من زوجك مع التحية

شيءٌ عجيبٌ أن يتحوَّل الوردُ إلى أشواك حادَّة، وقطرات النَّدَى إلى جفاف وقسوة، تنهَّد “سالم” قائلاً:

إيه، كم كانتْ رقيقةً ونديةً وعذبةً الكلماتُ في أيامنا الأولى، الآن تبدو امرأةً أخرى متجبِّرة سليطة اللِّسان!

 

أفكِّر أحيانًا كثيرة أيهما أصدق؟ هي الآن بشخصيتها المستبدَّة الظالمة، أم شخصيتها الطيِّبة الودودة؟

 

أحتارُ واللهِ، وكثيرًا ما أفكِّر في الطلاق، فيُداهمني وجه “أنس” الطفولي البريء، وكلمات “هالة” الغالية.

 

هما فقط مَن أحمِل همهما، ابتسم وهو يسترجِع لحظات النكد، كيف كان يتَّقي كلماتها القاسية، بالصمتِ أو بمغادرة المنزل.

 

لَم يستطعْ أن يترك الوضْعَ على ما هو عليه، المنزل مِثل الجحيم بسوء تعاملها، فحمل القلم بيْن أنامله المرتعِشة، ومِن أعماق قلبه أخَذ يكتب لها رسالةَ عتاب:

إلى الوردة النديَّة، مِن سنوات وأنا أفكِّر بأن أكتب إليكِ، لعلَّ الحرف يوصل لك ما عجَز لساني عن التعبير عنه.

 

لا أدري حقيقةً كيف انقلبتِ الأمور رأسًا على عقب؟!

 

يجمعنا بيتٌ واحد، والقلوب كلٌّ في واد، هل هذا هو العالَم الوردي الذي وعدتني يومًا ما بأننا سنبْنيه معًا، لَبِنةً لبنةً بالحب والوفاء والتراحُم! عالَم غريب أمقُته كثيرًا لا صلة له بنا، قد فُرض علينا فرضًا.

 

وكأنَّكِ أخرى، لستِ المرأة التي كابدتُ الصعاب مِن أجلها، وأقسمتُ بالله أن أُسعِدها، أحاول أن أفْعَل فتفشل كلُّ المساعي.

 

كلماتك التي ترددينها صباحَ مساءَ: “لا فضل لك عليَّ”، “كلٌّ منا يعمل ويكِدُّ ويتعب”، تبًّا لذلك اليوم الذي وافقتُ فيه على أن تتابعي عملك، وأن نُساعد بعضنا بعضًا في أمور البيت، أي شيطان اخترَق قلبَك بسهمه المسموم فخوَّل لك أن ترْفعي صوتك عاليًا بمقولتك الغريبة:

” أنا وأنت سواء مضى زمنُ العبودية، هذا زمن المساواة”؟!

 

بتُّ أكره هذه الحضارةَ المتطفِّلة على عادتنا وتقاليدنا، لو تعلمين ماذا خَسرتِ بتحضُّرك هذا، لعدتِ سريعًا إلى عصر “العبودية” على حدِّ قولك؟ كم أفسدتكِ العولمةُ وحوَّلت حياتَنا إلى جحيم لا يطاق!

 

انظري، كم مِن الوقت مضى ولم نجلس معًا جِلسةَ ودٍّ وحنان ومحبَّة، كلما اقتربتُ وجدتُ منكِ إعراضًا وصدودًا وهجرًا، تتصيَّدين لي الأخطاء كي تُسمعينني تلك الأسطوانة الصَّدأة.

 

أفقدك فكرُك المتجبِّر أنوثَتكِ وجمالك، لا تظنِّي أنَّ الجمال فقط في المساحيق الملوَّنة، والكعب العالي، والترنُّم بكلمات عنِ الحضارة والتقدُّم.

 

لا وربي، ما زلتِ تحتاجين أن تتعلَّمي فنونَ الجمال، ولو أرهفتِ السمعَ إليَّ لكنت جميلةَ الجميلات.

 

حتى “أنس” الصَّغير تحرمينه الحنان، وعندما أعاتبك تقولين بثِقة عمياء:

“دعه، الدلال يُفسِد الأطفال”.

وهل يُصلِحهم الهجرُ والجفاء؟!

أصبحتُ أخشَى عليهما مِن أفكاركِ التي تزداد كل يوم سوءًا، ليتَكِ ظللت وردةً نديَّة مثلما أحببتُكِ، وبعيدًا عن أفكار الغرب التي دمَّرتْ بيوتنا وحياتنا، ستجدينني الزوجَ الوفي الذي يُضحِّي كثيرًا كي يُسعِدَك.

 

لو أمعنتِ النظرَ في أمورنا معًا لأدركتِ أنَّك خسرتِ الكثيرَ، اللهمَّ إلا راتبك الشَّهْري تأخذينه في أوَّل الشهر؛ كي تبعثرينه يمنةً ويسرةً.

 

لا موعدَ ثابِتًا لكِ، جولات الخِصام تتكرَّر ألف مرة في الشهر، حتى أصبحتُ أُشفق عليكِ منها.

 

بودِّي لو تجردتِ من تجبُّركِ للحظة، حتى ننعمَ معًا بالمرأة التي كادتْ تموت بداخلك، تجرعينني كأسَ النَّكد حتى الثُّمالة، فلم يعد شيء يربطني بالمنزل إلاَّ أحبابي الصِّغار، زمان كنت أتضوَّر شوقًا للعودة إلى العُشِّ الجميل، لم يعُدْ كذلك من سنوات، قضمت ورودَه سوسةُ الأفكار السوداء، وشوَّهت جنباته بضجيجِ الحضارة المتخلِّفة التي تجعل الإنسانَ كالثَّوْر في الساقية.

 

لا أُخفي عليك أمرًا، فكرت أكثرَ مِن مرَّة بأن أتزوَّج مرةً أخرى، بامرأة لا صِلة لها بالعمل “ربَّة منزل فقط” لن تتفاجَئي أبدًا بهذا الخبر، أكاد أجْزِم أنك فقدتِ الإحساسَ بالغَيرة، مع كلِّ الأشياء الجميلة التي تَفقدينها يومًا بعدَ يوم.

 

السعادة سيِّدتي الفاتِنة، هي في اقتفاء الهَدْي النبوي، لو أمعنتِ النظر مرةً واحدة في كُتب السيرة لأيقنتِ أنَّكِ شبه ميِّتة.

 

عُودي وردةً نديَّة تفوح بالمحبَّة والحنان، تُرضِي ربَّها بإسعاد زوجها وأطفالها.

 

أخيرًا أهمِس لكِ قائلاً:

ما زلتُ المتيَّم إنْ أرهفت السمعَ لنبضات النُّصح بيْن أحرفي هذه، وأرجو أن أرى تغييرًا ملموسًا في حياتنا معًا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بواسطة : حسنية تدركيت .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.