عاد إليَّ حبيبي بعد زواجه!

بعد مرور عشر سنوات من العِشْرة تزوَّج بغيري! فقد جاءني زوجي الحبيب بعينين زائغتين يبكي كالطِّفل في أحضاني متمتمًا بصوت خانق: أخطأتُ، ولا بد أن أصحِّح خطَئي بالزواج، لا أريد لابْني أن يتربَّى بعيدًا عني، زلزلَتْني المفاجأة، واحتلَّني الصمت طويلاً قبل أن أنهار صارخة بجنون المطعون بخنجر، ولا يعرف أحد كيف يخرجه مني: لم؟! وأنا جميلة الجميلات، لا أفعل سوى ما يرضيه، ولا أقول إلا ما يحب، وليس لي صديق غيره، ولا رفيق سواه.

 

ألف مرَّة أقول: لِمَ تنخر في كياني؟ وألفًا: كيف تَنْزف؟ ومادت بي الأرض، خرجْتُ خارج الكون إلى كوكب آخَر ليس به سوى قلبي المنكسر، وروحي المفجوعة، والقلب الغائر في جرحه، القلب الذي تفرَّغ لحبه وعشقه منذ كنا صغارًا نلهو سويًّا.

 

لم؟!

وأين أذهب بهذا الجرح؟!

أين أذهب بقلب لا يعرف التريُّض سوى بحدائقه؟! ورُوحٍ لا تحلِّق سوى بجنته؟!

 

وأنا غارقة في نَزْفي أعلو وأهبط، أَصُول وأجول، وأنا في مكاني بلا حرَاك وهو بوجْه متجهِّم يعتذر ويبكي، ويعلن قبل أن يغيب متواريًا في خجَلِه أنه سيتزوَّج هذا الشهر.

 

صعدتُ أرتِّب حقائبي، ورجعتُ إلى بيت أهلي الخاوي بعد رحيل الأحبَّة، فلا أم تتلقَّفني في حضْنِها، ولا أب يضمد جرحي، ويلقِّنني نشيد الحكمة، ورحْتُ أردِّد بإصرار:

 

لن أعود، حتى لو عشتُ بمفردي عمري كلَّه، لن أعاني وهو يسعد، وأموت وهو يحيا على جثتي التي يُمَثِّل بها الآن.

 

عشتُ أيامًا لا أعرف هل ما زلت أُدْرَج مع الأحياء؟ أو أنَّ روحي صَعِدت إلى خالقها؟! وتمر مشاهد حياتي معه كالقطار السريع؛ حب، وصداقة، ومرَح، وسفر، ومتعة، أين ذهب كلُّ ذلك؟! ومرت الأيام كالدهر، وأنا لا أُفِيق من موتتي تلك، ولكن ماذا بعد؟

 

هل أترك كلَّ عمري لامرأة أخرى تحتلُّ أرضي وترفع رايتها عليها؟ هل أقف في صفوف المهزومين يسأم الجميع شكوتي، ويتركونني أعاني الوَحْدة والحرمان ليعودوا إلى دفْء بيوتهم؟ سهْلٌ أن أتخذ قرارًا بالبُعد، ولكن الأصعب أن أستعيد زوجًا أحاطني بكلِّ ما تَحْلُم به زوجة وتشتهي، ورحتُ أعدِّد مميزاته، وتتلاشى من ذاكرتي أخطاؤه.

 

وقرَّرت البقاء، ورضيتُ بنصف رَجُل، ونصف حياة، ولُذْتُ بإيماني، وتفرَّغتُ لعبادتي وأبنائي، وكلما توسَّط الشيطان بيني وبينه لينفخ فيَّ النار أهرع إلى سجَّادتي، وأطيل السجود والدعاء، وألتصق بأبنائي أحتمي بهم؛ لِيُسكتوا الصوت الصاخب بداخلي يصرخ: “لا أستطيع”.

 

فيقف الصوت، وأبدأ دورة جديدة من الصبر، مع حرْصي على ألاَّ أتتبَّع أخبارها، وهو يزداد قربًا وحنانًا وعدْلاً، وغمَرَني بكرمه، بل وأصبح أكثر بشاشةً ورِقَّة، والكلمات الرومانسية الجميلة التي كان لا يَعرف كيف ينطقها، أغرقني بها، وكأنَّ المرأة الأخرى أصلَحَتْ لي عيوب زوجي، وأعادته إليَّ حبيبا عاشقًا، كأيام الزواج الأُولى، والآن وبعد مرور سنوات توقَّفتُ عن عدِّها، ها هو ابني وابنُها يلعبان معًا في حديقة المنزل، يَنْعمان في خير أبيهما، وأنا أرقبهما ويسكنني الرِّضا.

 

عزيزتي، إحساسُ فَقْد الحبيب إحساس يقتلع الرُّوح من الجسد، فلا تفقدي رُوحَك بالعناد، أعيديها بالصبر والإيمان والتسليم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بواسطة : هناء رشاد .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.