في يوم زفاف ابنتي

كنتُ جالسًا وسط أولادي، فقد أنعمَ الله عليّ بثلاثة من البنين، وأختهم أصغرهم، كانتْ أكثرهم ارتباطًا بي، وكنت متعلِّقًا بها أكثر من إخوتها؛ لأنها الصغيرة والتي تحتاج إلى الرعاية والحب أكثر من إخوانها، كما أنها حبيبة القلب، فقد كانتْ مصدرًا كبيرًا للحنان، وكنتُ أحدِّثُ نفسي لعلَّها تكون سببًا لدخول الجِنان، ودائمًا ما كانتْ تأتي إليّ وترتمي، ومن إخوانها تلتصق بي وتحتمي، وتُمْسك أصابعي وتقلِّبها، أو تُمسك بيدي وتقبِّلها.

 

وكثيرًا ما كانتْ تأتي إليّ؛ لأحكي لها قصة السمكة الذهبيَّة التي طالما كنتُ أحكيها لها في كلِّ يومٍ، ولم تكنْ تَمَل منها أو تلقي عليّ اللوم، حتى إنني في إحدى المرَّات سألتُها: أيّ حكاية تحبينَها؟ فأجابتْ: “قصة السمكة الذهبيَّة”، ومن يومها سمَّيتُ ابنتي السمكة الذهبيَّة، وعجبتُ لها أنْ أُعْجِبتْ بتلك التسمية!

 

وفي إحدى المرَّات كانتْ تُمْسك بعروستها في حبٍّ وحنان، تُكَلِّمها وتحدِّثها، وتقصُّ لها ببراءة حكايتها، وسرحتُ بخاطري وحَلمتُ حُلم يقظة أنَّ ابنتي الصغيرة والتي تُمسك بالعروس قد أصبحتْ عروسًا.

 

وتخيَّلْتُها تلبسُ ثوبَ الزفاف الأبيض، وتضعُ على رأْسها خمارها والطرحة، ويكاد يطيرُ قلبُها من الفرحة، وهي تجلسُ مع الفتيات والسيدات وابتسامتُها الجميلة كالنسمات، ترتسم على وجْهها البريء الطاهر كالملائكة، ويُنشدْنَ لها الأناشيد والأهازيج المبهجة.

 

ثم تذكَّرتُ أنَّ زوجَها لا بد وأنْ يضعَها داخل قلبه، ويحافظ عليها؛ لأنها أمانة غالية في عُنقه، ثم خطر ببالي أنه قد يغضبها، أو يعاملها بقسوة أو يحزنها، فوجدْتُني قد تأثَّرتُ، وفارَ الدمُ في عروقي وغضبتُ، وانتفختْ أوداجي، واحمرَّتْ مُقْلَتي، وأردتُ أن أعتصره بكلِّ قوة بين يدي، وأجعله يذوبُ بين أناملي.

 

ثم قلتُ في نفسي: إنَّ الزوجات أمانة في أعناقنا، وأسيرات في بيوتنا، كما أخبرنا الصادق المصدوق، فلماذا لا يحافظ كلٌّ منَّا على زوجته ويرعاها، ويتقي الله فيها ولا يهضمها حقَّها، كما يحبُّ الأب من زوج ابنته أن يرعاها ويحافظَ عليها؟!

وتذكَّرتُ حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – أنه قال: ((أكملُ المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خُلقًا، وخياركم خياركم لنسائهم))، حديث حسن صحيح؛ رواه الترمذي، وعن عائشة – رضي الله عنها – عن النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – أنه قال: ((إنَّ النساء شقائقُ الرجال))، حديث صحيح؛ رواه الترمذي.

 

وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – أنه قال: ((استوصوا بالنساء؛ فإنَّ المرأة خُلقت من ضلعٍ، وإنَّ أعوجَ شيءٍ في الضلع أعلاه، فإن ذَهبتَ تُقيمه كسرتَه، وإنْ تركتَه لم يزل أعوجَ؛ فاستوصوا بالنساء))، حديث صحيح؛ رواه البخاري.

 

وعن جابر بن عبدالله – رضي الله عنه – عن النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – أنه قال: ((فاتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتموهُنَّ بأمان الله، واستحللتُم فروجَهنَّ بكلمة الله))، حديث صحيح؛ رواه مسلم.

 

وعن سليمان بن عمرو بن الأحوص – رضي الله عنه – أنه شَهِدَ حَجة الوداع مع رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – فحمدَ الله، وأثْنَى عليه وذَكَر ووعَظ، ثم قال: ((استوصوا بالنساء خيرًا؛ فإنهنَّ عندكم عوانٍ، ليس تملكون منهنَّ شيئًا غير ذلك))، حديث حسن؛ رواه ابن ماجه.

 

وعن سعد بن أبي وقاص – رضي الله عنه – عن النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – أنه قال: ((إنَّك لن تنفقَ نفقة تبتغي بها وجْهَ الله، إلا أُجِرْتَ عليها، حتى اللقمة تضعها في فم امرأتك))، حديث صحيح؛ رواه البخاري.

 

فاتقِ الله في زوجتك؛ فابنتُك اليوم هي زوجة غدًا.

________________________________________________________

بواسطة : عبدالله عيسى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.