مشكلات زوجي أبعدته عنا

السؤال
♦ الملخص:

امرأة متزوجة تعرَّض زوجُها لمشكلات كبيرة في عمله جعلتْه يخسر معظم أمواله، وقد تولَّت هي نفقة البيت، وزوجها الآن يريد أن يهجُرها لعدم رغبته فيها، وكذلك لم تعد لديه رغبة في تربية الأولاد، بسبب يأسه من الحياة، وتسأل عن حلٍّ.

 

♦ التفاصيل:

السلام عليكم، أريد طرح مشكلتي التي تخص شخصًا قريبًا مني، في عائلة مكوَّنة من أب وأم وثلاثة أبناء، مدة الزواج اثنان وعشرون سنة، والأب يعمل تاجرًا، والأم أستاذة في التعليم الثانوي، الأبناء وضعهم الدراسي جيد؛ الأكبر يدرس هندسة، والأصغر في الابتدائي، مشكلتهم أن الأب منذ أكثر من عشر سنوات، وهو في أزمة مالية بسبب تجارته، حاول أن يستعيدها غير مرة، لكنه فشِل في النهوض، وفي المقابل تقوم الأم تقريبًا بكل المهام من مصروف وملبس ودراسة.

اشترت بيتًا وسيارة من مالها، وعلاقتها مع زوجها متوترة دائمًا، ومؤخرًا صارحها أنه قد يَئِسَ من الحياة، ولم تعد لديه الرغبة فيها، ولم تعد لديه رغبة في تربية أولاده؛ بسبب الضغوطات والديون المتراكمة عليه، ويريد مهاجرة فراشها والعيش كالإخوة – على حسب تعبيره – ومع ذلك يدخل ويخرج من البيت، وكأنه لم يقل شيئًا، فهل اليائس من الحياة يهنأ في نومه؟ هل مَن في وضعيته – وقد قلتُ إنها هي مَن تتكفل بـ90% من الحياة الزوجية – له الحق أن يقول لها هذا الكلام الجارح؟ أتمنى أن تأخذوا بعين الاعتبار استشارتي، وتجيبوني سريعًا؛ لأن حالة المرأة منهارة تمامًا جراء هذا الكلام.

الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في الأولين والآخرين؛ أما بعد:

أختي الغالية (الزوجة)، مرت رحلة حياتكِ بين علوٍّ وانخفاض، بين رغد واحتياج، وها قد قضيتِ اثنين وعشرين عامًا زوجة لهذا الرجل، وأنتِ راضية بما كان منه من كسب وراحة، ثم واصلتِ الرضا وكنتِ من بنات الأصول، وصبرتِ على خسائره المادية، وتحملتِ عبء الحياة وتربية الأولاد ومصروفات البيت نتيجة لخسائر زوجكِ المتلاحقة.

 

أنتِ صنعتِ صنيعًا جميلًا، أسأل الله أن يَجزيَكِ خير الجزاء، ويجعل تعليم أولادكِ وإنفاقكِ في ميزان حسناتكِ، ويعوضكِ خيرًا بالدنيا والآخرة.

 

في مثل حالتكِ هذه ترنو المرأة إلى كلمة شكر وعرفان من زوجها الذي لم تبخل عليه بمال أو عمر، وردت له جميل معشره في أيام الرخاء بأن تحملت نفقة البيت والأولاد كاملة على مدار عشر سنوات عندما خسر تجارته، ولم تعد لسابق عهدها، لكن للأسف وجدتِ منه إحباطًا وفتورًا، وهذا على عكس ما كانت ترغبه نفسكِ؛ لذلك تشعرين بالألم، ولا تصدقين ادعاءه بأنه محبط ويائس، خاصة أنه يمارس حياته بين عمل وأهل بشكل طبيعي، فلماذا يجمع يأسه وإحباطه ويوجهه لكِ أنتِ؟ هذا هو ما سبَّب حزازة الألم عندكِ.

 

على الرغم من قسوة تصرفه إلا أنه دلَّ على حبه لكِ، وأنكِ الوحيدة التي يستطيع أن يكشف مكنون صدره أمامها، ما استطاع أن يقول للجميع: أنا ضعفت وانكسرت، بل خصكِ بها وحدكِ، أكملي جميلكِ، وواصلي رحلة الرضا، واطلبي العوض من الله وحده، ستجدين رحمة الله تحوطكِ من كل جانب، وستجدين رسائل الفرح تصلكِ من السماء، وليس منه ولا من غيره، سلي الله عز وجل أن يؤنس قلبك به هو، وألِحِّي على الله أن يقلب قلب زوجكِ إليكِ، ويصلح بينكما بعلمه؛ إنه هو العليم الخبير.

 

سؤالك: هل من في وضعيته وأنا من تتكفل بـ90% من الحياة الزوجية له الحق أن يقول لها هذا الكلام الجارح؟

 

هو سبب معاناتكِ، أنت ترين فعلكِ عظيم – وهو حقًّا عظيم – تسرب لنفسك أنه مهما فعل لن يوفيَكِ حقكِ، وللأسف هو علم ذلك جيدًا، سواء وعى ذلك أو لا؛ فقرر الانسحاب من هذا العبء، فهو لا يملك من المال ما يرد لكِ به الجميل، وكذلك هو في فترة من عمره فقد فيها القدرة على التدليل والحُنو عليكِ، فلم يجد مخرجًا يرد لكِ به جميلكِ سوى الانسحاب في هدوء؛ بأن قال لكِ: لنعش كإخوة!

 

أنا أقدر حجم الخطأ الذي وقع فيه، وأقدر حجم الجرح الذي سبَّبه لكِ، وأعلم أن أي ضغط عليكِ سيسبب لكِ ألَمًا مضاعفًا، لكن ماذا علينا أن نفعل إذا كان الله جعل الأولاد أغلى من الروح، وجعل المرأة المأوى والسكن؟

 

علينا أن نتحلى بمزيد من التعقل، واسمحي لي أن أطلب منكِ بعض الخطوات التي أتوقع فيها صلاح حالكم بإذن الله:

1- لا تذكري جميل فعلكِ له كثيرًا، ولا تجعليه موضع القصص والسوالف مع أولادكِ، روضي نفسكِ على أنكِ فعلتِ لله، وانتظار الجزاء من الله وحده.

 

2- أحدثي تغييرًا في مظهركِ، واهتمي بصحتكِ ومظهركِ، ولا مانع من ممارسة الرياضة أو أي هواية تُحدِث لكِ شيئًا من التفريغ النفسي.

 

3- كوِّني صحبة صالحة تتبادلون الاهتمام؛ فلا تقتصر حياتكِ على كلمة منه هو بالأساس عاجز عنها.

 

4- اخرُجي معه، بأبسط التكاليف، وكوني واعية لما ستتحدثون فيه، ويكون بعيدًا عن جميع الضغوط الحياتية؛ فهذا وقت لتفريغ الهم، وليس لاستجلاب الهموم.

 

5- اجلسي معه جلسة مصارحة بعيدة عن التأنيب والعتاب، بل لاستكشاف نفسه وما يحيطها مما قد يخفيه عنكِ، فربما يمر بمرحلة ضعف سببت بعده عنكِ، فالله خلق الطب والدواء.

 

6- استخدمي حدس الأنثى، وتكشَّفي جوانب حياته كلها، ربما دخلت امرأةٌ حياتَه من أي نافذة، ولو حدث ذلك – لا قدر الله – فلا تواجهيه ولا تخبريه، بل افعلي ما سبق ذكره بدقة، محتسبة الأجر، حريصة على قوام بيتكِ واستقراركِ، وبإذن الله سيرده الله لكِ ردًّا جميلًا.

 

أعلم أن كلامي فيه إثقال عليكِ، وأعلم أنكِ ترددين: ولماذا هو يلهو ويرفض، وأنا أحتال وأستقطب؟ لكن لا حيلة أختي الغالية غير ذلك، وفي النهاية لا بد للإنسان من نافذة بلاء، فاحمدي الله أن جعل بلاءكِ في مال، أو حتى زوج، وليس في دين، ولا صحة، ولا ولد.

 

والله أرحم بنا من أنفسنا وكل قضائه خير، أسأل الله أن يوفقكِ للخير، ويملأ بيوتكم وقلوبكم سعادة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بواسطة : أ\ منى مصطفى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.