مشروعية الزواج وفوائده

(مشروعية الزواج وفوائده)

 

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على النبيِّ الأمين، نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أمَّا بعدُ:

فإنَّ لعقد الزواج في الشَّريعة الإسلاميَّة أهميَّةً بالغة، وقد ورد في القُرآن الكريم والسُّنَّة النبويَّة المطهَّرة الكثير من الآيات والأحاديث في مشروعيَّة الزواج وبَيان أحكامه، واعتنى الفُقَهاء بذلك في مُصنَّفاتهم أيما عناية، فقد خصَّصُوا للنِّكاح وأحكامه مَكانًا رَحْبًا، فصلوا فيه أحكامه، وأوضحوا مَقاصِدَه وآثاره.

 

وفي هذه الحلقة أعرضُ لك أخي المستمِع وأختي المستمِعة نبذةً حول مشروعيَّة الزواج وفوائده، مستعينًا بالله تعالى، فالنكاح مشروعٌ بدَلالة الكتاب والسُّنَّة والإجماع؛ قال الله تعالى: ﴿ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ﴾ [النساء: 3].

 

ولما ورد ذِكر النساء التي يحرُم التزوُّج منهنَّ في سورة النساء؛ قال الله تعالى بعد ذلك: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ﴾ [النساء: 24]، والنِّكاح من سُنَنِ المرسلين؛ قال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً ﴾ [الرعد: 38]، وتزوَّج النبيُّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – وذكر أنَّ الزواج من سنَّته؛ فعن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال: جاء ثلاثةُ رهطٍ إلى بيوت أزواجِ النبيِّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – يسألون عن عِبادة النبيِّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – فلمَّا أُخبِروا كأنَّهم تَقالُّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – قد غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر؟! فقال أحدهم: أمَّا أنا فإنِّي أُصلِّي الليل أبدًا، وقال آخَر: أنا أصومُ الدهر ولا أفطر، وقال آخَر: أنا أعتزلُ النساء فلا أتزوَّج أبدًا، فجاء رسولُ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – إليهم، فقال: ((أنتم الذين قُلتم كذا وكذا؟! أمَا والله إنِّي لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكنِّي أصومُ وأُفطر، وأُصلِّي وأرقُد، وأتزوَّج النساء، فمَن رغب عن سنَّتي فليس منِّي))؛ أخرجه البخاري ومسلم.

 

وقد حَثَّ النبيُّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – على الزواج ورغَّب فيه؛ فقال: ((يا مَعْشَرَ الشباب، مَن استطاع الباءة فليتزوَّج؛ فإنَّه أغضُّ للبصَر وأحصَنُ للفَرْجِ، ومَن لم يستطعْ فعليه بالصوم؛ فإنَّه له وجاء))؛ أخرجه البخاري ومسلم.

 

وقال – عليه الصلاة والسلام -: ((تزوَّجوا; فإنِّي مُكاثرٌ بكم الأمم يوم القيامة)).

 

وأجمعت الأمَّة على مشروعيَّة النكاح.

 

ومن رحمة الله تعالى ولُطفه بعِباده أنْ شرَع لهم النِّكاح؛ لما فيه من الحكم والفَوائد العظيمة، ومن تلكم الفوائد:

1- حفظ كلٍّ من الزَّوجَيْن وصِيانته، وإعفاف الفُروج وإحصانها وصِيانتها من الاستِمتاع المحرَّم الذي يفسد المجتمعات البشريَّة، ويهدمُ أخلاقها ويذهب مُروءتها؛ ففي الحديث السابق ذكره: ((يا مَعْشَرَ الشباب، مَن استطاع الباءة فليتزوَّج؛ فإنَّه أغضُّ للبصَر وأحصَنُ للفَرْجِ، ومَن لم يستطعْ فعليه بالصوم؛ فإنَّه له وجاء))؛ أخرجه البخاري ومسلم.

 

ومعلومٌ أنَّ غريزة الشَّهوة والميل إلى الجِنس الآخَر أمرٌ فطري، جبل عليه البشَر، ولو لم يشرع الله تعالى النِّكاح لتصريف هذه الغريزة لكان في ذلك عنتٌ ومشقَّة على العِباد.

 

2- استمتاع كلٍّ من الزوجين بالآخَر، وانتفاعه بما يجبُ له من حُقوقٍ وعِشرة؛ فالرجل يكفل المرأة، ويقوم بنفقاتها من طَعامٍ وشَراب، ومسكن ولباس بالمعروف؛ قال تعالى: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾ [النساء: 34]، وقال النبيُّ – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ولهنَّ عليكُم رزقهنَّ وكسوتهنَّ بالمعروف))؛ رواه مسلم وغيره.

 

والمرأة تكفُل الرجل أيضًا بالقيام بما يلزمها في البيت من رعاية وإصلاح وتعاهُد للأولاد وحفظ لمال زوجها؛ قال النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((والمرأة راعيةٌ على بيتِ بعلها وولدِه وهي مسؤولةٌ عنهم))؛ مسلم.

 

3- حُصول السَّكن والأنس والراحة النفسيَّة بين الزوجين؛ قال تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾ [الروم: 21]، وقال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ﴾ [الأعراف: 189]، قال ابن كثير: “أي: ليألفها ويسكن بها”.

 

4- إحكام الصِّلة بين الأُسَرِ والقَبائل، فكم من أُسرتين مُتَباعدتين لا تعرفُ إحداهما الأخرى، وبالزواج يحصل التقارُب والتعارُف والاتِّصال بينهما؛ ولذا جعَل الله الصِّهر قسيمًا للنسب؛ قال – سبحانه وتعالى -: ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا ﴾ [الفرقان: 54].

 

5- بَقاء النوع الإنساني على وجهٍ سليم، والترفُّع ببني الإنسان عن الحياة البهيميَّة إلى الحياة الإنسانيَّة الكريمة، فإنَّ النكاح سببٌ للنسل الذي يحصلُ به بَقاء الإنسان؛ قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ﴾ [النساء: 1]، ولولا النِّكاحُ للزم أحد أمرين: إمَّا فناء الإنسان، أو وُجود إنسان ناشئ من سِفَاحٍ لا يُعرَف له أصلٌ ولا يقومُ على أخلاق.

 

6- تحصيل الأولاد الذين هم زِينة الحياة الدنيا؛ قال تعالى: ﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ [الكهف: 46]، وفي نعمة الولد مَصالح كثيرة للوالدين؛ إذ بهم تتمُّ السَّعادة الدنيويَّة، ويستعينُ بهم الوالدان في حاجاتهما، ويستفيدان من دُعائهما من بعدهما؛ قال – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إذا مات الإنسان انقَطَعَ عنه عمَلُه إلا من ثلاثةٍ: إلا من صدقةٍ جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له))؛ مسلم.

 

7- تكثير عدد المسلمين وتقويتهم، وهو مقصدٌ شرعي جاءت السُّنَّة بالتأكيد عليه؛ فعن معقل بن يَسار قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – فقال: إنِّي أصبتُ امرأةً ذات حسَب وجمال وإنها لا تلدُ، أفأتزوَّجها؟ قال: ((لا))، ثم أتاه الثانية فنهاه، ثم أتاه الثالثة فقال: ((تزوَّجُوا الودود الولود؛ فإنِّي مكاثرٌ بكم الأمم))؛ رواه أبو داود.

 

وإليكُم أخي المستمِع وأختي المستمِعة ما أورَدَه الإمام ابن القيِّم – رحمه الله تعالى – في بَيان بعض حِكَمِ النكاح وفوائده في معرض مُناقشته لمسألة تفضيل النكاح والانشِغال به على نوافل العبادات؛ قال – رحمه الله تعالى -: “استُدِلَّ على تفضيل النكاح على التخلِّي لنوافل العبادة بأنَّ الله – عزَّ وجلَّ – اختارَ النكاح لأنبِيائه ورسُلِه، واقتطع من زمن كليمه – يعني: موسى، عليه السلام – عشر سنين في رعاية الغنم مهر الزوجة، ومعلومٌ مِقدار هذه السنين العشر في نوافل العبادات، واختار لنبيِّه محمد – صلَّى الله عليه وسلَّم – أفضل الأشياء فلم يحبَّ له ترك النكاح، بل زوَّجَه بتسعٍ، ولا هدي فوق هديِه…

 

ثم قال – رحمه الله تعالى -: ولو لم يكن فيه إلا سُرور النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – يوم المباهاة بأمَّته، ولو لم يكن فيه إلا أنَّه بصدد أنَّه لا ينقطع عملُه بموته، ولو لم يكن فيه إلا أنَّه يخرُج من صلبه مَن يشهدُ لله بالوحدانيَّة ولرسوله بالرسالة، ولو لم يكن فيه إلا غض بصره وإحصان فَرْجِه عن التِفاتِه إلى ما حرَّم الله تعالى، ولو لم يكن فيه إلا تحصين امرأةٍ يعفُّها الله به ويثيبه على قَضاء وطَرِه ووطَرِها، فهو في لذَّاته وصحائف حسناته تتزايَدُ، ولو لم يكن فيه إلا ما يُثاب عليه من نفقته على امرأته وكسوتها ومَسكَنها ورفع اللقمة إلى فيها، ولو لم يكن فيه إلا تكثير الإسلام وأهله وغيظ أعداء الإسلام، ولو لم يكن فيه إلا تعرُّضُه لبنات إذا صبَر عليهن وأحسن إليهن كُنَّ له سترًا من النار، ولو لم يكن فيه إلا أنَّه إذا قدَّم له فرطين لم يبلغا الحنث أدخَلَه الله بهما الجنَّة، ولو لم يكن فيه إلا استجلابه عون الله له، وذكر قوله – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ثلاثةٌ حَقٌّ على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمُكاتب الذي يريدُ الأداء، والناكح الذي يريد العَفاف))؛ أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن، انتهى كلامه رحمه الله تعالى”.

 

فنحمد الله تعالى على نعمته وتيسيره لعباده، ونشكُره – جلَّ وعلا – أنْ جعَلَنا مسلمين، ونسأله تعالى بمنِّه وكرَمِه أنْ يُحيينا مسلمين، وأنْ يتوفَّانا مسلمين، وأنْ يُفقِّهنا في الدِّين.

 

والحمد لله ربِّ العالمين، والسَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

من المراجع:

• “الملخص الفقهي”.

• “بدائع الفوائد”؛ لابن القيم.

•”أصول الحياة الزوجية” القسم العلمي في موقع المنبر (ملف إلكتروني من موقع صيد الفوائد).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بواسطة : الشيخ الدكتور عبدالمجيد بن عبدالعزيز الدهيشي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.