دعوة إلى الزواج

عبادَ الله:
السعادةُ في هذه الحياة مطلبٌ عظيم، ومقصدٌ جليل، يسعى إليها كلُّ حي، ينشدها بكل وسيلة، ويطلبها في كل سبيل، غيرَ أن السعادة والطمأنينة في هذه الحياة، لا تحصل إلا بما شرع الله – عز وجل – لعباده، وما أرشدهم إليه من طاعته ومرضاته، والأخذ بما وضع الحق – جلا وعلا – من سنن، وما شرع من أسباب، وإن مما شرع الله – عز وجل – من أسباب السعادة، وجَبَل النفوسَ عليه: الارتباطَ برباط الزوجيَّة.

أيها المسلمون:
لقد رغَّب الله – عز وجل – في كتابه في الزواج بصور متعددة؛ فتارةً يخبر أن الزواج آية من آيات الله الدالَّةِ على حكمته، والداعيةِ إلى التفكُّر في عظيم خلْقه وبديع صنعه؛ {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21]، وأحيانًا يَذكُر الزواج في معرض الامتنان: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ} [النحل: 72]، وتارةً يخاطب خليلَه مبينًا أن الزواج من سنن المرسلين قبله؛ {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً} [الرعد: 38].

عباد الله:
لأجل ما في النكاح من المصالح العظيمة، والمنافع الكبيرة؛ أمَرَ الله – تعالى – به في قوله: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النساء: 3]، كما رغَّب فيه سيدُ المرسلين بفعله، وحثَّ عليه بقوله: ((وأتزوَّجُ النساء، فمن رغِب عن سنتي، فليس مني))، ووجَّه شبابَ الأمة إلى المبادرة بالزواج، حينما يجد أحدهم في نفسه القدرةَ على تحمُّل المسؤولية، والقيام بشؤون الحياة الزوجية؛ فقال – عليه الصلاة والسلام -: ((يا معشر الشباب، مَن استطاع منكم الباءة، فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع، فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء))؛ رواه البخاري ومسلم.

أيها المسلمون:
إن الإسلام يحثُّ على الزواج، حتى في الأحوال التي يريد فيها الإنسان أن يتبتَّل وينقطع للعبادة؛ أتى ثلاثة رهط إلى منزل النبي – صلى الله عليه وسلم – فسألوا عن عبادته، فكأنهم تقالُّوها – أي: رأوها قليلة – فقال أحدهم: أما أنا، فأصوم فلا أفطر، وقال الآخر: أما أنا، فأقوم ولا أرقد، وقال الثالث: وأما أنا، فلا أتزوج النساء، فلما سمع النبي – صلى الله عليه وسلم – بمقالتهم، قال لهم مبِّينًا السبيلَ الأقوم: ((ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟! أمَا والله إني أقوم وأرقد، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغِب عن سنتي، فليس مني))؛ أخرجه الشيخان.

أيها المسلمون:
إن ديننا دينُ يسرٍ وفسحة، يراعي الفِطَرَ ويحافظ عليها؛ ولذا لم يرضَ – صلى الله عليه وسلم – فِعلَ هؤلاء الثلاثة، وبيَّن لهم أن فعلهم منافٍ للفطرة، ومغايرٌ لسنة الأنبياء والمرسلين، ونبههم إلى أن العبادة لا تكون عائقًا أمام الملذَّات المباحة؛ بل تكون هذه الملذات من العبادة ذاتها، كما قال: ((وفي بُضْعِ أحدكم صدقةٌ))، فقال أحد الصحابة: أيأتي أحدُنا شهوته، ويكون له فيها أجر؟! قال: ((نعم، أرأيتَ لو وضعها في حرام، أكان عليه فيها وزر؟ كذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر))؛ أخرجه مسلم.

عباد الله:
إن النفس الإنسانية قد أودع الله فيها غريزةَ ميل الرجل إلى المرأة، وميل المرأة إلى الرجل، ولا حيلةَ للبشر في دفع هذه الميول الغريزية، ولا خير لهم في كبْتِها واستئصالها، ولقد شرع الله – سبحانه – الوجهة التي تهذب من خلالها تلك الغريزة بلا فساد ولا فوضى، وتلك الوجهة هي الزواج واختيار المرأة المناسبة، وإلا فلو بقي الرجل أو المرأة دون لقاء مشروع، لحصل الفساد الأخلاقي، وانتشرَتِ المحرَّمات، وشاعت المنكرات؛ قال – صلى الله عليه وسلم -: ((إذا أتاكم مَن ترضون دِينه وخُلقه، فزوِّجوه، إلا تفعلوا، تكن فتنةٌ في الأرض وفساد عريض))؛ رواه الترمذي وإسناده صحيح.

أيها المسلمون:
إن من أبرز ما يقف أمام الشباب في طريقهم نحو الزواج: تلك التكاليفَ الباهظة التي تثقل كواهلهم، وتجعلهم حبيسي الدَّيْن، وربما حبيسي الغرف خلف القضبان، ولقد تكفَّل الله – سبحانه – بجعل الزواج سبيلاً إلى الغنى؛ يقول – سبحانه -: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [النور: 32]، قال أبو بكر الصديق – رضي الله عنه -: أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح، ينجز لكم ما وعدكم من الغنى، وقال ابن عباس – رضي الله عنهما -: رغَّبهم الله – تعالى – في التزويج، ووعدهم عليه بالغنى، فقال: {إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}، وقال – صلى الله عليه وسلم -: ((ثلاثة حقٌّ على الله عونهم…))، وذكر منهم: ((الناكح يريد العفاف))؛ رواه الترمذي والنسائي وإسناده صحيح.

أيها المسلمون:
ما منا أحدٌ إلا وهو يكره أن يرى شابًّا من شباب المسلمين قد زلَّت به قدمه إلى فاحشةٍ، فأصبح غرضًا مستهدفًا لشبكات البِغاء والدعارة، وما منا من أحدٍ إلا ويغار على حرمات المسلمين أن تُنتهكَ وتلغَ فيها الذئاب، وما منا من أحد إلا وهو كارهٌ أن تشيعَ الفاحشةُ في مجتمعات المسلمين، فلماذا إذًا كل هذه المشقة والإعناتِ في الزواج؟! لماذا إذا جاءنا أحدُهم يطلب الأمر من حِلِّهِ، ويطرقُ الحلال من بابه، أوصدناه دونه، وأقمنا له من الأحمال ما يثقل كاهله، ويضطره للديون، ويكرِّهُه في طَلِبته؟! أهكذا تكون إعانتُنا له على ابتغاء الحلال وتيسيرُه له؟!

كم هو عجيب أمرنا! نتذاكر سماحة الإسلام ويُسرَه إذا توجَّهت إلينا تكاليفُه، فإذا جاءنا خاطبٌ يبتغي العفاف في النكاح، نسينا سماحةَ الإسلام ويُسرَه، وتذكَّرنا شيئًا واحدًا، وهو أن بناتِنا لسْن بأقل حظًّا ولا قدرًا من غيرهن، وكأننا في سباق مضاهاةٍ وسُمعة، ولنتذكَّر – عباد الله، ونحن مصرُّون على تعسير الزواج – أنَّ الفاحشةَ قد ذُلِّلتْ أسبابُها للشبابِ تذليلاً، وكثرت أمامَهم مُغرياتُها، وبرزت للعيان إغراءاتُها، فما انفتحتْ أبواب الفساد، إلا لما وضعت العراقيل أمام الراغبين في الزواج؛ بل لم ينتشر الانحلال والدعارة، وما وراء ذلك وقبله، من المعاكسات، والعلاقات المشبوهة، والسفر إلى البيئات الموبوءة، والمستنقعات المحمومة، إلا بسبب تعقيد أمور الزواج، لا سيما مع غلبة ما يخدش الفضيلة، ويقضي على العفَّة والحياء، مما يُرى ويُقرأ ويُسمع، مع ألوان الفساد الذي قذفتْ به المدنيَّةُ الحديثة، وحدِّث ولا كرامة عمَّا تبثُّه القنوات الفضائية، والشبكات المعلوماتية التي تفجر براكين الجنس، وتزلزل ثوابت الغريزة، وتدمِّر قيم الأمة وأخلاقها، فإلى الله المشتكى، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

عباد الله:
إن من منافع النكاح وأهدافه: صرْفَ الإنسانِ نظرَهُ عن التطلُّع إلى ما لا يحلُّ له، وإحصان فرجه وحفظه؛ ولذا أمر النبي الشبابَ بالمبادرة إلى الزواج والمسارعة إليه، متى ما وجد الشاب ميلاً غريزيًّا في نفسه إلى المرأة ودافعًا إليها، فقال: ((يا معشر الشباب، مَن استطاع منكم الباءة، فليتزوَّجْ؛ فإنه أغضُّ للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع، فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء))؛ متفق عليه.

أيها المسلمون:
إن من آثار اتِّباع سنة محمد – صلى الله عليه وسلم – في الزواج: حصولَ الأُنس والمودة، والراحة والطمأنينة بين الزوجين، وقد صوَّر ذلك القرآن الكريم وبيَّنه بألطف عبارة، وأدقِّ تصوير؛ قال – جلا وعلا -: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21]، قال الإمام ابن كثير – رحمه الله تعالى -: “ثم مِن تمام رحمته ببني آدم أن جعل أزواجهم من جنسهم، وجعل بينهم مودة – وهي المحبة – ورحمة – وهي الرأفة – فإن الرجل يمسك المرأة؛ إما محبةً لها، أو لرحمته بها، بأن يكون لها منه ولد، أو محتاجة إليه في الإنفاق، أو للألفة بينهما، وغير ذلك. اهـ.

عباد الله:
الزواج سبب لتحصيل الذرية، وتكثير النسل، وقد ندب النبي – صلى الله عليه وسلم – أمَّته إلى ذلك؛ فقال: ((تزوَّجوا الودود الولود؛ فإني مكاثِرٌ بكم الأممَ يوم القيامة))؛ رواه أحمد وغيره، ثم إن الوالدين ينالهم بسبب الأولاد الذين يأتون بالزواج خيرٌ عظيم، وفضل عميم، فإضافة إلى أنهم زينة الحياة الدنيا، فإنه ليس أحب إلى الإنسان من ولد صالح يسعى في برِّه بطاعته وخدمته في حياته، وبعد وفاته يدعو له بالمغفرة والرحمة والرضوان.

أيها المسلمون:
إن في الزواج فتحًا لطريق من طرق تحصيل الأجر والثواب؛ فإن الرجل قد أوجب عليه الشرع الإنفاقَ على أهله وأولاده ورعايتهم، وحسن تعليمهم وتأديبهم، وهو بهذه الأعمال ينال الأجر والثواب، ويحتسب ذلك عند الله؛ وقد قال – صلى الله عليه وسلم -: ((دينار أنفقتَه في سبيل الله، ودينار أنفقتَه في رقبة، ودينار تصدَّقتَ به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلِك، أعظمُها أجرًا الذي أنفقتَه على أهلك))؛ رواه مسلم، وفي الصحيحين: أنه – صلى الله عليه وسلم – قال: ((إذا أنفق الرجل على أهله نفقة وهو يحتسبها، كانت له صدقة)).

بارك الله لي ولكم…

الخطبة الثانية

عباد الله:
إن الدعوةَ إلى تيسير الزواج لا تعني الرضا بأي خاطب، بحيث تُزفُّ العفيفةُ للفاجر، وتُزوَّجُ ذاتُ الخُلق بسيِّئ الخلق؛ إنما هي دعوة تتمثَّل وصيةَ رسول الله: ((إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه، فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرض وفساد عريض))؛ رواه الترمذي وإسناده صحيح.

أيها المسلمون:
إننا نريد من شبابِنا أن يُعظِّموا رباطَ الزواجِ المقدَّس، وأن يَقدُروه حقَّ قدره، ويستشعروا مسؤوليتَه، ولكن ليس من تعظيم رِباطه المقدَّسِ أن نشقَّ على طالبيه بفرض الرغبات، ونجعلَ من أموالهم مادةً للمباهاة، وليس من تعظيم مسؤوليتِه في أعينهم أن نشق عليهم بفرضِ الشروط والمغالاة والبذخِ، ولو كانت المغالاةُ في المهور، والبذخُ في الأعراس يزيدُ من تعظيم الشباب لرباط الزواج المقدس، لشرعه الإسلام سبيلاً يهدف إلى هذا المقصد الشرعي، ولَمَا قال – صلى الله عليه وسلم -: ((أعظمُ النساء بركةً أيسرُهن صداقًا)).

أيها المسلمون:
كم في مجتمعات المسلمين اليوم من فتيان وفتيات حِيلَ بينهم وبين ما يشتهون من الرغبة في النكاح، وبناء الأسرة، والعيش تحت ظلها الوارف؛ بسبب التكاليف الباهظة، أو العادات والتقاليد المخالفة لهدى الإسلام؛ مما أدَّى إلى مفاسدَ كبرى تنوء بحملها تلك المجتمعات، ألا فاتقوا الله – رحمكم الله – وتناصحوا فيما بينكم، وتعقلوا كل التعقل في أمور الزواج، ولا تتركوا الأمر بأيدي غيركم من السفهاء والقاصرات، ولتتضافر منا الجهود، ولا سيما من ذوي التأثير فينا من العلماء، والوجهاء، وحملة الأقلام، ورجال الإعلام، وأصحاب الثروة والمال، في الحث على تسهيل أمور النكاح وتيسير أسبابه؛ تحقيقًا لمصالح الأمة، ودرءًا للأضرار والأخطار عنها.

عباد الله، صلوا على الرحمة المهداة…
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بواسطة : الشيخ أحمد الفقيهي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.