مكانة الزوج

ومن آيات الزواج التي يستهدي بها الواقع أن تجد للزوج مكانة عند زوجته؛ من أبلغ ما جاء فيها ما ذكره السهيلي في الروض الأنف عند تناوله غزوة أحد التي أصيب فيها المسلمون بالقرح، واستشهد فيها من الصحب الأخيار والرجال الأبرار حمزةُ بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخوه في الرضاعة، وهو سيد الشهداء، ومصعب بن عمير القارئ، الذي كان أشبه الناس برسول الله –صلى الله عليه وسلم- وعبد الله بن جحش المجدّع في الله –رضي الله عنهم أجمعين وعن سائر الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
وكان هؤلاء الثلاثة ذوي صلة بامرأة هي حمنة بنت جحش، فحمزة –رضي الله عنه– كان خالها، وعبد الله بن جحش –رضي الله عنه– كان أخاها، وأما مصعب بن عمير –رضي الله عنه– فكان زوجها، قال ابن إسحق كما جاء في الروض[1]: ثم انصرف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- راجعًا إلى المدينة، فلقِيَتْه حمنة بنت جحش، فلما لقيت الناس نُعي إليها أخوها عبد الله بن جحش فاسترجعت واستغفرت له، ثم نُعي لها خالها حمزة بن عبد المطلب؛ فاسترجعت واستغفرت له، ثم نُعي لها زوجها مصعب بن عمير؛ فصاحت وولولت؛ فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم– : (إن زوج المرأة منها لَبِمكان) لما رأى منها من تثبت عند أخيها وخالها، وصياح على زوجها.
ومعنى ذلك أنه عندما قيل لها: مات أخوك عبد الله بن جحش قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم اغفر له، ولما قيل لها: مات خالك حمزة بن عبد المطلب قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم اغفر له، فلما قيل لها: مات زوجك مصعب بن عمير صاحت وولولت، ومن ثم ظهرت مكانته عندها.
ولا شك أن الأخ غال، وأنّ الخال غال، فالخال والد كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لكن الزوج أغلى.
وفي هذا السياق ينبغي أن نقف مليا عند الزوج ذي المكانة، فهو مصعب بن عمير، الذي قال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((ما رأيت رجلاً بمكة أحسن لِمَّة ولا أرق حلة، ولا أنعم نعمة من مصعب بن عمير))[2].
فهذا رجل من أوائل المسلمين، ولنا أن نقف عند وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- إياه، فقد كان رجلاً جميل الشعر والهيئة، وكان ذا نعمة ناعمة، وهاجر رضي الله عنه إلى الحبشة، وكان يسمى بالمدينة المقرئ، وهو أول من جمع الجمعة بالمدينة، وأسلم على يديه أسيد بن حضير وسعد بن معاذ وكفى بذلك فخرًا وأثرًا في الإسلام[3].
أقول ذلك وما زال في أذني قول شاكية: إن زوجي لا يغتسل حتى من الجنابة، ولا يستبرئ من بوله، ولا يضع طيبًا إلا إذا خرج للقاء امرأة في الحرام، فكيف تكون له مكانة عند زوجته!
إن الأصل الأصيل أن يكون للزوج مكانة عند زوجته وتلك المكانة آية من آيات الله، والآية من الآيات يجب صونها؛ ألا ترى أن الرجل الذي لا يحسن تلاوة القرآن يخطئ في ضبط الآية فضلا عن التحريف، فالخطأ والتحريف من القارئ، ولا خطأ ولا تحريف في الآية.
وكما يجب إصلاح اللسان حتى لا يحدث لحن في القرآن، يجب كذلك إصلاح ذات البين خصوصًا بين الأزواج؛ لأن الزواج آية من آيات الله، وإصلاح الحال بين الزوجين يجعلنا جميعا نتفيأ ظلال تلك الحياة، فالخير ينطلق من الأسرة إلى الدنيا جميعًا، وفرق كبير بين أن ترى الرجل أو المرأة ينطلق في الحياة على سعادة وراحة بال، وبين أن ترى أحدهما أو كليهما منطلقا وفي حلقه غصة، وفي قلبه أسى.
نعم علينا أن نستثمر المواقف الطيبة التي وردت فيها العبارات الأصيلة لنستفيد منها، وكما قلت إن مصعب بن عمير كان رجلا جميلا، ولا شك أنه كان زوجًا أجمل، ومن ثم صاحت المرأة حمنة بنت جحش عندما نعي لها، وعرفت أنه قد مات.
وقد ثبت أن أم المؤمنين أم سلمة -رضي الله عنها- حين بلغتها كلمات تقال عند المصيبة، وهي ((اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها)) قالت في نفسها: ومَنْ خير مِنْ أبي سلمة؟ فلما قالتها -وهي على يقين سبق ظنها، وغلب على احتمالها- كان لها من هو خير من أبي سلمة ومن الرجال جميعًا، فقد تزوجت رسول الله –صلى الله عليه وسلم!
لكني أقف عند قولها ((ومن خير من أبي سلمة)) وقد هاجرت معه إلى الحبشة، وهاجرت وراءه إلى المدينة، ورب كلمة واحدة هي خير من كتاب، وتلكم الكلمة هي ((خير))، فإذا تحققت الخيرية في زوج كانت له عند زوجته مكانة وكذلك الزوجة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بواسطة : د/ مبروك عطية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.