حالُه بدعائها الله عز وجل، تقول: كان زوجي يشرب الخمر، وحاولتُ أن أرشدَه إلى الطريق الصحيح، فلم أستطع إلَّا بالتضرُّع إلى الله، والتوسُّل إليه في إبعاده عن الخمر، فاستجاب الله دعائي، وترك زوجي الخمر.

اللهم يا كريم يا رحمن، وفِّقْ كلَّ فتاةٍ مقبلة على الزواج على أن يكون زواجُها موافِقًا لسُنَّة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، اختيارًا للزوج الصالح، وتخفيفًا للمهر، وإقامةً لليلة الزواج خاليةً من المنكرات، اللهم أَدِمْ نعمةَ الاستقرار والراحة والسعادة على كل زوجين، ووفِّقْهُما لما فيه رضاك وهُداكَ، واجمع بينهما في معروف وخير، اللهم يسِّرْ لكل زوجين وقعا في مشاكل زوجية ما يُعينُهما على الخروج منها بأفضل الحلول وأقلِّ الخسائر، يا كريم يا رحمن.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكاتب:فهد عبدالعزيز الشويرخ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.