سلسلة البيت المسلم وليسعك بيتك ب – الوسع المادي

ما زلتُ أذكرُ هذا البيتَ من الشعر:

لعمرُك ما ضاقت بلادٌ بأهلها        ولكنّ أخلاق الرجال  تضيقُ

ومعناه حق، فإن الوسع الحقيقي ينبعث من النفس الواسعة، فإن ضاقت النفس ضاق الفضاء على رغم اتساعه، والدليل على ذلك قول الله تعالى: {وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 118].
فهؤلاء الثلاثة، ومنهم كعب بن مالك، وحديثه يبين لنا كيف ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، فقد اعتزلهم الناس بأمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وكان كعب يدخل المسجد ويلقي السلام على النبي – صلى الله عليه وسلم – فلا يدري أرد عليه السلام أم لا، إنها الشدة المعنوية التي لا ينجلي منها نور، ولا يبرق من ظلماتها أمل، حتى نزلت توبة الله تعالى عليهم، فإذا بالضيق اتساع وإذا في الحياة نور، وفي النفس إحساس بمعنى الحياة. وفي سورة التوبة نفسها يقول الله عز وجل: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ} [التوبة: 25].
نعم ضاقت عليهم الأرض بما رحبت حيث هجم الأعداء عليهم من خنادق ومغارات لم يحسبوا لها حسابًا، فتفرق الجمع، ووهنت القوى، وكان الفرار إلا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأخيار الذين لم يتركوه، وأخذ ينادي فيهم قائلا: ((أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب)).فلما أنزل الله سكينته وجنوده اتسع ما ضاق، وتجمع ما تفرق؛ قال تعالى: {ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الكَافِرِينَ} [التوبة: 26].
والوسع المعنوي الذي سبق تناوله يحققه الشعور بالسكن والإحساس بالمودة، والتنعم بآيات الرحمة، فإن ضاق البيت في الظاهر، فإن وسع النفوس يقلل الشعور بهذا الضيق. ولكن هل يتعارض ذلك مع السعي إلى توسيع الضيق واتخاذ الواسع؟
والجواب: أن الدين لا يدعو إلى الضيق، فقد جاء في الحديث الشريف أن الشؤم في المرأة والدابة والدار؛ امرأة سليطة اللسان سيئة الخلق، ودابة غير راحلة، لا تحملك إلا على عناء، ودار قال العلماء في مظاهر شؤمها: “إما أن تكون ضيقة، وإما أن يكون جيرانها جيران سوء”.
فالضيق لا يأتي بخير، وأما قول الشاعر فمحمول عندي على الضرورة، يعني إذا لم نجد بدًّا من الضيق حيث لا بديل كان علينا أن نوسع من أنفسنا لتتسع لنا بيوتنا. وأنا ألحظ موازنة عجيبة يغيب عنها اختيارٌ ثالث؛ فتلك الموازنة تكون بين واسع من البيوت مع فساد علاقة، وبين ضيق من البيوت مع حسن معاشرة.

وأنت إذا عرضت هذه الموازنة على الناس وجدتهم يختارون الثاني، وأنا أقول: فأين وسع البيوت مع حسن المعاشرة؟
إن هذا الاختيار الثالث هو ما يستقيم مع دين الله؛ لأن الله عز وجل وصف الأرض بالوسع، فقال سبحانه في: {قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10].
ووصف الجنة بالوسع، فقال عز وجل: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133].
فالوسع في الدنيا والآخرة لمن وفقه الله عز وجل، فلا دعوة إلى الضيق؛ لأن الضيق عذاب، والدليل على ذلك قول الله –سبحانه–: {بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً *إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً * لاَ تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً} [الفرقان: 11-14].
فانظر كيف عبر عن لون من ألوان التعذيب بالضيق أعاذنا الله منه في الدنيا والآخرة، ووسع علينا في الدارين. إنَّ سعينا إلى اتساع بيوتنا يجب أن يكون في معادلة مع اتساع أخلاقنا وأنفسنا. فمن الرجال من تراه يتمنى أن يكون بيته واسعا، ولكن كما قال شوقي:

ومـا نـيـل الـمـطـالـب بـالـتـمـنـي

وما نود أن نلقي عليه الضوء: هو أن بعض هؤلاء همه في بطنه وملذاته، يقول: أن لا أحرم أولادي شيئًا، وهات يا نفقات في المأكل والمشرب والملبس والمصيف والمشتى، ولو اعتدل في ذلك لتوفر له ما يشتري به بيتًا واسعًا، لكنه أخلد إلى الملذات، ونسي أمر التفريق بين الأولاد والبنات، وأن صغيره الذي ينام في حضن أمه إلى جواره سوف يكبر وينأى عن هذا الحضن لينفرد بمضجعه، إذ لم يعد يصلح أن يلتصق بها وهو شاب كبير، فماذا فعل أبوه؟ وعلى الدولة كذلك مسؤولية في البناء والتعمير، وتشجيع الناس على ترك الضيق مع توفر أسباب الترك من عمل ومدرسة وغيرهما، حتى لا تنفجر القطعة الضيقة من المعمورة عن سكانها كالمسمار الذي قال له لوح الخشب: لم خرقتني؟ فقال: من شدة الدق على رأسي!

____________________
بواسطة:

الدكتور مبروك عطية

____________________
رابط الموضوع: https://www.alukah.net/social/0/4232/7F

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.