من قصص النساء الصالحات(الجهاد والتضحية والصبر من أجل الدين)

لقد كان لقريش صولةٌ وانبساطٌ بالأذى على من آمن من أولئك الضعاف حتى لقد تجاوزوا به حد التعذيب والإيلام، إلى الافتنان في التمثيل، والتأنق في التنكيل، ومن أولئك اللواتي استعذبن العذاب: سُمية بنت خياط أم عمار بن ياسر كانت سابعة في الإسلام، وكان بنو مخزوم إذا ما اشتدت الظهيرة، والتهبت الرمضاء، خرجوا بها هي وابنها وزوجها إلى الصحراء، وألبسوهم دروع الحديد، وأهالوا عليهم الرمال المتقدة، وأخذوا يرضخونهم بالحجارة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر بعمار وأمه وأبيه وهم يعذبون بالأبطح في رمضاء مكة فيقول: ((صبرًا آل ياسر، موعدكم الجنة))[24]، حتى تفادى الرجلان ذلك العذاب المر بظاهرة من الكفر أجرياها على لسانهما، وقلباهما مطمئنان بالإيمان، وقد عذر الله أمثالهما بقوله تعالى: ﴿ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ﴾ فأما المرأة فاعتصمت بالصبر، وقرت على العذاب، وأبت أن تعطي القوم ما سألوا من الكفر بعد الإيمان، فذهبوا بروحها، وأفظعوا قِتلتها، فقد أنفذ الشريف النذل أبو جهل بن هشام حربته فيها، فماتت رضي الله عنها، وكانت أول شهيدة في الإسلام.

 

قال ابن حجر: وأخرج ابن سعد بسند صحيح عن مجاهد قال: أول شهيدة في الإسلام سمية والدة عمار بن ياسر، وكانت عجوزًا كبيرة، ضعيفة، ولما قُتل أبو جهل يوم بدر قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمار: ((قتل الله قاتِل أمك))[25].

 

وغير سمية كثيرات احتملن ما احتملت:

فمنهن من كانوا يلقونها، ويحملون لها مكاوي الحديد، ثم يضعونها بين أعطاف جلدها، ويدعون الأطفال يعبثون بعينها حتى يذهب بصرها، وممن عُذب بهذا العذاب زنيرة جارية عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان هو وجماعة من قريش يتولون تعذيبها، ولما ذهب بصرها قال المشركون: ما أصاب بصرها إلا اللات والعزى، فقالت لهم: والله ما هو كذلك، وما تدري اللات والعزى من يبعدهما، ولكن هذا أمر من السماء والله قادر على أن يرد عليَّ بصري، قيل فرد عليها بصرها، فقالت قريش: هذا من سحر محمد صلى الله عليه وسلم، وقد اشتراها أبو بكر وأعتقها رضي الله عنها[26].

 

ومنهن من كانوا يسقونها العسل، ويوثقونها بالأغلال، ثم يلقونها بين الرمال، ولها حرٌ يذيب اللحم، ويصهر العظم، حتى يقتلها الظمأ[27]، وممن فعلوا بهن ذلك أم شريك غزية بنت جابر بن حكيم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: وقع في قلب أم شريك الإسلام وهي بمكة فأسلمت ثم جعلت تدخل على نساء قريس سرًا، فتدعوهن، وترغبهن في الإسلام، حتى ظهر أمرها لأهل مكة، فأخذوها، وقالوا لها: لولا قومك لفعلنا بك فعلنا، ولكنا سنردك إليهم، قالت: فحملوني على بعير ليس تحتي شيء موطأ ولا غيره، ثم تركوني ثلاثًا لا يطعموني، ولا يسقوني، فنزلوا منزلًا، وكانوا إذا نزلوا وقفوني في الشمس واستظلوا، وحبسوا عني الطعام والشراب حتى يرتحلوا، فبينما أنا كذلك إذا بأثر شيءٍ بارد وقع علي منه ثم عاد، فتناولته، فإذا هو دلو ماء، فشربت منه قليلًا ثم نزع مني، ثم عاد فتناولته، فشربت منه قليلًا، ثم رفع، ثم عاد أيضًا، فصنع ذلك مرارً حتى رويت، ثم أفضت سائره على جسدي وثيابي، فلما استيقظوا إذا هم بأثر الماء ورأوني حسنة الهيئة، فقالوا لي: انحللت فأخذت سقاءنا فشربت منه؟ فقلت: لا والله ما فعلت ذلك، كان من الأمر كذا وكذا، فقالوا: لئن كنت صادقة فدينك خير من ديننا، فنظروا إلى الأسقية فوجدوها كما تركوها، فأسلموا لساعتهم[28].

 

وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه -قبل أن يُسلم- يتولى تعذيب جارية مسلمة لبني المؤمل، فلا يزال يضربها بالسياط، حتى إذا مل قال لها: إني اعتذر إليك أني لم أتركك إلا ملالة، فتقول له: كذلك فعل الله بك[29].

 

وقالت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها: لما توجه النبي صلى الله عليه وسلم من مكة حمل أبو بكر معه جميع ماله -خمسة آلاف- فأتاني جدي أبو قحافة وقد عمي، فقال: إن هذا قد فجعكم بماله ونفسه، فقلت: كلا، قد ترك لنا خيرًا كثيرًا، فعمدت إلى أحجار، فجعلتهن في كوة البيت، وغطيت عليها بثوب، ثم أخذت بيده، ووضعتها على الثوب، فقلت: هذا تركه لنا، فقال: أما إذا ترك لكم هذا، فنعم.

 

وعن ابن إسحاق قال: حُدثتُ عن أسماء، قالت: أتى أبو جهل في نفر، فخرجت إليهم، فقالوا: أين أبوك؟ قلت: لا أدري والله أين هو؟ فرفع أبو جهل يده، ولطن خدي لطمة خر منها قرطي، ثم انصرفوا[30]. اهـ

 

وخرجت أم أيمن مهاجرة، وليس معها زاد ولا ماء، فكادت تموت من العطش، فلما كان وقت الفطر، وكانت صائمة سمعت حسًّا على رأسها، فرفعته، فإذا دلو معلق، فشربت منه حتى رويت، وما عطشت بقية عمرها[31].

 

آمنت أم كلثوم بنت عقبة -وهو سيد من سادات قريش- دون رجال بيتها، وفارقت خدرها، ومستقر آمنها ودعتها، تحت جنح الليل، فريدة شريدة، تطوي بها قدماها ثنايا الجبال، وأغوار التهائم بين مكة والمدينة، إلى مفزع دينها، ودار هجرتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أعقبتها بعد ذلك أمها، فاتخذت سنتها، وهاجرت هجرتها، وتركت شباب أهل بيتها وكهولهم، وهم في ضلال يعمهون[32].

ذلك قليل من كثير مما يشهد للمرأة المسلمة باحتكام الدين في ذات نفسها، واستهانتها بالدم والروح في سبيله.

 

ومن هذا القبيل مواقف تكشف وضوح قضية ((الولاء والبراء)) في حسِّ المرأة المسلمة وضوحًا لا يخالطه شائبة ضعف، أو انهزام، أو هوادة مع من حاد الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم.

 

• فهذه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها، وقد جاءتها أمها ((قُتيلة)) راغبة في صلتها، فتوقفت حتى سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن أمي قدمت، وهي راغبة، أفأصلها؟ قال: ((نعم، صلي أمك))[33]، وفيها نزل قوله تعالى: ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [الممتحنة: 8].

 

• وعن يزيد بن الأصم قال: تلقيتُ عائشة، وهي مقبلة من مكة، أنا وابنُ أختها ولدٌ لطلحة، وقد كنا وقعنا في حائط بالمدينة، فأصبنا منه، فبلغنا ذلك، فأقبلت على ابن أختها تلومه؛ ثم وعظتني موعظةً بليغةً، ثم قالت: أما علمت أن الله ساقك حتى جعلك في بيت نبيه، ذهبت والله ميمونة، ورُمي بحبلك على غاربك! أما إنها كانت من أتقانا الله، وأوصِلنا للرحم[34]، وعن يزيد: أن ذا قرابة لميمونة دخل عليها، فوجدت منه ريح شراب، فقالت: لئن لم تخرج إلى المسلمين، فيجلدوك، لا تدخل علي أبدًا[35].

 

كذلك تأثرت المرأة بأدب الإسلام، وخرجت به عما احتكم بها في الجاهلية من عادة نافرة، وتقليد ذميم.

وكان من أول ما لقنت المرأة من أدب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم: الاعتصام بالصبر، إذا دجا الخطب، وجل المصاب.

 

وقد تقدم ذكر خبر الخنساء، وما ذهب به الدهر من حديث جزعها، وتصدع قلبها، واضطرام حشاها على أخيها، لقد استحال كل ذلك إلى صبرٍ أساغه الإيمان، وجمله التقى، فلم تأس على فائت من متاع الحياة الدنيا.

 

أولئك أبناؤها هم أشطار كبدها، ونياط قلبها، خرجوا إلى القادسية وكانوا أربعة، فكان مما أوصتهم به قولها: يا بني، إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، والله الذي لا إله إلا هو، إنكم لبنو رجل واحد، كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما هجنتُ حسبكم، وما غيرت نسبكم، واعلموا أن الدار الآخرة خير من الدار الفانية.

 

اصبروا، وصابروا، ورابطوا، واتقوا الله لعلكم تفلحون، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها، وجللت نارًا على أوراقها، فيمموا وطيسها[36]، وجالدوا رسيسها[37]، تظفروا بالغنم والكرامة، في دار الخلد والمقامة.

 

فلما كشرت الحرب عن نابها، تدافعوا إليها، وتواقعوا عليها، وكانوا عند ظن أمهم بهم، حتى قتلوا واحدًا في إثر واحد.

 

ولما وافتها النعاة بخبرهم، لم تزد على أن قالت: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم وأرجو من الله أن يجمعني بهم في مستقر الرحمة[38] [39].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بواسطة:عصام محمد الشريف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.