من أنفسكم أزواجا

سلسلة البيت المسلم

من أنفسكم أزواجا

الوقوف على معطيات النصوص كالوقوف على أسرار التجارِب العلمية، يكون له أثرٌ عظيم في الإفادة والانتفاع، وقد قال الله عز وجل في آية الروم ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا… ﴾ الآية.. فما مقتضى التعبير بقوله ﴿ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾؟

إن مقتضى قول ربنا ﴿ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ أن يعلم الناس أن سعادة الإنسان لا يجدها في غريب عنه، إنما يجدها في مخلوق من جلدته، أعضاؤه هي أعضاؤه، ومشاعره هي مشاعره لا اختلاف في شيء إلا شيئًا يزيده سعادة والتحامًا وأنسًا واقترابًا، لقد خلق الله – عز وجل – جنًّا وإنسًا، خلق الإنسان من طين، وخلق الجن من نار، فإذا قال ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ﴾ دل ذلك على أن الزوجة لا تكون من غير الجنس، أي لا تكون من الجن، وما يدعيه بعضُ الناس من زواجهم من الجن وسعادتهم مع الجنية وما ينسجون من قصص فمرده إلى التخيل والمعاناة النفسية، وليس المجال هنا يتسع للاستطراد في هذا الادعاء الذي نبتلى بسماعه بين الحين والحين.

 

فمن كبرى النعم -والله عز وجل ولي النعم- أن تكون الزوجة من نفس الزوج، كما أن من نعم الله العلي الكبير أن بعث فينا من أنفسنا أطهر وأنفس إنسان محمدًا -صلى الله عليه وسلم-قال تعالى: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ﴾ [آل عمران: 164].

 

لقد أكل النبي -صلى الله عليه وسلم-مع الناس وأكل الناس معه، وسافر معهم وأقام بينهم، وعرفوا آية الرضا والغضب في وجهه الشريف، وتزوج النساء، ووضع الطيب، وابتسم حتى بدت نواجذه، واغرورقت عيناه، وتواضع مع سمو مكانته ورفعة درجته،، وعظيم منزلته.

 

وفهم ذلك يؤدي إلى فهم الحياة الزوجية، فالزوجة يرضيها ما يرضي الزوج، ويغضبها ما يغضبه، وما يرضي ويغضب معروف غير مجهول فهي بشر مثله، تتلقى ما يتلقاه، يرضيها العيش الكريم كما يرضيه، وتغضبها الخسارة كما تغضبه، وهي تنعم في أيام الرخاء كما ينعم، وتشقى في أيام الشدة كما يشقى، فهو يعرف ما يرضيها وما يغضبها؛ لأنه يعرف ما يرضيه وما يغضبه، والمعرفة أساس النجاح وأول خطواته، فالمسافر الذي يعرف طريقه: مسافته وطبيعته، يستعد له وَفق هذه المعرفة، فهو يعد للسفر الطويل متاعه، ويحسب له حسابه، ويأخذ للسفر القصير ما يلزمه من قليل نافع ولو كان قاصدًا بيت أمه وأبيه.

 

أما إذا جهل الطريق، وانطلق على جهل به، تعب ولا يصح أن يطلق عليه اسم «مسافر»، وإنما يطلق عليه شيء آخر، إنه ليس مسافرًا وإنما هائم على وجهه، ومن هام على وجهه كان إلى الجنون أقرب منه إلى العقل، وإلى الضلال أقرب منه إلى الرشاد، ولن يصل إلى غاية، وإن وصل.

 

وكذلك الزواج، لا يحقق ثمرته وهدفه إلا بناء على تلك المعرفة، وما هي بعزيزة، وهناك معرفة ضارة غير نافعة وتحدث لكلا الزوجين.

 

فالزوج الذي يعرف أن المرأة مخلوق غريب، لا يرضيها شيء، وأنها ناقصة، وأن رأيها تافه، وعقلها في قلبها، يضحك عليها بكلمة، ويسلب منها بسببها كل شيء، يغره بذلك قول ماجن، لا يتقي الله تعالى في شيء، إنما يسعى إلى تعذيب نفسه وزوجه بتلك المعرفة الضارة، وإنما كانت ضارة لأنها مبنية على كذب.

 

ومن الرجال من يشبه المرأة بأسوأ صور التشبيه وهي معروفة، فيستخف بذلك نفسه لأنها من نفسه، وكذلك تعرف بعض النساء الرجل على أنه فاسد، ذو عين زائغة، لا تكفيه امرأة واحدة ولا تقنعه.

 

وفي التراث القديم طرف من ذلك، فقد روي أن رجلا قال لامرأة: لقد أخذتِ بمجامع قلبي، فلست أستحسن سواك؛ فقالت: إن لي أختًا هي أحسن مني، وها هي خلفي؛ فالتفت الرجل فقالت: يا كذاب، تدعي هوانا، وفيك فضل لسوانا [1].

 

وحدث يحيى بن أكتم المأمون أن كُثَيرًا اجتمع مع عزة فتنكرت له منتقبة، وقالت: من أنت؟ قال: كثير؛ فقالت:

وهل تركت عزة فيك نصيبًا لغيرها؟

فقال: لو أن عزة كانت أمة لجعلتها لك؛ فكشفت البرقع وقالت: أهذا أيضًا كذب؟ فاستحيا، فقال المأمون: لقد استحييت له وأنا على سريري [2].

 

وأظن أن مثل هذه الروايات منسوجة مخترعة من أجل محاباة وإضحاك زعماء، وسوق نوادر، وكم للقصاصين من وضع واختلاق، ومثل هذه القصص متسامح فيها حتى في الروايات الضعيفة من الأحاديث، وبناء على ذلك نقول: إن مثل هذه الروايات أشبه بقول من زعمت إن من أمنت الرجال كانت كمن أمنت الغربال، وهو مثل شائع يبين أنه لا أمان لرجل، ويقابل ذلك قول القائل: لا أمان لامرأة وإن طالت عشرتها.

 

وخلاصة القول في ذلك أن للنفس اعتبارًا في تصحيح المفاهيم؛ فمن سلب الأمان من زوجته فقد سلب الأمان من نفسه، ومن سلبت الأمان من زوجها فقد سلبته من نفسها، ومن سلب شيئا من نفسه فلن يعطيه أحدًا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بواسطة : الدكتور/ مبروك عطية  .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.