مساحة ود

ذُكرت كلمة “مودة” في القرآن في ثمانية مواضع، والله عز وجل سمى نفسه “الودود”؛ أي: هو الذي يود عباده الصالحين ويحبهم.

 

إنها صفة حظيت بمكانة عالية في السنة النبوية؛ فقد نصت عليها أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم مرارًا، ووصى بها صلى الله عليه وسلم لتكون للمسلمين عونًا، تلطف أحاديثهم، وتوثِّق العُرى بينهم حتى تكون أوثق من ذي قبل؛ فعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى))؛ رواه البخاري.

 

فالوُدُّ الذي ذُكر في الحديث آنفًا هو الذي يحفظ علاقاتك مع إخوانك وأخواتك، ويجعلك تحترم ما كان بينكم من ذكريات حسنة، ويجعل البر نهرًا يجري بينكم.

 

وهو من صفات الأحرار؛ قال الشافعي رحمه الله: “الحر من راعى وداد لحظة، وانتمى لمن أفاده لفظة”.

 

والود من الصفات الفطرية التي جُبل عليها الإنسان؛ فطبيعة الإنسان أن يحفظ وده حتى مع أشيائه الخاصة؛ كساعته، وسيارته، وحتى أدوات زينته، وتكون غالية عليه فلا يفرط فيها، وأحيانًا لا يستبدلها ويرضى بها طويلًا، حتى لو مر عليها وقت طويل، ولو أنه أهداها فلا يهديها إلا لمن يمتلك معه ودًّا؛ كان محمد بن واسع رحمه الله يقول: “لا يبلغ العبد مقام الإحسان حتى يحسن إلى كل من صحبه ولو لساعة، وكان إذا باع شاة، يوصي بها المشتري ويقول: قد كان لها معنا صحبة”.

 

وهو من آيات الله سبحانه وتعالى، فقد وضعه بين الأزواج كفضيلة أساسية يقوم عليها البيت الصالح؛ قال الله عز وجل في محكم كتابه العظيم: ﴿ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الروم: 21]، وذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم كصفة جوهرية في صفات المرأة، التي ينبغي للمرء أن يطلبها للزواج، وإقامة البيت الصالح؛ فقال: ((تزوجوا الودود الولود؛ فإني مكاثر بكم الأمم)).

 

وقد حفظ النبي صلى الله عليه وسلم وده للسيدة خديجة رضى الله عنها حتى بعد وفاتها؛ فعن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: ((ما غِرتُ على أحدٍ من نساء النبي صلى الله عليه وسلم، ما غرت على خديجة رضي الله عنها، وما رأيتها قط، ولكن كان يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت له: كأن لم يكن في الدنيا إلا خديجة، فيقول: إنها كانت، وكانت، وكان لي منها ولدٌ))؛ متفقٌ عليه.

 

والود هو مدارة الحديث، وخفض الجناح للناس، ولين القول والبشاشة، وحسن الخلق.

 

ومن تودده صلى الله عليه وسلم أنه كان يمر بالصبيان فيسلم عليهم، ومن تودده أيضًا صلى الله عليه وسلم لأصحابه أنه كان يأتي ضعفاء المسلمين، ويزورهم ويعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم.

 

وأخيرًا، الود من الصفات التي ما من ترجمة لعالم من علماء المسلمين التي قامت عليهم الحضارة؛ من أمثال: ابن القيم الجوزية، وابن مالك إمام العربية، والقاضي علاء الدين أبو الحسن علي التَّنوخي، وغيرهم من أعلام هذه الأمة، إلا وستجد صفة أساسية من صفاتهم أنهم كانوا كثيري التودد.

 

جعلنا الله وإياكم من أهل هذه الآية: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ﴾ [مريم: 96].

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بواسطة : آية عاطف عويس .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.