نشوز الزوجة على زوجها

الحمدُ للهِ وكفَى، والصلاة والسلام على مَن اصطفى، وبعدُ:

نشوز الزوجة على الزوج له صور متعددة؛ منها: تقصيرها في مهامها من خدمته ونظافة داره ورعاية أولاده وتربيتهم، ومنها مخالفته وعدم طاعته في الخروج دون إذنه وإدخال مَن حذَّرها من دخول بيته لسوء خُلقه ولو كان من أهلها، ومنها امتناع الزوجة عن تلبية حاجة زوجها لحقِّه الشرعي دون عذر شرعي؛ كحيض، أو نفاس، أو مرض، فكل هذا وغيره نشوز ومعصية؛ لأن القوامة والطاعة للرجل بنص القرآن؛قال تعالى: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ﴾ [النساء: 34]،وقد بيَّنت الشريعة الإسلامية أسلوبَ تعامل الزوج مع زوجته الناشز، وهي على الترتيب في الآية الكريمة: يعِظها أولًا، ويذكِّرها بالله تعالى وعقابه، وحُكم الخروج عن طاعة الزوج دون سببٍ شرعي، ثم إذا لم تستجبْ هجَرها في الفراش ثانيًا، فإذا لم تستجب لذلك لهوى نفس، أو لسببٍ من الأسباب الدنيوية، فله أن يضربَها ضربًا غير مبرح ثالثًا.

وهذا هو العلاج القرآني للزوجة الناشزة، ولَمَّا كان أكثر المشكلات التي تحدُث بين الزوجين، سببه الحق الشرعي للزوج، فقد جاء الترهيب الشديد للزوجة من هذا الأمر بالذات في السنة الصحيحة، فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه، فأبتْ فبات غضبانَ عليها، لعنتها الملائكة حتى تُصبح”، هذا هو حكم الزوجة الناشز التي ترفض طاعة زوجها من الكتاب والسنة.

وأريد إلقاء الضوء فيما يخص نشوز الزوجة عن طاعة زوجها في تلبية حقِّه الشرعي، وأهمس في أُذن كل زوجة بنصيحة من واقع خبرتي في حل مشكلات المتزوجين؛ لتعلَم الغاية من الزواج إن كانت جاهلة، قد تكون الزوجة ذات حسَبٍ ونسبٍ، وماهرة في الطبخ، وربة بيتٍ ممتازة بمعني الكلمة، وربما كانت مشاركة مع الزوج في نفقات المعيشة، وربما كانت مثقفة ومتعلمةً، ومحبَّة لزوجها وتحترمه، وكل هذا جميل وطيب، ومن الصفات المؤثرة في زيادة وتيرة المودة والرحمة، وهي الهدف من الزواج بمدلولها الشامل؛ قال تعالي: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الروم: 21]،وأقصد بمدلولها الشامل ما سبق من صفات للزوجة أو بعضها، وقطعًا لا يخفى على المسلمة أن الغريزة الجنسية من أخطر غرائز الإنسان، وحرَّم الله كل السبل على المسلم لإشباعها، إلا عن طريق الزواج الشرعي، فالغاية الكبرى من الزواج هو إعفاف النفس والتحصن من الزنا، ويأتي بعد ذلك في المرتبة ما ذكرته هنا، وأكرِّر بناءً على حُكم الشرع الذي بيَّناه أعلاه، ونصيحة لكلِّ زوجةٍ تمتنع بلا عذرٍ شرعي، بل لهوى أو للضغط على الزوج لأمرٍ دنيوي تريده،
ولا يخفى على المرأة أن زوجها رجل، وتقَعُ عينُه بقصدٍ أو بدُونه على نساء في العمل، أو المتبرِّجات من النساء التي تسلب لبَّه، فيبدأ المقارنة بين زوجته وبينهنَّ، فاحذَري أن تَرديه دون عذرٍ، فربما كانت كفَّتهنَّ أرجحَ وأخطر، وإنْ كان زوجك يخاف الله، ويغضُّ بصره، ولا يخونك ويخاف من الحرام، فهذا أمرٌ يُحسَب له لا لزوجته!
لكن ما يكبته في قلبه وحاجته لقضاء وطره، فلا يجد إلا الصد والرد، وهذا يجرح كرامته ويقدح في رجولته، وهذا سيجعله حتمًا يخرج عن صَمته كردِّ فعلٍ لإهمال الزوجة له، وربما يغضَب لأسباب تافهة، أو يتلفَّظ بالطلاق بمناسبةٍ وغير مناسبة: أنت طالق إنْ خرجتِ، أنت طالق إن ذهبتِ إلى فلان، أنت عليَّ حرام… وهكذا.
ويبدأ من جهة الزوجة الشكُّ في تصرُّفاته، ويلعَب الشيطان لُعبته في إيقاد نار الشك في هذا التغيير، ويُوَسوِس لك بوجود امرأةٍ أخرى، وتبدأ المشاجرات: مَن هي؟ ومتى وأين عرَفتَها؟
وما أغنى الزوجة عن كلِّ ذلك بأنْ تهتم بنفسها قليلًا؛ فإنَّ لزوجها عليها حقًّا، فليكن بيتها جنَّتها ومصدر سَعادتها، ولتكن أمامَه في أجمل صورة وأطيب رِيح، وسوف ترَى فائدة ذلك.

ومن ثم نقول: إن اهمال الزوجة لرغبة الزوج دون عذرٍ شرعي؛ كمرضٍ أو حيضٍ، أو نفاسٍ، أو تعبٍ شديدٍ، أو غير ذلك مما يؤثر على حيويتها، ويحبط عزيمتها، فهنا على الزوج أن يتفهم ذلك، ولا يخفى أن عذرها هذا ليس دومًا، بل في أوقات معينة، وليس عذرًا دائمًا.

كلمة ونصيحة من القلب لكل زوج:

بعض الأزواج تأخذه الحميَّة، ويرى في امتناع زوجته إهانة لرجولته وقوامته، فيُطلقها، وأقول له: لحظة أيها الزوج، لا تخدعك المظاهر، وإياك أن تظلم زوجتك وتُطلقها دون أن تفهم أسباب امتناعها بما جُبلت عليه من عاطفة وغيرة، وهذا سبب تصرُّف الكثيرات من النساء، وعدم رغبتهنَّ في المعاشرة الزوجية رغم حبهنَّ واحترامهنَّ لأزواجهنَّ، وأُذكره بثلاثة من الأسباب لعدم الإطالة:
1- الغيرة على الزوج:
المرأة بصفة عامة عندها حساسية وغيرة شديدة مجبولة عليها في قلبها، ممن يذكرهنَ زوجها من نسوة؛ سواء في العمل، أو من جيرانه، أو ربما من أهله، ويبدي أمام زوجته اهتمامه بهنَّ، إما بالاتصال أو المراسلة، أو الزيارة، أو ما أشبه هذا، والغيرة تؤدي إلى رد فعل من الزوجة، لكن قطعًا التمادي فيها بسوء الظن مدمرٌ لعشِّ الزوجية، فلتحترس كل زوجة، ولتكن معتدلة في غيرتها! وليكن الزوج مقدرًا لمشاعرها، فهي زوجته وأم أولاده، فلا يجرحها، وليجبر خاطرها إن شعرت بالغيرة.
والغيرة المعتدلة لكلٍّ من الزوجين بعضهما على بعض بلا إفراط أو تفريط – أمرٌ محمود في الإسلام؛ ودليل ذلك قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((إنَّ الله يَغار، وإنَّ المؤمن يَغار، وغيرة الله أنْ يأتي المؤمن ما حرَّم عليه))؛ أخرجه البخاري في النكاح ح/5223.
• وقال العلامة ابن القيِّم رحمه الله في الفوائد (1 /141):… والغيرة لها حدٌّ إذا جاوزَتْه صارت تهمة وظنًّا سيئًا بالبريء، وإن قصرت عنه كانت تغافُلًا ومبادئ دِياثة، وللتواضُع حدٌّ إذا جاوَزَه كان ذلًّا ومَهانة، ومَن قصر عنه انحرَفَ إلى الكبر والفخر، وللعزِّ حدٌّ إذا جاوَزَه كان كبرًا وخلقًا مذمومًا، وإنْ قصر عنه انحرف إلى الذل والمهانة.
وضابط هذا كله العدل؛ وهو الأخذ بالوسط الموضوع بين طرفي الإفراط والتفريط، وعليه بناء مصالح الدنيا والآخٍرة؛ ا.هـ.
2- فتور المحبة وإهمال الزوج لزوجته:
من الأسباب في نشوز الزوجة إهمال الزوج لها؛ إما لانشغاله بعمله الذي يطول وقته، فيُهمل فيه زوجته، أو كثرة سفره وتَرحاله، فلا يطلب عند العودة إلا الطعام، وينسى أن الله استخلفه في إنسانة لها مشاعر وأحاسيس، في حاجة لكلمة طيبة أو ابتسامة مشجعة، تُذهب عنها شقاءَ يومها في الطبخ والتنظيف، ورعاية الأولاد وخلافه، وتحتاج إلى تواصل عاطفي، كما ترغب أنت في التواصل الجسدي تمامًا.
وأنصح الزوج بزيادة مردوده العاطفي مع زوجته بكلمة أو هدية تُلهب مشاعرها، وسيرى فائدة ذلك، فهي مفطورة على الدلال وحب التجمل والتزين لمن تحب وتحترمه، وجرِّب أيها الزوج ولن تخسر شيئًا.
3- سوء التفاهُم و عدم التشاور:
من خلال خبرتي، فسببُ اختلاف الزوجين في هذا الموضوع، هو عدم الصراحة بينهما والتهرب من مواجهة المشكلة بينهما؛ إما بسبب الحياء تارة، أو الكرامة وعزة النفس تارة أخرى، ولا بُدَّ لهذا الحاجز النفسي من هَدمِه وبناء جسرٍ من التفاهُم والتشاور، والنصح والانسجام بينهما، قوامُه رعاية كلٍّ منهما لحقوق الآخَر؛ فلا يُهمِل الزوج حُقوقَ زوجته لمجرَّد خطَأ منها أو شيءٍ يكرهه فيها، وكذلك لا تهمل الزوجة حُقوق زوجها لبخلٍ منه، أو أذى بدَر منه؛ لسوء فَهمٍ، أو سرعة غضب، أو غير ذلك[1].
ولو عمل كلٌّ من الزوجين لحل هذه المشكلة التي تعكِّر صفو الحياة الزوجية بعقلانية وتفتُّح، وأنصَت لمطالب شريكه واحترمها، وأولى من هذا جعل الكتاب والسنة مقدمًا على الهوى والعادات والتقاليد والبدع، لحُلَّت كلُّ المشاكل التي تنشأ بين كل من الزوج وزوجه، وخاصة ما يتعلق بحقوق الزوج الشرعية،هذا والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بواسطة : سيد مبارك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.