عدم التفاهم بين الزوجة والحماة

السؤال
 

♦ الملخص:

رجل متزوجٌ يَعيش مع أمِّه في بيت واحدٍ، زوجتُه غير متفاهمة مع أمه، ولا تريد التعاملَ معها، ويريد النصيحةَ والتوجيه.

 

♦ التفاصيل:

أنا متزوج منذ أربعة أشهر، إلا أنني لا أشعُر بالسعادة؛ لأن زوجتي تَعصي أوامري فيما يخُص أمي، فأمي تشكو منها كثيرًا، وزوجتي صاحبة شخصية انطوائية تُؤثِر العزلة والانكفاء على نفسها، وأمي لا تريد ذلك، علمًا أن أمي تكفَّلت بنا منذ الصغر بعد وفاة أبي، ولا تُحب أن يغيِّر أحدٌ في القواعد التي بنت عليها البيت، هذه مشكلة أمي مع زوجتي، أما بالنسبة لمشكلة زوجتي معي، فهي لا تتحدث معي بشكل لائق، وتتعصب عليَّ في بعض الأمور التي تخص أمي؛ مثلًا: إذا طلبت منها أن تذهبَ إلى أمِّي، وتفعل لها شيئًا فإنها ترفُض، ودائمًا في حديثي معها، تقول لي: إن هذا الكلام ليس كلامك، بل كلام والدتك.

أنا لا أريد أن أُغضِبَ أمي، لأني أسعى لسعادتها، ولكن على الجانب الآخر زوجتي عنيدة وتُصر على ما بداخلها، وأغضب منها كثيرًا، أرجو توجيهكم وجزاكم الله خيرًا.

الجواب
 

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد ومن والاه؛ أما بعد:

فلا يشُك المتأمل في مشكلتك في هيجان الغَيْرةِ بين أمِّك وزوجتك، وأن ذلك هو أساس المشكلة، وليس العناد الذي أشرتَ إليه، ولا انطوائية زوجتك، ولا غيرها من الصفات الأخرى التي ذكرتَها عن زوجتك، فالغيرة إذا ثارتْ من إحدى الاثنتين أو منهما معًا، قد تُفقِد الزوجين السعادةَ والمودة، فالعنادُ من الاثنتين الذي ذكرتَه سببُه الرئيس الغيرة منهما جميعًا، فيظهر أن أُمُّك التي ربَّتْك وتعِبت عليك لا تريد امرأة تتحكم في قراراتك كما يتراءى لها، وزوجتك التي تراك متعاطفًا جدًّا مع أمك تغار من ذلك، وتريدك أن تخفِّف من هذا التعاطف، وتنظُر إلى هذا التعاطف على أنه منعطف سلبيٌّ مؤثِّرٌ في مسيرتكما الزوجية، وأنت فيما يظهر لي كأنك تُحمِّل الزوجة المسؤولية الكبرى، بينما قد يكون للأم دور مشابه.

 

والآن بعد هذا التشخيص لأهمِّ الأسباب المتوقعة للمشكلة، يبقى السؤال الشائك: ما الحل؟

فأقول مستعينًا بالله سبحانه:

أولًا: عليك أن تنظُر للمشكلة بِعَدْلٍ على أنها خطأ مشترك بين الطرفين.

 

ثانيًا: افزَع إلى أعظم حلٍّ وهو اللجوء لله سبحانه مصرِّف القلوب، طالبًا منه أن يَصرِفَ الغَيرة الممقوتة عن الاثنتين، وأن يهديَهما لحُسن التعامل، فالدعاء سلاحٌ عظيم الأثر، ولكن البعض منا يُعطله أحيانًا أو يتعاطاه بضَعفٍ.

 

ثالثًا: أكثِرْ من الاستغفار، فلربما ابتُليتَ بغَيرتهما وما خلَّفتْه من إزعاج لك بسبب ذنوب ارتكبتَها، ولم تُلقِ لها بالًا؛ قال سبحانه: ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [آل عمران: 165].

 

رابعًا: استرجِع كثيرًا؛ فهذه مصيبة يُستحسن فيها الاسترجاع، والاسترجاعُ له أثرٌ فعَّال جدًّا في دفع المصيبة والتعويض بخير منها؛ تأمل الحديث الآتي: عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمِعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ما من عبدٍ تُصيبه مصيبة، فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجُرْني في مصيبتي، وأخلِفْ لي خيرًا منها، إلا أَجَرَه الله تعالى في مصيبته، وأخلف له خيرًا منها، قالت: فلما توفِّي أبو سلمة، قلتُ كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخلَف الله لي خيرًا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم))؛ [رواه مسلم].

 

خامسًا: اجلِس مع أمِّك على انفراد، وأثْنِ عليها وعلى تربيتها لكم، وبيِّنْ لها محبَّتك الشديدة لها، ثم اسأَلْها عما تَكرهُه من زوجتك، وعِدْها بأنك ستنصَح زوجتك، وفي نفس الوقت ناصِحها مبينًا لها أن غَيرة النساء شديدة، وأن أمهات المؤمنين أصابتهنَّ الغيرةُ، وأن المؤمن مطالب بالعدل وعدم الظلم، ولا بأس أن تذكرَ لها من باب الإصلاح أن زوجتك تحبها كثيرًا وتُثني عليها، وقد صرَّحت لكَ بذلك، وأن التعامل معها يحتاج إلى شيءٍ من الصبر والرفق والتنازل أحيانًا من أجل سعادتك.

 

سادسًا: انفرِدْ بزوجتك واذكُر لها محبتك، وأَثنِ على ما فيها من سجايا حميدة، واذكُر لها محبة أمِّك لها ومدحها، وأن أمَّك امرأة كبيرة، ومن طباع الكبيرات: الحرص الزائد، والوقوع في الأخطاء بحُسن نِيَّةٍ، وذكِّرها أيضًا بضرورة العدل وكظْم الغيظ؛ لتنال الأجر العظيم، وتنال زيادة محبَّتك لها.

 

سابعًا: لا تنسَ بعد ذلك الثناء على كل واحدة منهما، كلما أبدتْ تجاوبًا عمليًّا.

 

ثامنًا: يحسن أن تخفي حفاوتك بزوجتك ومحبَّتك لها عن أمِّك؛ لأن إظهار ذلك يُثير غيرتها، وكذلك زوجتك لا تُظهر عندها حفاوتك الزائدة بأمك.

 

تاسعًا: إن استطعتَ إخراج زوجتك في بيت مستقلٍّ مع استمرار برِّك بوالدتك، فهذا حلٌّ طيبٌ بإذن الله.

 

عاشرًا: أما انطوائيَّةُ زوجتك عن أمِّك، فليس كل اللوم على زوجتك، وفتِّشْ عن الأسباب الأخرى، فقد يكون عدم الألفة والمحبة بينهما سببًا لذلك.

 

وفَّقك الله للعدل معهما، وهذَّب الله غيرتهما، وصلِّ اللهم على نبينا محمد ومن والاه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بواسطة : الداعية عبدالعزيز بن صالح الكنهل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.