من قصص النساء الصالحات ( الحرص على الستر والحياء والعفاف )

• قالت عائشة رضي الله عنها – في قصة الإفك: ((فلما أخذوا برأس البعير فانطلقوا به، فرجعت إلى المعسكر، وما فيه من داعٍ ولا مجيب، قد انطلق الناس، فتلفعت بجلبابي، ثم اضطجعت في مكاني، إذ مرَّ بي صفوان بن المعطل السلمي، وكان قد تخلف عن المعسكر لبعض حاجاته، فلم يبت مع الناس فرأى سوادي، فأقبل حتى وقف علي، فعرفني حين رآني، وكان قد رآني قبل أن يضرب علينا الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي))[5]، والشاهد منه: مبادرتها رضي الله عنها إلى تغطية وجهها حرصًا على الستر، وإقامة لحدود الله عز وجل.

 

• وعن أم علقمة بنت أبي علقمة قالت: (رأيت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر دخلت على عائشة رضي الله عنها وعليها خمار رقيق يشف عن جبينها، فشقته عائشة عليها، وقالت: أما تعلمين ما أنزل الله في سورة النور[6]؟! ثم دعت بخمار فكستها[7]، وفي رواية الموطأ: ((وكستها حمارًا كثيفًا))[8].

 

ودخل عليها رضي الله عنه نسوة من نساء أهل الشام، فقالت: لعلكن من الكُورة[9] التي يدخل نساؤها الحمامات. قلن: نعم، قالت: أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من امرأة تخلع ثيابها في غير بيت زوجها إلا هتكت ما بينها وبين الله من حجاب))[10].

 

• وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أيما امرأة نزعت ثيابها في غير بيتها، خرق الله عز وجل عنها ستره))[11]، وذلك لأن الجزاء من جنس العمل.

 

• وعن أنس رضي الله عنه قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة بعبدٍ قد وهبه لها، قال: وعلى فاطمة رضي الله عنها ثوب، إذا قنعت به رأسها، لم يبلغه رجليها، وإذا غطت به رجليها، لم يبلغ رأسها، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما تلقى قال: ((إنه ليس عليك بأسٌ، إنما هو أبوك وغُلامكِ))[12].

 

• ويُروى عن أم جعفر بنت محمد أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: ((يا أسماء إني قد استقبحت ما يصنع النساء أن يُطرح على المرأة الثوب فيصفها))، فقالت أسماء: يا ابنة رسول الله ألا أريك شيئًا رأيته بالحبشة؟ فدعت بجرائد رطبة، فحنتها، ثم طرحت عليها ثوبًا، فقالت فاطمة: ((ما أحسن هذا وأجمله تُعرفُ به المرأة من الرجل![13] فإذا مِتُّ أنا فاغسليني أنت وعلي ولا يدخل علي أحدٌ، فلما توفيت غسلها علي وأسماء رضي الله عنهما))[14].

 

والشاهد مه: أن فاطمة رضي الله عنها استقبحت أن يصف الثوب المرأة وهي ميتة، فلا شك أن وصفه إياها وهي حية أقبح وأقبح.

 

• ومثله ما جاء عن نافع وغيره أن الرجال والنساء كانوا يخرجون بهم سواء، فلما ماتت زينب بنت جحش رضي الله عنها أمر عمر رضي الله عنه مناديًا فنادى: ((ألا لا يخرج على زينب إلا ذو رحم من أهلها))، فقالت بنت عميس: ((يا أمير المؤمنين، ألا أريك شيئًا رأيت الحبشة تصنعه لنسائهم؟)) فَجَعلت نعشًا، وغشته ثوبها، فلما نظر إليه قال: ((ما أحسن هذا! ما أستر هذا)) فأمر مناديًا أن اخرجوا على أمكم[15].

 

• وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة)) فقالت أم سلمة رضي الله عنها: كيف تصنع النساء بذيولهن؟ قال: يرخين شبرًا))، قالت: إذن تنكشف أقدامهن، قال: ((فيرخين ذراعًا، ولا يزدن عليه))[16].

 

• وعن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس رضي الله عنه: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف، فادع الله لي، قال: ((إن شئت صبرتِ ولك الجنة، وإن شئتِ دعوتُ الله عز وجل أن يعافيك)) قالت: أصبر، قالت: فإني أتكشف، فادع الله أن لا تكشف، فدعا لها[17].

 

والشاهد فيه: حرصها على التستر حتى في حال العذر، ففي رواية البزار من وجه آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما في نحو هذه القصة أنها قالت: ((إني أخاف الخبيث أن يجردني)) الحديث.

 

• وعن امرأة من الأنصار قالت: دخلت على أم سلمة رضي الله عنها، فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأنه غضبان، فاستترت بكم درعي، فتكلم بكلام لم أفهمه، فقلت: يا أم المؤمنين كأني رأيت رسول الله عضبان؟ قالت: نعم أو ما سمعتيه؟ قالت: قلت: وما قال؟ قالت: قال: ((إن السوء إذا فشا في الأرض فلم يُتناه عنه أنزل الله عز وجل بأسه على أهل الأرض))، قالت: قلت: يا رسول الله! وفيهم الصالحون؟ قال: نعم، وفيهم الصالحون، يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يقضبهم الله عز وجل إلى مغفرته ورحمته، أو إلى رحمته ومغفرته))[18]، والشاهد: قولها: ((فاستترت بكم درعي)).

 

• وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له امرأة أخطبها، فقال: ((اذهب فانظر إليها، فإنه أجدر أن يؤدم بينكما))[19]، فأتيت امرأة من الأنصار فخطبتها إلى أبويها، وأخبرتهما بقول النبي صلى الله عليه وسلم، فكأنما كرها ذلك، قال: فسمعت ذلك المرأة، وهي في خدرها، فقالت: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرك أن تنظر فانظر، وإلا فأنشُدك، كأنها أعظمت ذلك، قال: فنظرت إليها فتزوجتها، فذُكر من موافقتها، وموضع الشاهد منه واضح.

 

• وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذ خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل))[20]، فخطبتُ جارية فكنتُ أتخبأ لها، حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها وتزوجها، فتزوجتها))، والشاهد: قوله صلى الله عليه وسلم: ((فإن استطاع)).. إلخ، لأنه يبرز حرص المرأة المسلمة على الستر، حتى ليشق على من أراد رؤيتها أن يراها إلا بعناء واستغفال واختباء.

 

• وعن محمد رضي الله عنه قال: خطبت امرأة، فجعلت أتخبأ لها، حتى نظرت إليها في نخل لها، فقيل له: أتفعل هذا، وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه يقول: ((إذا ألقى الله في قلب امرئٍ خطبة امرأة، فلا بأس أن ينظر إليها))[21]، ولو كانت هذه المرأة متكشفة معروضة كنساء هذا الزمان -إلا من رحم ربك- لما احتاج إلى الاختباء.

 

وفي رواية سهل بن أبي حثمة قال: ((رأيت محمد بن مسلمة يطارد بثينة بنت الضحاك فوق إجار -وهو السطح الذي ليس حواليه ما يرد الساقط عنه- لها ببصره طردًا شديدًا، فقلت: أتفعل هذا وأنت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فقال…)) ذكر الحديث.

 

• وعن عاصم الأحول قال: ((كنا ندخل على حفصة بنت سيرين، وقد جعلت الجلباب هكذا، وتنقبت به، فنقول لها: رحمك الله، قال الله تعالى: ﴿ وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ﴾ هو الجلباب، قال: فتقول لنا: أي شيء بعد ذلك؟ فنقول: ﴿ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ ﴾، تقول: هو إثبات الحجاب))[22].

 

((ولما كان العلامة الكاساني في حلب طلبت منه زوجته الفقيهة فاطمة بنت السمرقندي الرجوع إلى بلاده، فلما همَّ بذلك استدعاه الملك العادل نور الدين، وسأله أن يقيم بحلب فعرفه أنه لا يقدر على مخالفة زوجه، إذ هي بنت شيخه، فأرسل الملك إلى فاطمة خادمًا بحيث لا تحتجب منه، ويخاطبها عن الملك في ذلك، فلم تأذن للخادم، وأرسلت إلى زوجها تقول له: ((أبعدُ عهدُك بالفقه إلى هذا الحد؟ أما تعلم أنه لا يحل أن ينظر إليَّ هذا الخادم؟ وأي فرق بينه وبين الرجال في عدم جواز النظر؟ فأرسل إليها الملك امرأة لتكلمها في هذا))[23].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بواسطة : عصام محمد الشريف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.