ما الحب إلا للحبيب الأول.. وكذلك المقبل

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم.

 

ما الحبُّ إلا للحبيبِ الأولِ.. وكذلك المُقبلِ

لا ننسى الحبيب الأوَّل ودائمًا نذكره، وإنْ تقدَّم بنا العمرُ ومرَّت بنا السنون والسنون؛ لأنَّ قلوبَنا لم تَذُقْ طعمَ الحب إلا عندما قابلت ذاك الحبيبَ الأوَّل.

 

قبل الحبيب الأوَّل كنَّا نسمَع عن الحب ونُشاهِدُه نظريًّا لا عمليًّا، فلمَّا قابَلنا الحبيبَ الأوَّل تغَلغلَ ذلك الشعورُ الغريب العجيب بداخِلنا، فغمَر قلوبنا أجمل وأسمى الأحاسيس.. “الحب”.

 

فعرفنا كيف يكونُ الحب.

 

عرفه القلب بنبضاته، والبالُ بأفكاره وخطراتِه، والجوارح برجفاتِها، والعينُ بنظراتِها وعَبراتِها.. فكيف ننسى الحبيب الأول؟!

 

ولذلك قال الشاعر أبو تمام:

نَقِّلْ فُؤَادَكَ حَيْثُ شِئْتَ فلن ترى            مَا الْحُبُّ إِلاَّ لِلْحَبِيبِ الْأَوَّلِ
كَمْ مَنْزِلٍ فِي الْأَرْضِ يَأْلَفُهُ الْفَتَى            وَحَنِينُهُ أَبْدًا لِأَوَّلِ مَنْزِلِ

لكن ماذا إذا جاءَتْ رِياحُ الفراق وعَصَفَتْ بنا وفرَّقتنا عن الحبيبِ الأولِ؟ أيعني هذا أنَّ ربيعَ الحبِّ قد انتَهَى، ولن يأتي على أرضِنا؟

 

كلاَّ؛ فقد يَأتي “الحبيب المُقبِل” في آخِر العمر أو مُنتصفه لا في بدايتِه؛ فالحبيب المُقبِل كالثمرة، والثمرة لا تأتي في بِداية الزرع.

 

بل تجد أنَّ النَّبتَة تكون في بِدايتها رقيقةً صغيرة، تُساعِدُها الأرضُ بنموِّها والماء في رَيِّ عطشها.

 

ويأتي عليها الصيف والخريفُ والشتاء، وتمرُّ بها أيَّامُ المِحَنِ والعَواصِف والجَفاف، إلى أنْ تَكبر شيئًا فشيئًا وتَقوى.. حتى إذا قَدِمَ الربيع جاءت الثمرة.

 

وكذلك يُثمِرُ القلبُ بالحب، فالحبيب المُقبِل كالثمرة، تأتي في الأخير وتَعيشُ مُدلَّلةً في الربيع، في ربيع القلبِ وفي وَسَطِه، ويكونُ حالُ الحبيبِ المُقبِل كما قالَ الشاعر:

 

مَنْ لِي بِمِثْلِ سَيْرِكَ الْمُدَلَّلِ                تَمْشِي رُوَيْدًا وَتَجِي فِي الْأَوَّلِ

 

 

يقول الشاعر “ديك الجن” ردًّا على أبيات “أبي تمام” التي ذكرتُها في بداية الموضوع:

 

كَذَبَ الَّذِينَ تَحَدَّثُوا فِي الْهَوَى      مَا الْحُبُّ إِلاَّ لِلْحَبِيبِ الْأَوَّلِ
مَا لِي أَحِنُّ إِلَى خَرَابٍ مُقْفِرٍ        دَرَسَتْ مَعَالِمُهُ كَأَنْ لَمْ يُؤْهَلِ

دَرَسَتْ: انمحت واختفت.

 

شبَّهَ الحبيب الأوَّل بالأرض الخربة التي انمحت آثارها، حتى كأنها لم تكُن مَأهولة من قبل، فكيف يحنُّ الإنسان ويَشتاق إلى الخَرابة؟!

 

ارْغَبْ عَنِ الْحُبِّ الْقَدِيمِ الْأَوَّلِ               وَعَلَيْكَ بِالْمُسْتَأْنَفِ الْمُسْتَقْبَلِ
نَقِّلْ فُؤَادَكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ الْهَوَى          كَهَوًى جَدِيدٍ أَوْ كَوَصْلٍ مُقْبِلِ

 

 

هذا رأي وفِكر “ديك الجن”، ويُوافقهُ شاعرٌ آخر.. يقول:

 

افْخَرْ بِآخِرِ مَنْ كَلِفْتَ بِحُبِّهِ                             لاَ خَيْرَ فِي الْحَبِيبِ الْأَوَّلِ
أتَشُكُّ فِي أَنَّ النَّبِيَّ مُحَمَّدًا                         سَادَ الْبَرِيَّةَ وَهْوَ آخِرُ مُرْسَلِ

 

 

 

وكلامُ هذا الشاعر مَردودٌ عليه؛ صحيحٌ أنَّ حبيبَنا محمدًا – عليه الصلاةُ والسلامُ – هو سيِّدُ البشريَّة، لكن كيفَ نُنْكِرُ فضلَ باقِي الأنبياء قبله – عليهم جميعًا أفضلُ الصلاةُ والسلامُ – ونَنفِي الخيرَ عنهم، فكيف نُنكِر خيرَ الحبيبِ الأوَّل؟! ومَن قالَ: إنَّنا يجب أنْ نَنْسَى الحبيبَ الأوَّل إذا أحببنا بعدَه؟!

 

كلا، لا نَنساه، ولكن قد نُحِبُّ غيرَه مع بَقاء حُبِّه في قلوبنا، وليس هناك أيُّ تَناقُضٍ أو تَعارُضٍ في هذا الأمر.

 

فهذا حبيبُنا – عليه الصلاة والسلام – كان أحب الناس إليه أمنا عائِشة – رضِي الله عنْها – لكن مَنْ قالَ: إنَّه نَسِيَ حبَّه الأوَّل، حب أمِّنا خديجة – رضِي الله عنْها – فما زالَ حبُّها في قلبه حتى بعدَ موتها بسنين.

 

وهذه الأمُّ تُحِبُّ مولودَها الصغير، لكن هل زالَ حبُّها لابنها الكبير؟!

 

ففكري ومنهجي في الحب “مع الحبيب الأولِ والمُقبلِ معًا” لا مع أحدِهما ضد الآخر؛ فالحبُّ الحقيقيُّ يَبقَى في القلب ولا يَزول وإنْ طالَ الدهرُ أو قصر.

 

إنِّي هُنا أتكلَّم عن الحب الحقيقي، أمَّا إذا خانَنا مَنْ نُحِبُّ فلا أقول: إنَّ الحبَّ يَزولُ من القلبِ فحسب، بل إنِّ حُبَّهُ يتحوَّلُ بُغضًا وكراهية.

 

كيف لا، وقد كانَ توءمَ الرُّوح، أمَّا الآن فقد كَسَرَ الروح، فالخائن والكاذب في حبِّه لا نعده أصلاً في خانَةِ الأحبَّة، بل جزاؤه أن نُديرَ له ظهورنا، ونُكمِلَ المَسيرَ في حياتنا.

 

فهذا الشاعر الأندلسي “ابن زيدون” كان يُحبُّ “ولاَّدَة بنت المُسْتَكفي”، وقد كتبَ فيها قصيدةً تُعدُّ مِنْ أجمل قصائد الشعرِ العربي، وهي قصيدة “أضحى التَّنائي”[1]،

لكن عندما خانَتْه “ولاَّدة” وعيَّرَه الناسُ بذلِك قال:

 

عَيَّرْتُمُونَا بِأَنْ قَدْ صَارَ يَخْلُفُنَا           فِيمَنْ نُحِبُّ، وَمَا فِي ذَاكَ مِنْ عَارِ
أكْلٌ شَهِيٌّ أَصَبْنَا مِنْ أَطَايِبِهِ           بَعْضًا، وَبَعْضًا صَفَحْنَا عَنْهُ لِلْفَارِ

 

أي: شبَّه مَن خانَتْه بالأكل الشهيِّ، فلمَّا أكله ألقى فَضَلات طعامه للفأر، فالقصدُ أنّ الخائنَ لا يُعَدُّ أبَدًا مِنْ ضِمنِ الأحبة.

 

اللهم إنَّا نعوذُ بكَ من خِيانَتِنا للأحبَّة، ومن خيانةِ الأحبَّة لنا.

 

وصلِّ اللهم وسلِّم على عبدِكَ ورسولك مُحَمَّد، وعلى آله وصحبِه أجمعين.

 

مُلاحظة:

كُنتُ أنوي كتابة الأبيات مع التعليق البسيط واليَسير عليها، لكن لما علم قلمي أنَّ المَقالةَ تتعلَّق بالحب أبى إلا أنْ يُطِيل الرقصَ مع الورق.

 

ــــــــــــــــ

[1] وَرَدَ في قصيدته “أضحى التنائي” هذا البيت:

غِيظَ الْعِدَا مِنْ تَسَاقِينَا الْهَوَى فَدَعَوْا         بِأَنْ نَغَصَّ فَقَالَ الدَهرُ آمِينَا

سُبحانَ الله، كأنَّ دعوةَ أعدائهما قد استُجِيبت!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بواسطة :عبدالعزيز أحمد علي القطان .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.