لا تذلني بمعروفك! العشرة بين الزوجين أكبر من أن يمن أحدهما على الآخر

تجد “أسماء” أنَّ زوجها ينفعل بشدِّة في كُلِّ مرَّةٍ تختلف فيها معه، وسط تذكيره لها بمواقفه الجيِّدة التي كان يقدّمها لها طيلة السنوات الماضية من حياتهما الزوجيَّة، وحينما تغضب منه وتنتقده إزاء موقفٍ ما فإنَّه يغضب منها ويهاجمها بشراسة قبل أن يقول لها:”نسيتي هديَّتي التي اشتريتها لكِ في ذكرى زواجنا الأول من ذلك المحل الراقي؟، ونسيتي شفاعتي لأخيك عندما أسفرت عن توظيفه في أحد القطاعات الحكوميَّة؟، ألا تذكرين حينما قدَّمت لشقيقتك هديةً فاخرةً في حفل زواجها؟، وحينما تحمَّلت الكثير من الضغوط الماديَّة من أجل أن نُسافر إلى خارج المملكة في الإجازة الصيفيَّة الماضية؟”.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إنَّ هناك الكثير من المواقف التي لا يزال زوج “أسماء” يُذكِّرها بها، حتَّى أنَّها بدأت تشعر أنَّه يستفزُّها في كُلِّ مرَّة يعمد إلى استعراض تلك المواقف أمامها، وليس ذلك فحسب بل إنَّ زوجها أصبح يُذكِّرها بواجباته الزوجيَّة التي ينبغي عليه فعلها، في الوقت الذي أصبحت فيه تُعاني نفسيَّاً من هذا الأُسلوب الذي يُشعرها بِمِنَّته عليها، كما أنَّها باتت مُتأكِّدةً أنَّ هذا الأسلوب يدفعها دون إرادةٍ منها إلى الدخول معه في حلبة الصراع نفسها، حتَّى أنَّها بدأت في ذكر مواقفها الجيّدة وترديد أفضالها عليه.

وعلى الرغم من محاولات “أسماء” المُتكرِّرة الطلب من زوجها ترك هذا السلوك الذي تطبَّع به في وقت الخلاف، إلاَّ أنَّه كان يعدها في كُلِّ مرَّة بعدم تكرار ذلك بعد الصلح، قبل أن يعود إلى السلوك ذاته عندما تبدأ عجلة الخلاف بينهما في الدوران من جديد، ومع ذلك فإنَّه يبدو أنَّ “أسماء” ليست الزوجة الوحيدة التي تُعاني من تذكير زوجها لها بمحاسنه في لحظات الخلاف، فهناك زوجات يُمارسن الفعل نفسه مع أزواجهنَّ، كما أنَّ هناك أزواجا آخرين يفعلون ذلك في وقت الغضب، فالتذكير بمحاسن كلا الطرفين هو الأسلوب الدفاعي الأسهل لتكون هناك مواجهة قوية في لحظات الخلاف بين الطرفين، ويبقى السؤال المطروح هنا عن سبب استخدام بعض الأزواج والزوجات هذا الأسلوب المبني على تعداد محاسنهم وما قدَّموه من أفعال إيجابيَّةٍ للطرف الآخر على امتداد حياتهما الزوجيَّة؟، فهل هي وسيلة دفاع ينتهجها من يجد نفسه في مأزقٍ مع شريكه؟ أم هي وسيلة هروب واستدرارٍ لعطف الطرف الآخر؟

واجبات زوجية

وانتقدت “أحلام عامر” الأزواج الذين يستخدمون أسلوب ذكر حسناتهم وقت نشوب الخلاف مع الزوجة، مُضيفةً أنَّ هذا الأسلوب يُعدُّ امتهاناً لمفهوم العطاء الذي ينبغي أن يُقدّمه كُلّ طرف للطرف الآخر، مُشيرةً إلى أنَّ على المرء حينما يُقدِّم شيئاً إيجابيَّاً عدم تذكير الطرف الآخر بهذا الفعل وقت نشوب الخلافات بينهما؛ وذلك لأنَّه سيكره مع مرور الوقت الحصول على خدمات أُخرى منه مُستقبلاً خشية أن يمنَّه عليه، داعيةً إلى اختيار أسلوب أفضل من هذا الأسلوب لإنهاء الخلافات الزوجيَّة، عوضاً عن الاعتماد على ذكر مواقف وأفعال إيجابيَّة ماضية قدَّمها أيّ طرف للطرف الآخر.

وأضافت أنَّ الأفعال والمواقف الإيجابيَّة التي يُقدّمها الزوج لزوجته تُعدُّ جزءاً من واجباته الزوجيَّة التي تدخل في مفهوم “القوامه”، وبالتالي فإنَّه ليس له الحق في منِّها عليها بأيّ حالٍ من الأحوال، مُشيرةً إلى أنَّ هناك أزواجاً يمنّون على زوجاتهم في لحظات الغضب بأمور هي في حقيقتها واجب شرعيّ عليهم، كأن يمنَّ أحدهم على زوجته أنَّه يصرف عليها من ماله، أو أنَّه يعمل ويتعب لكي يُؤمِّن لها الحياة الكريمة، حتَّى أصبح كُلّ ما يُقدّمه بعض الأزواج قابلٌ للتذكير والمن في لحظات الغضب والخلاف، لافتةً إلى أنَّ مثل هذه الأُمور قد تدفع الطرف الآخر إلى الشعور بالنقص والإهانة، ورُبَّما وصل البعض إلى مرحلةٍ يكره فيها أيَّ أمرٍ إيجابيّ يُقدّمه له الطرف الآخر.

التزام الصمت

ورأت “سارة عبدالله” أنَّ استخدام الشخص أُسلوب المنّ أمر غير مقبول أبداً، مُضيفةً أنَّه قد يؤدِّي إلى توسيع دائرة المشكلة في وقت نشوب الخلاف، وذلك على الرُّغم من أنَّ البعض يستخدمه معتقداً أنَّه قد يُسهم في تحريض الطرف الآخر على أن يهدأ ويتقبَّل كل ما يبدر منه من أفعال، بيد أنَّ الحقيقة تكمن في أنَّ الكثير من المشاعر السيئة يشعر فيها من يتم تذكيره بالإيجابيَّات، مُبيّنةً أنَّ الأسلوب الأمثل في لحظات الخلاف أن يحاول كلا الطرفين تجنُّب الكلام الكثير، خاصَّةً في وقت الغضب الشديد، وأن يتم التزام الصمت حتى يهدأ كلا الطرفين، ثمَّ يعملان على مناقشة أُمورهما الخلافيَّة بهدوءٍ ورويَّة ومحبة وعقلانيَّة؛ لأنَّ اللحظات الأولى من الخلاف قد تنتهي بنهايةٍ قد لا يتوقَّعها أيٌّ من الطرفين حينما يتم التعاطي معها باستفزاز كُلّ طرفٍ للطرف الآخر.

وأكَّدت على أنَّ استخدام أسلوب التذكير بإيجابيَّات الشخص لا يُعدُّ الحل الأمثل للحصول على تعاطف الطرف الآخر، بل إنَّه من الأولى أن يتم امتصاص غضب الطرف الآخر بالكلمة الطيّبة والعمل على تقليل حجم مُسبِّبات المُشكلة؛ لكي لا يشعر من يتم تذكيره بالإيجابيَّات أنَّه يعيش مع شخص يمنّ عليه تقديم أيّ أمر إيجابيّ له في كُلّ مرَّة يحدث بينهما خلافٌ حول أمرٍ من الأُمور، مُشيرةً إلى أنَّ في ذلك أثراً سيئاً جداً سينعكس على الطرف الآخر، لافتةً إلى أنَّ الزوجة رُبَّما ذكَّرت زوجها في لحظات الخلاف بإيجابيَّاتها بهدف الحصول على تعاطفه معها، بيد أنَّ ذلك قد ينعكس عليه بشكلٍ سلبيّ، وحينها يشعر أنَّ كل ما تُقدّمه له قابلٌ للتذكير في لحظات الغضب.

جحود ونكران

وبيَّن “إبراهيم يوسف” أنَّ تذكير الزوج لزوجته بمحاسنه وأفعاله الإيجابيَّة التي قدَّمها لها وقت حدوث الخلافات بينهما يُعدُّ في نظره أسلوباً جيّداً، ورُبَّما أدَّى ذلك إلى حدوث نتيجة إيجابيَّة مع الكثير من الزوجات، مُشيراً إلى أنَّ بعض الزوجات حينما تقف موقفاً سلبيَّاً من زوجها فإنَّها تنسى جميع ما قدَّمه لها من أُمور وأفعال إيجابيَّة على امتداد سنوات حياتهما الزوجيَّة، مُوضحاً أنَّ المرأة بطبيعتها قد تنكر كافَّة الأمور الإيجابيَّة لزوجها في ساعة الغضب، فتتحامل عليه وتغضب منه وتتَّخذ منه موقفاً سلبيَّاً في لحظة الغضب، كما أنَّها قد تبكي وتنتقده وتتفنَّن في ذكر عيوبه.

وأضاف أنَّ الزوج يحاول أن يسعى ليُحقِّق الحياة الكريمة لزوجته، وعندما يجد منها الجحود والنكران فإنَّه يعمل على تذكيرها بإيجابيَّاته وبما قدَّمه من أجلها؛ لكي لا تبخسه حقه، مُشيراً إلى أنَّ ذلك قد يحدث في هذه المواقف والزوجة تبكي وتُعلِّق بقولها “لا تمن عليَّ بما تفعله”، فيشعر الزوج وقتها بحيرة، فإن هو التزم الصمت لم ترحمه، وإن تحدَّث وذكَّرها بإيجابيَّاته اعتبرت ذلك إهانةً لها، لافتاً إلى أنَّ استخدامه هذا الأسلوب مع زوجته في كُلِّ مرَّة يحدث فيها خلافٌ بينهما كان ذا أثرٍ جيّدٍ في هذه الحالة، إذ إنَّها سُرعان ما تهدأ وتبدأ في التأمُّل ويرق قلبها وتتراجع عن موقفها.

وأكَّد على أنَّ استحضار أحد الزوجين لإيجابيَّاته وقت حدوث الخلافات بينهما ليس بالضرورة أن يكون فيه إهانة أو مِنَّة، مُضيفاً أنَّ ذلك قد يكون بمثابة محاولة لامتصاص غضب الطرف الآخر ودفعه لرؤية الجانب الأهم المفقود من الصورة في لحظة غضبه وحنقه على الطرف الآخر، مُشيراً إلى أنَّه حينما نأتي بالجانب المضيء من الصورة ونضعه أمام أعين الطرف الآخر في وقت الغضب، فإنَّه من المُمكن أن يبدأ في تأملها وتصديقها، ثمَّ يتراجع عن موقفه الحاد في لحظة الغضب.

حيلة الإسقاط

وأشار “د. محمد بن مترك القحطاني -عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميَّة- إلى أنَّه حينما يحدث خلاف بين الزوجين فإنَّ بعض الخلافات تحدث بسبب ما يسمى ب “الإسقاط”، وهو من الدفاعات النفسيَّة اللا شعوريَّة لدى بعض الأفراد، مُضيفاً أنَّ “الإسقاط” هو أن يُسقط الفرد ما في نفسه على غيره من الناس، مُشيراً إلى وجود من يُوجِّه تهمة الكذب للطرف الآخر، بيد أنَّه في الحقيقة هو من يُمارس الكذب والآخر لا يكذب، كما أنَّ هناك من يتهم غيره بالسرقة في الوقت الذي يكون هو فيه من أقدم على هذا الفعل.

وأضاف أنَّ بعض الأزواج قد يُمارس الإسقاط من أجل الدفاع عن نفسه، فيبدأ بالتذكير بايجابيَّاته وأفعاله التي قدَّمها للطرف الآخر، مُوضحاً أنَّ هذا السلوك يحدث عندما يرغب الزوج أو الزوجة في استمرار العلاقة مع الطرف الآخر، فحينما يذكر الزوج حسناته لزوجته وما قدَّمه لها في لحظات الغضب وكذلك تفعل الزوجة فإنَّه في اللاوعي يريدها وهي تريده، ولكن يحدث أن يذكر كلا الطرفين تلك الأشياء بشكلٍ مباشر كنوع من الدفاع عن الذات ووضع الطرف الآخر في موقع الخطأ، وبالتالي ومن مُنطلق أن يجعل أحد الزوجين الطرف الآخر في موضع الخطأ فإنَّه يبدأ في تذكيره بجميع إيجابيَّاته ليشعر بالندم.

وشدَّد على أهميَّة ألاَّ تكون هناك إسقاطات سيئة على أحد الطرفين، أو استخدام أسلوب اللوم بكثرة، مُضيفاً أنَّ على كلا الزوجين عدم جلد ذاته بشدَّة في حالة الخطأ، فحينما يصدر منه فعلٌ غير جيَّد فإنَّ عليه ألاَّ يلوم نفسه كثيراً فيشعر أنَّه يستحق العقاب، بل إنَّ عليه تجاوز ذلك وأن يقتدي بهدي الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلَّم- حينما أوصى بعدم التذكير بالصدقة أو المعروف؛ لكي لا يكون هناك تذكيرٌ دائم بالأمور الجيِّدة التي نُقدّمها للطرف الآخر أو نتمنَّن بها.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.