كوني له أما رؤوما 

ظروف حياته أجبرته على العمل في دَوامينِ يوميًّا؛ ليوفِّر لأسرته عيشةً هنيئةً.

التقيتُ صديقي الأربعينيَّ في مكانٍ عام، تبادلنا السلام والكلام، تأملتُه مليًّا، كم تغيَّر شكلُه، وشحَبَ وجهُه!

رأيتُ العينينِ الذكيتين، العينين العميقتين، قد اكتنفهما أسًى وشجًى وكدَر وكبد، وكثرت حولهما التجاعيد التي تترجم مشوارًا طويلًا من الكفاح والسعيِّ من أجل أسرته الكبيرة.

رأيتُ الشفتينِ قد علاهما جفافٌ وشحوبٌ، قد انفرجتا مرغمتينِ عن طيفِ ابتسامةٍ حزينة، وكشفتا عن قلبٍ مُتعَبٍ لم ينَلْ حظَّه من سعادةِ الرُّوح وراحة الجسد!

رأيتُ جبهةً أبيَّةً، قد لوحتها شمس الهموم، ورسم فيها الزمنُ بعضَ خطوطه القاسية، عبر سنين من المجاهدة والمكابدة.

آه! هذا رَجُلُكِ يا شريكتَهُ!

ولا يَخفى حالُه عليكِ يا أُمَّ البنين، اجعليه في أعلى سُلَّمِ أولويَّاتِك، مُقدَّمًا على نفسك وعيالك، كوني له أُمًّا رؤومًا تهتمُّ بصحته، وراحته، وحاجاته، أغدقي عليه من فيض تحنانك ما يبعث فيه الحياة، ويُهوِّن عليه كَدَّ السعيِّ اليومي المتواصل، أسمعيه حروف الودِّ والعرفان بالجميل، واجعليها مضمَّخةً بالشهد، واسكبيها على مسامِعِه بلا عدٍّ ولا حدٍّ.

بسمتُكِ الحنون هي عنده أجمل من زهور الأرض حين النَّدى، انثريها حوله بسخاء.

أكرمي مثواه -كُلَّما عاد يتفيَّأ ظلال بيتكِ وقد علا مُحيَّاه التعب والنصب والسغب- بلطيف الكلام، وطيِّب الطعام، وحُلْو الحديث، وبالدعاء الصادق، وبضمَّةٍ حنونٍ تُنْسِيه مُرَّ الحياة.

عطِّري كلماتك بالورود قبل نطقها، واطبعي على جبينه المتعَب قُبلةَ شكرٍ وحُبٍّ وتقدير، ودعي التشكِّي بين يديه، ولا تُرهقيه بسماع ما يُكدِّر؛ فقد استنفد في الخارج كلَّ طاقاته، وآوى إلى الحِضْن الدافئِ والسكن الآمِن بقُرْبِك.

حقيقةً؛ أنتِ -يا حليلته- أنثى جبَّارة، إن تألقتِ في سماء الإبداع، وأسبغتِ على رجلك وعمود بيتكِ من فنون قلبكِ ونفحات رُوحكِ ما يُسعِدُ قلبه، ويشرح صدره، ويُنعِشُ فؤاده؛ فتكونين له خيرَ دافعٍ؛ بل أرقَّ وأرقى وأعذب حافزٍ لمواصلة سَعْيه وكدِّه في دروب الحياة القاسية.

___________________
بواسطة:

دحان القباتلي.

___________________
رابط الموضوع: https://www.alukah.net/social/0/158760/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.