طلبتُ زيارة أهلي فتركني معلقة وتزوج

السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. توجد مشكلةٌ بيني وبين زوجي؛ فهو يُريد أن أزورَ أهلي مرةً واحدةً في الشهر لمدة ساعتين فقط، رغم أنَّ أمرَ الزيارة أمرٌ مُتَّفَقٌ عليه منذ تمَّ العقد بيننا!

عندما رفضتُ ما قاله ترَكني عند أهلي، وذهَب وتزوَّج غيري في منزلي، والآن أنا مُعَلَّقة منذ عامٍ، ولا يُنفق عليَّ أو على طفلي.

تدخَّل أهلُ الخير للإصلاح، لكنه مُصِرُّ على رأيه؛ فهل أطلب الطلاق؟ أو أنتظر؟

الإجابة: الحمدُ لله، والصلاةُ والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعدُ:

كان الله لك أيتها الأخت الكريمة، وأسأله سبحانه أن يأجُرَك في مُصيبتك، وأن يخلفَ عليك خيرًا منها، آمين.

فإن كان ما تذكرينه مِن أن زوجك قد اشترط عليك ذلك ألا تذهبي إلى أهلك، إلا ساعتين في الشهر، فهو حقًّا شرطٌ مجحفٌ، ومِن ثَم لم يمرّ وقت طويل حتى تململتِ منه؛ لأنه شرطٌ يُصادم الفطرةَ، فهل يظنُّ مسلم أن الله شرَع الزواج كي يستبدَّ الرجل بالمرأة كيفما شاء، ويمنعها مِن أهلها؟ أو أنَّ الله شرَعه لحِكَمٍ عظيمةٍ وراء ذلك؟!

ولنتأمَّلْ وفاء سيد الخلْق وحُسن عهده كما روى مسلم في صحيحه عن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنكم ستفتحون مصر، وهي أرضٌ يُسمى فيها القيراط، فإذا فتحتموها فأحسِنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمةً ورحمًا»، أو قال: «ذمة وصهرًا».

قال النووي في شرح مسلم وفي رياض الصالحين: أما الرحِم فلكون هاجر أم إسماعيل منهم، وأما الصهر فلكون مارية أم إبراهيم منهم. اهـ.

فانظري رعاك الله كيف أوصى رسول الله بأنواع الإحسان لأهل مصر؛ لحكمة أن مارية منهم، على الرغم مِن أنها كانتْ أمَة أم ولد رضي الله عنها، ولم تكن زوجةً للنبي صلى الله عليه وسلم.

أما زوجُك فوقع فيما نهاه الله عنه، فتَرَكَك كالمعلَّقة، فأنت لستِ بغير زوجٍ، فتتهيئين وتستعدين للتزوج، ولا ذات زوج حقيقي يقوم عليك ويعطيك حقوقك الشرعية الواجبة، مِن العدل في القسم والنفقة والكسوة ونحوها، وينفق على ابنته إلى غير ذلك من الحقوق التي قال الله تعالى فيها: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19].

وقد ذكرت أيتها الأخت الفاضلة أن أهل الخير تدخَّلوا للصُّلح بينكما، ولكنه ما زال مُصِرًّا على رأيه حتى أتمَّ العام.

والذي يظهر أن الحياةَ بينكما قد وصلتْ لطريق مسدودٍ، وأنت ترتقبين انفِراجة، وهو متصلِّب الرأي كما يظهر مِن كلامك، فلم يبقَ إلا أنتِ لتُقدِّمي تنازُلات للصُّلْح، ولتتنازَلي عن جميع طلَباتك مقابل العودة.

غير أني أُنَبِّهك قبل الإقدام على تلك الخطوة أنه يجب مُصارَحة النفس: هل حقًّا تستطيعين رُؤية أسرتك ساعتين شهريًّا؟ وهل سيأذن لأسرتك بالمجيء إليك؟ أو سيقف مانعًا دون ذلك؟ هل سيكون خيرَ آخذٍ ويُقدِّر تمسُّكك به وسعيك لِلَمِّ الشمل؟

كوني صادقةً مع نفسك، فالقولُ قولُك، ولا يمكن لأي أحدٍ مهما بلغ مِن الحكمة والدربة أن ينوبَ عنك في تقرير مَصير أسرتك، ويوازن بين هذا وذاك.

فإن كنت لا تقوين على ذلك، أو تعذَّر الاتفاقُ مع زوجك، ولو بتقريب وجهات النظر، أو لم تفلحْ هذه الوسائل ولا غيرها في علاج القلوب المتنافرة؛ فالفراقُ في تلك الحال هو الحلُّ، ولا يتصوَّر أن يحكمَ عليك أن تجلسي عمرك كله في انتظاره في رباط ظاهريٍّ، وانفصامٍ حقيقيٍّ؛ ولذلك حسم الله القضية في مثل هذه الأحوال؛ فقال تعالى: {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا} [النساء: 130]، والفراقُ سواء بطلاق أو بخُلعٍ يُغنيك الله به مِن فضْلِه، ورِزْقُك إن انقطَعَ مِن هذا الرجل، فإنَّ الله سبحانه هو المتكَفِّل بأرزاق جميع الخلْق، والقائم بمَصالحهم، وهو المسؤول سبحانه أن يرزقك زوجًا حقيقيًّا، وقد وعَد – عز وجل – كلا الزوجين أن يُغنيه مِن فضلِه هو، ومما عنده هو، وهو سبحانه يسَع عبادَه ويُوسِّع عليهم بما يشاء، وفق حكمته وعلمه بما يصلح لكل حال.

والله أسأل أن يُلهمك رُشدك، وأن يُعيذك مِن شرِّ نفسك، وأن يُقَدِّر لك الخير حيث كان.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.