عندما ضج الألم 

متماسكةً كانت تبدو لدى وُلُوجِهَا باب العيادة، غير أن عينيها كانتا توشيان بمخزون عميق من الألم والمعاناة، أَهُو الجسد الذي راح يئِنُّ تحت براثن المرض الذي راح ينهشه، أم هي الروح التي أضناها الحرمان، وكادت تُعْلن انسحابها من مسرَّات الحياة؟

• “لا أدري من أين أبدأ يا دكتور”، على استحياء تمتمَتْ عبارتها الأولى، هَزَزْتُ رأسي مشجعًا، وقد طارت نفسي لمعرفة أي لغز يكمن وراء هاتين العينين الحزينتين، اللتين كانتا تخفيان وراءهما ألف معنى ومعنى، وأخذت أسائل نفسي: أهي حالةُ ألم، ومرض عضوي ككثير من الحالات التي مرت عليَّ خلال سنوات طوال من الممارسة الطبية، أم هي قصة مختلفة لها فرادتها وخصوصيتها؟

وشرعت السيدة بسرد شكاواها: آلام في الرأس تصرخ كبركان ثائر، لا يَنِي عن إطلاق حُمَمِه بين الفينة والأخرى، وأرَقٌ في الليل يُقِضُّ المضجع، ولا يتيح لصاحبته فرصة السكن التي وهبها الله لعباده في الليل، ولا يدع الأعصاب تسترخي من بعد طول عناء، وشكايات عديدة أخرى تكاد لا تستثني عضوًا واحدًا من أعضاء هذا الجسد المثخن بالألم؛ فالمعدة تأكل بعضها بعضًا بلهيب من فرط العصارة الحامضة، وعضلات الجسد ومفاصله تكاد تنوء عن حمله.

لقد كانت هذه السيدة مثالاً صارخًا عن قوة تأثير الروح في الجسد، وتأثير الجسد في الروح، أو بتعبير آخر مثالاً لما يسميه الطب الحديث: “المناعة النفسية العصبية”؛ حيث أظهرت أبحاث طبية عديدة أن هناك ترابطًا وثيقًا، ولُحمةً متينة بين الكينونة النفسية للإنسان، وبين كفاءة عمل جهازه المناعي، هذا الجهاز الذي تُناط به مهمة الدفاع عن الجسم تجاه ما يجتاحه من أمراض، أو ينتابه من اضطرابات قد تعرِضُ لأجهزته، وتُبين هذه الدراسات أنه بقدر ما يعيش الإنسان حالة الطمأنينة، والاستقرار النفسي، وبقدر ما تغمر نفسَه مشاعرُ الحب والسعادة، بقدر ما يعمل جهازه المناعي بأعلى درجة من النشاط والفاعلية، ويقاوم أعتى الأمراض التي قد تعرِض له، وبالعكس من ذلك، فإن المعاناة النفسية، والإجهاد والتوتر والقلق تتسبب جميعًا في تدهور كفاءة عمل جهاز المناعة، وتجعل الجسم نُهبةً لأعتى الأمراض وأخطرها.

ومن ناحية أخرى، فإن حالة هذه السيدة تقدم لنا مثالاً إضافيًا عن مدى معاناة إنسان العصر من وطأة الحرمان، ولعل نصيب المرأة من هذه المعاناة هو أوفر جمعًا من نصيب الرجل، ولطالما تجلَّت هذه المعاناة بخلل خطير في العلاقة الزوجية، وبعدم القدرة على الوفاء بمتطلباتها، الأمر الذي شكَّل قاسمًا مشتركًا لوصول العديد من حالات الزواج في مجتمعنا إلى ما لا تهواه النفس، ألا وهو أبغض الحلال عند الله.

لقد تزوجَته عن حب، وعاشا معًا رَدَحًا من الزمن، قرينين متحابين، يتقاسمان الحياة: حلوها ومرها، ويرضيان قانعَيْن بما أفاء الله عليهما من رزق، ومن بنين تَقَر بهم الأعين، وتسر الأنفس، وتزدان الحياة، ثم كان قَدَرُ الزوج أن يصاب بالداء السكري، وهو لا يزال بعدُ شابًّا في الثلاثينات من العمر، أيُّ غول دَاهَمَ هذا العش الهانئ، وأي حاسدٍ ضاقت عيناه لسعادة هذين الشابين، فكانت لهما بالمرصاد!

وبدأ درب الأحزان: فحوص طبية، وتحاليل مخبرية، ووصفات دوائية، وبرامج حِمْية، ونصائح بالابتعاد عن التوتر والانفعال، لكن هيهات هيهات! من أين للاستقرار النفسي أن يجد له موطِئَ قدم، وسمةُ هذا العصر هي التوتر، والإجهاد، وشد الأعصاب؟

وجاءت الصدمة التالية بلا مقدمات، وعلى حين غِرَّة، لقد فقد الزوج فحولته، وبات يقف عاجزًا، مُجَرَّدَ السلاحِ أمام أسوار الجمال، وحصون الفتنة، وأمام تطلعات الزوجة وأشواقها، كان يجد نفسه يتحرق شوقًا للاقتحام، لكنه سرعان ما يرجع خائر القوى، عديم الحيلة، تائه الطريق، وصبرت الزوجة، وأسبغت على مظهرها عدم التأثر بهذا الوضع، ومضت أيام وأشهر، وبئر الحرمان يضِجُّ من الأعماق، ورياح الرغبة تعصف وتهز الأبواب، والشيطان يُلْهِب الأخيلة، ويؤجِّج النار في مراجل الشهوة، لكن نفحات الإيمان، وخشية عواقب الدَّيَّان، كانت سرعان ما ترسم خطًّا أحمرَ، يكبح جموح النفس، ولا يدع للرغبات الحبيسة مجالاً للانفلات.

وفيَّةً لزوجها بقِيَتْ، وعفيفةً عن كل دَنَسٍ عاشت، وهي خلال ذلك ما تفتأ تُظْهِر لزوجها كل مودة وتعاطف، ولا تشعره بأي أمر قد يجرح مشاعره، أو يؤذي كبرياء انكساره.

واكفهرَّ الأفق ثانيةً بغمامة رمادية، ألقت ظلال الشك والخوف في أعماق الزوجة، وكأن قدَرَها أبى أن يدَعها لأحزانها ومعاناتها، واختار لها نوعًا جديدًا من الألم والمعاناة، بلون جديد، وطعم مختلف، شعرت أن شيئًا ما في سلوك زوجها ومشاعره نحوها قد تغير؛ حيث بدأ يتأخر عن بيته، ويفوح منه في بعض الأحيان شذى عطر غريب، لا عهد لها به، وشعرت بأن الأرض تميد بها، وبدوار عنيف يلفها، وهزها الشك حتى أعماقِها، وساءلت نفسها: ربَّاه، أيمكن هذا؟ أبعد كل الحب الذي أبديته، وبعد كل الصبر والمعاناة؟ صبر على المرض، وصبر على الحرمان، ومعاناة من الألم، ومعاناة من ليالي السهاد، أيكون جزائي الغدر والخيانة؟ وثار السؤال اللغز: كيف يتفق للزوج العاجز أصلاً عن العلاقة الزوجية أن يلهث وراء امرأة أخرى؟ وفي النهاية كاشَفَتْهُ بمكنون نفسها، وكانت إجابته قاسية صادمة، تنوء الجبال عن حملها، فضلاً عن أعصابها المنهارة، كان جوابه أنه يجد متعةً وسُلوانًا ونشوةً نفسيةً مع تلك الأخرى، وأنه يُمضي معها أوقاتًا سعيدةً، سيما وأنها كانت تصْغُرُه بأكثر من عشرين عامًا.

تصدَّعَ قلب الزوجة، وشعرت بأن أشواك درب الآلام غدت غير محتملة، ولم يعد لها قدرة على مزيد من الصبر، وجاءت تطلب المساعدة، وتنشد العون، وتبحث عن إجابة على السؤال الذي ما زال يحيرها: ما هو تفسير خيانة الزوج الذي لم تبخل عليه بشيء، وما كانت في يوم من الأيام تتوقع أن يكافئها بأقسى عقوبة تتلقاها زوجة من زوجها؟

وفكرتُ قليلاً، نعم هناك لغز في هذه القصة، وهناك أكثر من نقطة تستدعي الوقوف عندها، يتساءل المرء للوهلة الأولى: لو أن أحد طرَفَي هذه القصة كُتِبَ عليه أن يخون صاحبه، أما كان الذهن ينصرف إلى أن الزوجة التي عانت ما عانته من حرمان هي أكثر عُرضةً لاقتراف هذا الفعل، ومع ذلك، فقد امتلكت من الرادع الإيماني ما عصمها عن الزَّلل، والنقطة الثانية هي: أن الزوجة لم تتغير مشاعرها نحو زوجها، ولم تنقطع عن حبه، بل زادت على ذلك أنها حرصت كل الحرص على عدم المساس بكبريائه الجريح، وعلى عدم إتيان أدنى تصرف يُذَكِّره بما لَحِق به من العجز، ويبقى الأمر الثالث: وهو الأكثر غرابةً وإثارةً للحيرة، وهو: ما الذي دفع الزوج لاقتراف الخيانة؟ وهنا لا بد من وقفةٍ مع التحليل النفسي، إن فقدان الزوج لقدرته مع زوجه أدَّى لإصابته بمركَّب نقص، وعقدة نفسية ناجمة عن شعوره بالعجز، فاهتزَّتْ ثقته بنفسه، وتدنَّى احترامه وتقديره لِذَاتِه، وخامَرَه الشك أن الزوجة بدورها لا بد أن تنظر إليه بعين الصَّغار والازدراء، وهنا اعتمل في أعماقه دافع قوي للبحث عن تعويض لمركب النقص، وللخلاص من الشعور بالمهانة، ولم تكن هناك وسيلة أفضل من إقامة علاقة مع إنسان تصغره بعشرين عامًا، بهدف أن يثبت لنفسه أولاً، ولزوجه ثانيًا، أنه ما زال يتمتع بالقدرة على جذب النساء، وأنه ما زال شابًّا وقادرًا على العيش كأي رجل سَوِيٍّ.

وبعدُ، فالمشكلة كما رأينا معقدة، مؤرقة، يكتنفها أكثر من بُعْدٍ وجانب، وتحتاج في معالجتها إلى إيلاء طرفيها الكثير من العناية والاهتمام بالجانب النفسي لديهما، سواءٌ بالنسبة إلى الزوجة التي أصابها قدر كبير من الظلم والمعاناة والحرمان، فتكاثرت عليها العلل والأوجاع، أو بالنسبة إلى الزوج الذي أوصله مرضه العضوي إلى جملة من المضاعفات والاختلاطات العديدة على الصعيدين: الجسدي، والنفسي.

_________________________
بواسطة:

الدكتور / محمد القلا .

_________________________
رابط الموضوع: https://www.alukah.net/social/0/62934/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.