رسالة إلى زوج ابنتي وابنتي المتخاصمين 

زوج ابنتي الحبيب

ابنتي الحبيبة

السلام عليكم

أدعوك يا ولدي أنت وابنتي والكتاكيت أن تزورونا بمنزلنا هذه الأيام؛ لتغيروا الجو، وتهدأ نفوسكم.

أقترح يا ولدي أن تطلب عطلة من عملك؛ وتشرفونا غدًا أو بعده.. أنت عاقل وتأتي من عائلة مباركة وطيبة السمعة؛ ونحن نفخر بك.

ومثلك يا بني يعرف أن تغيير الجو يصفي البصيرة ويجلي نظرة الإنسان للأمور، فترتاح نفسه وينشرح خاطره.

أتمنى أن تكون عطلتك لأسبوعين أو أكثر حتى نأنس بكم.

وإذا أعطوك إجازة قصيرة فأدعوك أن تشرفنا بزيارة على قدر إجازتك؛ وارجع عند انقضائها لعملك؛ وبعدها بأسبوع أو أكثر فارجع إلينا وخذ أم عيالك وأمانتك لبيتكم وعشكم.

ابني وابنتي؛

الحياة الزوجية – في الحقيقة والواقع والتجربة والممارسة – ليست مسلسلا تليفزيونيًّا تركيا أو فلما خياليا ومنفصما عن الواقع و محشوا بالسعادة في كل لحظة.

بل الحياة الزوجية هي مشروع عمل مشترك ومستمر بين الزوجين؛ له رأس مال، وخطط عمل، أهدافه ممرحلة و متدرجة في بناء هذه السعادة لبنة بعد أختها، وفوق لبنات سبقتها، وقد يخسر أحيانا ويربح في أخرى.

إن أغلب المتزوجين في العالم يمرون بمشاكل وصعوبات في التكيف خصوصا في أول الحياة الزوجية؛ وهذا متوقع و طبيعي جدًّا جدًّا، واسأل كبار السن من المجربين؛ ولا تسل قليلي التجربة؛ واذكر أن بيت رسولنا محمد خير البشر كان فيه مشاكل وخصام؛ وهو مع ذلك قدوتنا بصبره و بحلمه و أدبه ورحمته ومعاملته الراقية مع زوجاته وارشاده لنا؛ وهو القائل: “خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي” [حديث صحيح،  أخرجه ابن ماجه (1977) وصححه الألباني].

تحدث المشاكل الزوجية عادة – وليس استثناء – لأسباب كثيرة منها: زيادة المسؤوليات على الزوجين، وضغط العمل خصوصا على الزوج في مستهل مساره الوظيفي، والطموح والتحدي، والإجهاد الجسدي والنفسي للطرفين.

إن من أوضح هذه الأسباب للمشاكل الزوجية ما يأتي نتيجة الانتقال من هدوء ونعومة وقلة مسؤولية مرحلة ما قبل ولادة الأطفال إلى مرحلة ما بعد الأطفال؛ حيث تزداد المسؤولية على الزوجين عموما وعلى الأم خصوصا في مجتمعاتنا الشرقية، والتي يزيد فيها عرفا وليس شرعًا حمل وجهد الأم في التربية على ما يحمله الأب!

في هذه المرحلة الانتقالية المضطربة ينافس الأطفال والانشغال المستمر بهم اهتمام كل زوج بالآخر، فبعد تفرغ الزوجة للزوج والزوج للزوجة في مستهل الحياة الزوجية تأتي مرحلة مشغلة ومختلفة.

مرحلة ما بعد ولادة الاطفال:

إنها مرحلة تزداد فيها المسؤوليات بازدياد الأطفال وأعباء التربية.

ويحتاج الزوجان في هذه المرحلة خاصة لكثير من الصبر والحكمة؛ وكما يحتاج الزوج خصوصا – لكونه قائد الأسرة – إلى قيادة هادئة وإدارة حكيمة ورجولة – وليس مجرد ذكورة – تترجم في هدوء تفهم الزوج للمرحلة وتحمله للمسؤولية؛ ويضاد هذه القيادة المطلوبة من الزوج والضرورية تهرب بعض الأزواج من حمل المسؤولية؛ و التي تزداد مع مقدم الأطفال؛ و إن المرء ليأسف حين يرى أنماط حياة وسلوكيات بعض الازواج – والظن بكم جميل وراقي- غير الناضجين؛ والذين يتنصلون بلا خجل من مسؤولية أسرهم بعد مقدم أطفالهم؛ فترى هؤلاء الأزواج يهربون من بيوتهم وأطفالهم لساعات متطاولة إلى المتنزهات والاستراحات والمقاهي والاسواق؛ ويتركون زوجاتهم – و لعلهم بهذا تناسوا أنهن بشر مثلهم – يواجهن لوحدهن مسؤولية العناية بالأطفال وإعداد الطعام وتنظيف المنزل؛ ولا تستوي مهمة العناية بطفل واحد ومهمة العناية بطفلين أو ثلاثة متقاربين في العمر؛ ولا ينبيك مثل خبير؛ والرجل الشرقي عموما – ومع الاسف – عديم الخبرة هنا؛ ويميل إلى التهوين من جهد الأم في تربية الأطفال ويتقاله ولا يفهمه ولا يقدره حق قدره.

ابني وابنتي:

كما يحتاج الزوجان في بناء صرح الزوجية للإفادة من أمثلة وقدوات ممتازة ناجحة ومختارة ممن حولهم؛ وبصراحة مرة ولكنها ضرورية، فليس كل ما رأينا أباءنا وأمهاتنا يفعلون في بيوتهم يصلح أن يكون قدوة صالحة ومثالا يحتذى، نقول هذا مع إجلالنا لهم وبرنا بهم؛ فهم مثلنا بشر مجتهدون يخطئون ويصيبون.

إن مرحلة ما بعد قدوم الأطفال هي بصراحة – ولا مهرب للزوجين من قبولها – مرحلة الحفائظ (القماط) المتسخة؛ وبكاء الأطفال بلا سبب؛ وتنظيفهم المستمر، واطعامهم، وتجهيزهم للنوم،؛ وعلاجهم، ولباسهم؛ وغسلهم، والسهر على راحتهم، ومراقبتهم المستمرة التي لا تكاد تعرف حدا ولا نهاية.

الأمومة: يا له من عمل مشغل ومنهك، يستغرق ٢٤ ساعة في كل ٢٤ ساعة؛ لا ينتهي وليس منه عطلة أو مهرب حتى في الأعياد.

لكنني أبشركم يا ابني وابنتي؛ فيمكنكما ببعض التنظيم والادارة والتعاون بينكما أن توفرا وقتا خاصا وهادئ ومريحا ومشحونا بالحب لكما ولنزهاتكما الخاصة مثلما كنتما تفعلان قبل ولادة أولادكما.

هاكما مثالًا ومقترحًا عمليا ومجربا:

بإمكانكما تنسيق ترك الاطفال مع أغراضهم أمانة عند صديقة موثوقة مجانا أو بمقابل لأربع ساعات؛ ترجعون خلالها عرسانا بورود وشموع وعطر وغزل وتودد وتلطف وتقارب وحسن تبعل.

لتذهبا خلال هذه السويعات إلى ممشى جميل أو حديقة مبهجة أو مطعم ذي جلسة وزينة رائعة؛ والهدف هنا كما لا يخفاكما هو أكثر من كوب قهوة وطعام؛ الهدف أن تخففا قليلا على نفسيكما من حمل رعاية الأطفال؛ وتوقظا لواعج الحب بداخلكما، وترفعا عنه كوم القماط المتسخ والحليب المسكوب والسيريلاك المنتثر ودوامة صراخ الأطفال وبكاءهم.

تذكرا يا أحبتي قول ربنا سبحانه وجعل بينكم مودة (أي حبًّا) ورحمة؛ فلا تقوم الحياة الزوجية إلا على عمودين متينين: المودة والرحمة؛ يساند كل منهما الآخر.

هيا احبتي؛ وليتعال كل منكما عن الأنانية والتقوقع حول الذات وطلب ماله ونسيان ما عليه؛ ولينهزم كل منكما لله وابتغاء مرضاته.

ولتذكرا أن كلا منكما شريك وند للآخر

وليس أحد منكما مجرد خادم مستحقر للآخر

وأن قوامة الرجل لا تعني بحال الظلم والتكبر وإهانة الزوجة وتحميل طرف الآخر ما لا يطيق.

إن القوامة في حقيقتها هي مزيد مسؤولية للزوج وتكليف ثقيل؛ وليست لقبا أجوف، أو شعارًا خاويا يفتقر لدليل التطبيق العملي اليومي المتزن والحكيم.

إن حمل الزوجية والأبوة موزع بينكما، فأنتما شريكان، و”النساء شقائق الرجال”؛ وهذا قول من لا ينطق عن الهوى.

احترما أنفسكما؛ واحترما بعضكما.. تراحما فيما بينكما.. نظما حياتكما؛ واطردا منها الفوضى ومضيعة الوقت والمال، هبَّا ولتتعاونا وتتشاركا في حمل حياتكم، والعاقل دوما يتعلم من أخطائه ويتعظ بأخطاء غيره؛ وما يكررها؛ وأنتم عقلاء!

أخبركم أنا محدثكم، وعمري ستون سنة؛ ومع أنني أجل والدي وأعظم قدره؛ لكنني أعترف بصراحة وأمانة ببعض أخطاء والدي وقسوته وغلظته وشدته مع والدتي رحمهم الله جميعا؛ وكما أحرص مع تعظيمي لقدر والدي ألا أقتدي بهذه الأخطاء وألا أكررها بلا تعقل.

إن العاقل – مثلكما – ليعترف أن الغضب حين يملك الإنسان يسكره و يدمره؛ بل ويدمر من حوله ممن يحب؛ وبعدها لا ينفع الندم.

كما أن العنف والسباب والتجريح وكيل الاهانات والتلاوم مسلك وخيم ومخجل لا يليق بكما الاثنين.

تذكَّرا دومًا حبكما لأولادكما واجعلاه يقربكما ويجمعكما ويقويكما.

هل تظنان زواجكما نزوة عابرة لسنة أو اثنتين؛ أو لتنشغلا بأنانيتكما عن مصلحة أولادكما عاجلا وآجلا؟

إذا كنتما تحبان أولادكما حقًّا وصدقا فلا تجنيا عليهم بحمقكما، ولا تدمرا أنفسكما وأولادكما، وتخربا عشكم الجميل بأيديكما.

أودعا مشاكلكما واحصراها في داخل بيتكما؛ ولا تشركا الآخرين بها حتى لو كانوا مثلنا من أقرب الأقربين؛

وعالجا خصامكما، وحلا خلافكما بهدوء بينكما فقط بما يرضي الله، وتعاليا على الكبر والعزة بالإثم؛ ولينصف كل واحد منكما الآخر من نفسه لوجه الله تعالى.

ابني العزيز وابنتي العزيزة:

أنا وأمك وأخواتك ننتظر زيارتكما الجميلة؛ فعجلا بها.

وأبشركم بأن بعد العسر يسرا، وبعد الخلاف حياة أسعد وأقوى.. حياكما الله.

التوقيع

جد أولادكما

___________________________
بواسطة:هشام محمد سعيد قربان.

___________________________

رابط الموضوع: https://www.alukah.net/social/0/145507/#ixzz7KQXQufBz

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.