مهر الزواج

الروض الوريف شرح حقوق الجنس اللطيف

الحلقة العاشرة

مهر الزواج

 

إن مما امتازت به الشريعة الإسلامية المحمدية في تكريم النساء على جميع الشرائع والنظم التي يجري عليها البشر في الزواج أنها فرضتْ على الرجل أن يدفع لمن يقترن بها مهرًا مقدَّمًا على البناء بها[1]، من حيثُ تفرضُ الشعوبُ غيرُ المسلمة على المرأة أن تدفع هي المهرَ للرجل – ولكنهم يسمونه باسمٍ آخرَ – فترى البنت العذراءَ مضطرةً إلى الكَدِّ والكَدْح لأجل أن تجمع مالاً تقدمه لمن يقترن بها إذا لم يكن لها وليٌّ من والدٍ أو غيرِه يبذل لها هذا المال.

 

وكثيرًا ما تركب الأوانس الناعماتُ أخشنَ المراكب، وتتعرضُ للعنَت والتفريط في العرض والشرف، في سبيل تحصيل هذا المال.

 

وشريعة اليهود تفرض للمرأة مهرًا لكنها لا تملكه بالفعل إلا إذا مات زوجها أو طلقها؛ لأنه ليس لها أن تتصرف بمالها وهي متزوجة!

 

فرض الله المهرَ على الرجل للمرأة فرضًا حتمًا، وحرَّم عليه أن يأكل شيئًا منه بعد الزواج بدون رضاها وطِيب نَفْسِها، فقال: ﴿ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ﴾ (النساء: 4)[2].

 

والنِّحْلة في اللغة: العطاء الذي لا يقابله عِوَض، فقول الفقهاء: «إن المهر في معنى ثمن الاستمتاع» مخالفٌ للغة، وردَّ عليهم شيخُنا الأستاذ الإمام (الشيخ محمد عبده[3] مفتي الديار المصرية رحمه الله) فقال:

«كلا، إن الصلة بين الزوجين أعلى وأشرف من الصلة بين الرجل وفرسه أو جاريته؛ ولذلك قال: ﴿ نِحْلَةً ﴾. فالذي ينبغي أن يُلاحظ أن هذا العطاء آيةٌ من آيات المحبة وصلة القربى وتوثيق عُرَى المودة والرحمة، وأنه واجب حتم لا تخيير فيه كما يتخير المشتري والمستأجر، وترى عُرْف الناس جاريًا على عدم الاكتفاء بهذا العطاء بل يشفعه بالهدايا والتحف» ا.هـ كلامه.

 

ولكنه قال في موضعٍ آخرَ:

إن حكمة المهر للمرأة أن تطيب نفسُها برياسة الرجل عليها، وهو مع ذلك تكريم لها، وسيأتي.

 

والخطاب يحتمل وجهًا آخرَ[4]، وهو أن الخطاب للأولياء الذين يزوجون اليتامى وغيرَ اليتامى، فقد كان وليُّ المرأة في الجاهلية يزوجها ويأخذ صداقها لنفسه دونها، فنهى الله الأولياءَ في الإسلام أن يفعلوا ذلك، قال تعالى: ﴿ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً ﴾ [النساء: 4] أي: فإن طابت أنفُسُهن عن شيء من المهر فأَعْطَيْنه من غير إكراه ولا إلجاءٍ بسبب سوء العشرة، ولا إخجالٍ بالخِلابة والخديعة. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «من غير ضرار ولا خديعة»[5] ﴿ فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً ﴾ [النساء: 4] أي: سائغًا لا غصص فيه ولا تنغيص، فإذا طَلبَ منها شيئًا فحملها الخجلُ أو الخوف على إعطائه ما طلب فلا يحل له، وعلامات الرضا وطِيب النفس لا تخفى[6].


[1] هذا مجال نظر؛ إذ يجوز تعجيل المهر كله وتأخيره كله وتقديم بعض وتأخير بعض، أي ذلك فعل فلا بأس، ليس شيء منه شرطًا ولا فرضًا، والمستحب تقدمة شيء.

قال الإمام البيهقي في كتاب الصداق من “السنن الكبير” (ج7/ص232):

باب النكاح ينعقد بغير مهر

قال الله جل ثناؤه: ﴿ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ ﴾.

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ =[هو الحاكم، والحديث في “المستدرك” (2/182)، وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. وإنما هو على شرط مسلم فقط. وصححه ابن حبان أيضًا]=، أنبأ أبو عبد الله محمد بن عبد الله الزاهد الأصبهاني، أنبأ أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل السلمي، حدثني أبو الأَصْبَغ عبد العزيز بن يحيى الحراني، أنبأ محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم خالد بن أبي يزيد، عن زيد بن أبي أُنَيْسَةَ، عن يزيدَ بن أبي حبيب، عن مَرْثَد بن عبد الله، عن عُقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: «أَتَرْضَى أَنْ أُزَوِّجَكَ فُلَانَةَ؟» قال: نعم، وقال للمرأة: «أَتَرْضَيْنَ أَنْ أُزَوِّجَكِ فُلَانًا؟»، فقالت: نعم ، فزوَّجَ أحدَهما صاحبَه ولم يفرض لها صداقًا ولم يعطها شيئًا، وكان ممن شهد الحديبيَة، وكان من شهد الحديبية له سهم بخيبرَ، فلما حضرته الوفاةُ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوَّجني فلانةَ، ولم أَفْرِضْ لها صداقًا، ولم أُعطها شيئًا، وإني أُشهِدكم أني أعطيتها صداقها سهمي بخيبرَ، فأخذت سهمًا فباعته بمائة ألف. قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ الصَّدَاقِ أَيْسَرُهُ».

قال الحافظ أبو بكر:

رواه أبو داود في “السنن” (2117) عن محمد بن يحيى، عن أبي الأصبغ، وزاد فيه: فدخل بها الرجل، ثم قال: ولم يفرض لها صداقًا ولم يعطها شيئًا.

ثم قال البيهقي: «وحديث بِرْوَعَ بنتِ وَاشِقٍ دليل في هذا أيضًا». انتهى.

قلت: حديثها مخرج في السنن.

وانظر “المحلى” للإمام الحجة أبي محمد بن حزم – رحمه الله – المسألة رقم (1844) (ج9/ص636-638) ط/ دار التراث.

[2] الصدقات: جمع (صَدُقة)، بضم الدال، وهي (الصَِّداق)، بفتح الصاد وكسرها.

[3] المولود سنة ست وستين ومائتين وألف من الهجرة (=1849م)، المتوفَّى سنة ثلاث وعشرين وثلاث مئة وألف (=1905م).

وكان الشيخ رشيد رضا أولَ من أطلق على محمد عبده لقب (الأستاذ الإمام). ذكر ذلك سَجِيره أميرُ البيان شكيب أرسلان – رحمه الله – في كتابه “السيد رشيد رضا أو إخاء أربعين سنة” (ص7).

فإن بصرت بذا اللقب في تواليف السيد رشيد فاعلم أن المومَى إليه هو صاحبه.

[4] قد رجح الإمام أبو جعفر الطبري الوجه الأول، فقال في تأويل الآية:

«يعني بذلك جل ثناؤه: فإن وهب لكم، أيها الرجال، نساؤكم شيئًا من صدقاتهن، طيبة بذلك أنفسهن، فكلوه هنيئًا مريئًا.

وقال آخرون: بل عنى بهذا القول أولياء النساء، فقيل لهم: إن طابت أنفس النساء، اللواتي إليكم عصمة نكاحهن، بصدقاتهن نفسًا، فكلوه هنيئًا مريئًا».

قال أبو جعفر: «وأولى التأويلين في ذلك بالصواب، التأويل الذي قلنا، وأن الآية مخاطب بها الأزواج؛ لأن افتتاح الآية مبتدأ بذكرهم، وقوله: ﴿ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً ﴾ في سياقه».

وقد قال قبلُ (ج7/ص554) في معرض رده على من ذهب إلى أن الخطاب في قوله: ﴿ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ﴾ للأولياء، قال:

وأولى التأويلات التي ذكرناها في ذلك، التأويل الذي قلناه. وذلك أن الله -تبارك وتعالى- ابتدأ ذكر هذه الآية بخطاب الناكحين النساءَ، ونهاهم عن ظلمهن والجور عليهن، وعرّفهم سبيلَ النجاة من ظلمهن. ولا دلالة في الآية على أن الخطاب قد صُرِف عنهم إلى غيرهم.

فإذْ كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الذين قيل لهم: ﴿ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ﴾، هم الذين قيل لهم: ﴿ وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ ﴾ = وأن معناه: وآتوا من نكحتم من النساء صدقاتهن نحلة، لأنه قال في أوّل الآية: ﴿ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ﴾، ولم يقل: “فأنكحوا”، فيكون قوله: ﴿ وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ ﴾، مصروفًا إلى أنه معنيٌّ به أولياء النساء دون أزواجهن.

وهذا أمرٌ من الله أزواجَ النساء المدخول بهن والمسمَّى لهن الصداق، أن يؤتوهن صدُقاتهن، دون المطلقات قبل الدخول ممن لم يسمّ لها في عقد النكاح صداق.

[5] أخرجه الطبري في “التفسير” (ج7/ص556) رقم (8517)، وابن المنذر (ص560) رقم (1346)، وابن أبي حاتم (4780)، من طريق عليّ بن أبي طلحة (ولم يرَ ابنَ عباس) عن ابن عباس قال: «إذا كان من غير إضرار ولا خديعة فهو هنيء مريء كما قال الله جل ثناؤه».

[6] تكملة فيها فوائد:

الأولى: لا حد لأقل الصداق ولا لأكثره. وقد مر بك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ الصَّدَاقِ أَيْسَرُهُ».

وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إِنَّ مِنْ يُمْنِ الْمَرْأَةِ تَيْسِيرَ خِطْبَتِهَا، وَتَيْسِيرَ صَدَاقِهَا، وَتَيْسِيرَ رَحِمِهَا». أخرجه الإمام أحمد في “المسند”، والحاكم في “المستدرك”، وعنه البيهقي في “السنن الكبرى” (7/235) بسند حسن عن عائشة رضي الله عنها. وقال عروة راويه عنها: قوله: «وَتَيْسِيرَ رَحِمِهَا» يعني: يتيسر رحمها للولادة. ثم قال: وأنا أقول من عندي: «من أول شؤمها أن يكثر صداقها».

الثانية: يستحب القصد في المهور وتكره المغالاة فيها، وقد ذكرنا نهي عُمرَ عن المغالاة في موضع سبق.

الثالثة: في قوله تعالى: ﴿ فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً ﴾: كان بعض السلف إذا اشتكى استشفي ببعض المهر، يتأول هذه الآية.

الرابعة: قال أمير الأدباء أبو السامي مصطفى صادق الرافعي بعد أن ذكر طرفًا من شأن النبي صلى الله عليه وسلم مما يتعلق بأمر بالنكاح:

وما كان به – صلى الله عليه وسلم – الفقر، ولكنه يُشرع بسنته ليُعلِّمَ الناسَ من عمله أن المرأة للرجل نفسٌ لنفس، لا متاع لشاريه؛ والمتاع يُقوَّم بما بُذل فيه إنْ غاليًا وإن رخيصًا، ولكن الرجل يقوم عند المرأة بما يكون منه؛ فمهرها الصحيح ليس هذا الذي تأخذه قبل أن تحمل إلى داره، ولكنه الذي تجده منه بعد أن تحمل إلى داره؛ مهرها معاملتها، تأخذ منه يومًا فيومًا، فلا تزال بذلك عروسًا على نفس رَجُلها ما دامت في معاشرته. أما ذلك الصداق من الذهب والفضة، فهو صداق العروس الداخلة على الجسم لا على النفس؛ أفلا تراه كالجسم يهلك ويبلى، أفلا ترى هذه الغالية -إن لم تجد النفس في رَجُلها- قد تكون عروس اليوم ومطلقة الغد؟!

وما الصداق في قليله وكثيره، إلا كالإيماء إلى الرجولة وقدرتها، فهو إيماء، ولكن الرجل قبْلُ.

إن كل امرئ يستطيع أن يحمل سيفًا، والسيف إيماء إلى القوة، غير أنه ليس كل ذوي السيوف سواء، وقد يحمل الجبان في كل يد سيفًا، ويملك في داره مائة سيف، فهو إيماء، ولكن البطل قبْلُ، ولكن البطل قبْلُ.

مائة سيف يمهر بها الجبان قوته الخائبة، لا تغني قوته شيئًا، ولكنها كالتدليس على من كان جبانًا مثله. ويوشك أن يكون المهر الغالي كالتدليس على الناس وعلى المرأة، كي لا تعلم ولا يعلم الناس أنه ثمن خيبتها؛ فلو عقلت المرأة لباهت النساء بيسر مهرها، فإنها بذلك تكون قد تركت عقلها يعمل عمله، وكفت حماقتها أن تفسد عليه…

انظر مقالة “قصة زواج وفلسفة المهر” في الجزء الأول من “وحي القلم”.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بواسطة : وائل حافظ خلف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.