قاعدة في استحضار العريس الصالح

تضع الفتاة -عادة- شروطا للعريس المطلوب، آخرهذه الشروط أن يكون رجلا تقيا، بمعنى أن يطيع الله ويعبده، ويؤدى ما افترضه الله عليه، ويترك ما حرّمَه، ويخشى الله ويهابه.ومع تقدم العمر بالفتاة، وندرة الخُطّاب، تتنازل الفتاة عن غالبية شروطها، وأول ما تتخلى عنه هو شرط التقوى، فالمهم عندها هو أن تتزوج حتى تهرب من كابوس “العنوسة”.ولو خُيّرت الفتاة بين أن تتزوج أو تبقى بلا زواج مع ارتفاع احتمالات فشل هذا الزواج لأن مقدماته تُنْبِئ بهذا، لاختارات الزواج، ومن بعدها الطوفان. هذا هو نمط تفكير معظم فتياتنا اليوم – إلا مارحم الله – وهذه الفئة النادرة الأخيرة تثبت على موقفها حتى ولو بقيت بلا زواج.وقد أصرّت إحداهن على رفض كل من تقدم لها من الخُطّاب لأنهم مدخنون، وهى ترى أن الرجل المُدخن ضعيف أمام سلطان سيجارته، ولهذا لا يصلح أن يكون مسؤولا عن بيت وأسرة.

المآسى كثيرة نختار منها اثنتان:

الأولى: فتاة جامعية عاملة تمت خطبتها وسط سعادة وفرح الأهل والأصدقاء، وكان الخاطب يماطل فى إعداد متطلبات الزواج، ولما ضغطت عليه أسرة الفتاة أن يعقد قرانه عليها حتى يكون دخوله وخروجه من منزل الأسرة مقبولا لدى الناس وافق على عقد القران، لكنه استمر فى المماطلة حتى يئست الأسرة منه وأقنعت فتاتها بطلب الطلاق، فطلقها.وفى أحد الأيام خرجت الفتاة من عملها كالعادة برفقة زميلاتها، وسقطت فجأة على الأرض مغشيا عليها، وحملت إلى عدة مستشفيات رفضت استقبالها لسوء حالتها.وقبلتها أحد المستشفيات الكبرى التى شخصت حالتها على أنها “انفجار فى المخ” وهى مازالت بين الحياة والموت حتى كتابة هذه السطور.
الثانية: فتاة جامعية تخرجت من كلية دينية كانت حافظة للقرآن، ونشأت فى بيت يغلب عليه الإلتزام بالدين.تزوجت من شاب كان وجه صلاحه عند أسرة الفتاة أنه حفيد أحد المجاهدين القدامى.ورفضت الأسرة تحذيرات الناصحين لها بأن هذا السبب فى الزواج لا يكفى، فصلاح الجَدّ لا يعنى بالضرورة صلاح الحفيد.وتم الزواج رغم كل التحذيرات.فكان الخروج عن مقتضيات الشرع هو السمة الواضحة فى كل مراحل إتمامه.وهكذا خلعها الزوج من دينها عروة عروة من اللباس إلى السلوك، وياليته كافأها لمروقها من مقتضيات الدين ودخولها عالمه الخاص، لكنه أساء معاملتها، وحط من قدرها، وهكذا خسرت دينها ودنياها.ولا تستطيع أن تشكو أو تنبس بكلمة، فهى تعرف تماما أن الرد جاهز: لقد حذرناك، ولكنك ضربت بتحذيرانتا عرض الحائط.
ترقب الفتيات بعضهن البعض، وإذا ما تزوجت واحدة منهن -ولو كان داخل العائلة الواحدة- حزنت الأخريات بالرغم من إظهراهن الفرح والسرور، لأنها تزوجت قبلهن، ويرون أنهن أولى بالزواج منها لأى سبب كان.كما تحزن الفتاة التى ترى فى نفسها الصلاح والتقوى، وهى ترى أن غيرها ممن هى دونها فى الصلاح والتقوى قد تزوجت قبلها.

 

ورغم كل هذه المآسى وهذه التصورات عند الفتيات يظل المفتاح الرئيس فى استحضار العريس هو التقوى.وتفسير ذلك أن “العريس” يدخل فى باب الرزق.والرزق كما يعرفه الإمام “ابن تيمية”: ” اسم لكل ما يغتذى به الإنسان، وذلك يعم رزق الدنيا ورزق الآخرة”.يقول “ابن تيمية” فى شرحه لقوله تعالى:﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾ [الطلاق: 2-3]…….أن الله يدفع عن المتقي المَضرّة، بما يجعله له من المخرج، ويجلب له من المنفعة، بما ييسره له من الرزق”‏.‏

 

وردا على قول بعض الفتيات أن هناك من يغلب عليهن التقوى ولم يتزوجن، فى حين أن هناك فتيات يغلب عليهن عدم التقوى وقد تزوجن، نسترشد هنا بقول الشيخ “ابن تيمية” الذى جاء فيه :

” أن الآية اقتضت أن المتقي يُرزق من حيث لا يحتسب، ولم تدل على أن غير المتقي لا يُرزق، بل لابد لكل مخلوق من الرزق.قال الله تعالى‏:‏‏ ﴿ ‏وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا‏ ﴾‏ ‏[‏هود‏:‏6‏]‏ حتي إن ما يتناوله العبد من الحرام هو داخل في هذا الرزق، فالكفار قد يرزقون بأسباب محرمة، ويُرزقون رزقا حسنًا، وقد لا يُرزقون إلا بتكلف”.ومن هنا يمكن أن نرجع نجاح بعض الفتيات فى “اصطياد” العريس إلى عرضهن غير المشروع لمقوماتهن الجسدية أو الجمالية أو غير ذلك من سُبل العرض.فتدخل هذه الفئة من الفتيات تحت هذه الشريحة الأخيرة التى ترزق رغم عدم تقواها.
تتساءل الفتاة: ما أهمية معيار التقوى طالما أن الصالح والطالح يرزقان؟

هنا يجيب الشيخ “ابن تيمية” إجابة ذات مذاق خاص عند أهل التقوى فيقول:”وأهل التقوي يرزقهم الله من حيث لا يحتسبون، ولا يكون رزقهم بأسباب محرمة، ولا يكون خبيثًا”.وهذا هو الفارق بين الفتاة التقية وغير التقية، فالتقية يرزقها الله من حيث لا تحتسب ودون الوقوع فى الحرام أو الخبث.
وقد تتساءل الفتاة أيضا عن الحكمة من تأخر زواجها .
فى فتاوى الشيخ “ابن تيمية” إجابة على ذلك.يقول الشيخ: ” لا يَحْرِم الله العبد ما يحتاج إليه من الرزق، وإنما يحميه من فضول الدنيا، رحمة به وإحسانًا إليه، فإن توسيع الرزق قد يكون مضرة على صاحبه، وتقديره يكون رحمة لصاحبه‏ “.فتأخير زواج الفتاة قد يكون من باب الرحمة والإحسان لها.وما كان هذا التأخير أبدا علامة على عدم رضا ربها عنها.
يقول تعالى:‏﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾ [الفجر: 15-16]‏ أي‏:‏ ليس الأمر كذلك، فليس كل من وُسّع عليه رزقه يكون مكرمًا، ولا كل من قُدِرَ عليه رزقه يكون مهانًا، بل قد يُوَسّع عليه رزقه إملاء واستدراجا، وقد يقدر عليه رزقه حماية وصيانة له”.
ويلزم الفتاة صاحبة الدين أن تستغفر من ذنوبها وخطاياها فربما كانت هى السبب فى الحال الذي وصلت إليه.يقول “الشيخ ابن تيمية”:

” وضيق الرزق على عبد من أهل الدين قد يكون لما له من ذنوب وخطايا، كما قال بعض السلف‏:‏ إن العبد لَيُحْرَم الرزق بالذنب يُصيبه، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من أكثر الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب‏)‏‏.‏
كما أخبر الله تعالى أن الحسنات يذهِبن السيئات، والاستغفار سبب للرزق والنعمة، وأن المعاصي سبب للمصائب والشدة، فقال تعالى‏:‏ ‏﴿ ‏اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا‏ ﴾‏ إلى قوله‏:‏ ‏﴿ ‏وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا‏‏ ‏ ﴾ [‏نوح‏:‏ 10 12‏]‏، وقال تعالى‏:‏‏ ﴿ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا * لِنَفْتِنَهُمْ فِيه ﴾ [الجن: 16- 17]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏﴿ ‏وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ‏ ﴾‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 96‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ﴿ ‏‏وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ‏ ﴾‏ ‏[‏الشورى‏:‏30‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏﴿ ‏وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ‏ ﴾ ‏‏[‏هود‏:‏ 9‏]‏، وقال تعالى‏: ﴿ ‏‏‏مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ‏‏ ﴾ ‏[‏النساء‏:‏ 79].
وقد تتعرض الفتاة صاحبة الدين إلى ابتلاء عظيم، فقد تكون اختارت عريسها لتقواه، حتى أن والد أحد الفتيات قد خدع بظاهر التقوى من شاب تقدم لخطبة ابنته، فرأى فيه وكأنما صحابيا جاء لخطبتها، ولما زوّجَه ابنته، لم يجد أثرا من تقوى الصحابة لا فى سلوكه ولا فى معاملته.
يقول ابن تيمية لمثل هذه الفتاة ووالدها:” أن الله تعالى قد أخبر في كتابه‏ أنه يَبتلي عباده بالحسنات والسيئات، فالحسنات هي النعم، والسيئات هي المصائب ؛ ليكون العبد صَبَّارًا شكورًا‏.وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏والذي نفسي بيده‏!‏ لا يقضي الله للمؤمن قضاءً إلا كان خيرًا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سرّاء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاء صبر، فكان خيرًا له‏)‏‏.ومن تمام العبودية لله حينما تبتلى الفتاة بمثل هذا الأمر الجلل أن تصبر أولا، وترضى بقضاء الله ثانيا، ولعل أعلى مراتب العبودية هنا هو أن تشكر الله تعالى على ما ابتلاها به، فقد يكون هذا الإبتلاء من باب الرحمة والإحسان لها وهى لا تدرى.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بواسطة : د. أحمد إبراهيم خضر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.