خاتم من حديد

الإسلام دين يسر واعتدال. جملة تعاليم تنتصر للحد الوسط بين التفريط و الإفراط، وبين الشدة و الرخاوة، وبين الانبساط و الانقباض.لكنه، للأسف،لا يزال يسرا حبيس الخطب المسبوكة و المواعظ البليغة، أما واقع الحال فيبدو مثقلا بالتقاليد الموروثة،والعادات الاجتماعية المجافية حتى للعقل و المنطق السليم.

إن رحلة شباب المسلمين اليوم لتحقيق مطلب الزواج لا تقل مكابدة و أهوالا و مطبات عسيرة عما لقيه المغامرون في أعالي البحار و الأصقاع الخالية. بعضهم يُفني شبابه و صحته كي يحقق بنية استقبال تستجيب لمتطلبات زوجة الغد و أهلها وعشيرتها، بينما البعض الآخر يصرف النظر كلية عن فكرة الزواج التي تسلبه متعة حياة طليقة وحرة تعرض كل المباهج و بأبخس الأسعار ،في حين آثرت البقية طرح فكرة الزواج للتداول في سوق الأسهم، و السعي لنيل صفقة مربحة تحقق عائدا شهريا،أو ثروة محترمة،أو منصبا غير مستحق ! وبذلك أضحى الزواج مقاولة رائجة يحكمها قانون العرض و الطلب ،و الشروط المنظمة للصفقات و العقود المالية،بينما تدحرجت مبادئ العفة و الإحصان،وتكثير سواد المسلمين لتستقر في بطون كتب السلف وأخبار الصالحين ،يستعيدها الخطيب على منبره، أو الواعظ في مجلسه من باب التحسر على ما كان،ورثاء الأجنحة المهيضة التي ما عادت تحلق بنا في سماء الدين و القيم !

بعض الغيورين على صورة الزواج الإسلامي السعيد ،وذوي النيات الحسنة الذين لا يخلو منهم زمان ولا مكان،بادروا إلى تنظيم زيجات جماعية،ودعم الشباب التواق إلى إحياء سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم في زمان القنبلة الجنسية،كما يسميها الشيخ محمد الغزالي رحمه الله .غير أن الإعلام الميال إلى توسيع دائرة الترفيه و الميوعة على حساب الثقافة النافعة التقط الإشارة، وانبرى لتحرير هذه المبادرة من بعدها القيمي والإنساني،لتندرج ضمن صناعة الفرجة و التسلية،والتي لا هم لأصحايها غير الرفع من نسب المشاهدة،وتحقيق الإثارة بأقل تكلفة .

ضمن هذا السياق يمكن الحديث عن برنامج ترفيهي تبثه القناة المغربية الأولى بعنوان ” لالة العروسة”. برنامج يتبارى من خلاله شباب مقبلون على الزواج للفوز بحفل عرس و رحلة استجمام. قد لا يكون التباري بحد ذاته نقيصة، لكنه في هذه الحالة يُزري بتلك العلاقة المصونة،ويُسهم في ابتذالها وتحريفها عن مقاصدها لتصبح مضمارا للنجومية الزائفة.بل بلغ الأمر في المواسم الأخيرة أن تم إقحام الأم في فقرات المسابقة وتحويلها إلى فرس ثالث في الحلبة ، وبذلك يحتدم التنافس، ويحظى البث المباشر بنسبة مشاهدة تحقق الجدوى الاقتصادية التي عليها مدار الأمر كله.إن مما يثير الشجن حقا أن تبلغ السطحية و الخواء القيمي حد إفراغ تلك الرابطة الإنسانية من مقاصدها الحقة لتكتسي بعدا ماديا مفزعا، يدفع بالشاب الغِر لأن يجعل من الأم و الحماة أضحوكة لملايين المشاهدين عبر العالم, ومادة للفرجة تعزز رصيد النقاط في تنافس يعكس السطوة الإعلامية على ما تبقى من أنفة و غيرة !

غير أنه، ومن باب الإنصاف و التجرد، ينبغي الإقرار بأن الإعلام ما كان له أن يسيء لآصرة الزواج لو لم يجد في التقاليد الموروثة،و العادات الاجتماعية ما يزكي طرحه.هذا الموروث الذي حرف مقصود الشرع،ليجعل من تلك العلاقة الإنسانية وسيلة للمباهاة وتعزيز الثروة والنفوذ ! وبذلك سنحت الفرصة للإعلام كي يبالغ في الإساءة، ويجرد المرأة من قيمتها الإنسانية ليجعل مرادها من الزواج حاجات دنيوية كالسكن و الملبس و الأسفار و الابتلاع المفرط لكل جديد في الأسواق !

إن الرسول صلى الله عليه وسلم لما أجاب الراغب في الزواج قائلا ” التمس ولو خاتما من حديد” كان يدفع بهذه الآصرة إلى ما هو أبعد من المتاع الزائل. فليست قيمة الصداق أو نفقات الزفاف وما يخلفه من صدى في البلدة هي الغاية و المنتهى،بل ما ينشأ عن هذا الرباط من مودة و تعاون على البر و التقوى،وتفعيل لوظيفة الأسرة المسلمة باعتبارها النواة الضامنة لتماسك المجتمع و استمراريته. إن عقد الزواج الذي ينشأ بين المسلم و المسلمة،هو رابطة ولاية ووفاق يتحول بها المجتمع إلى خلية ناشطة لها منهج و غاية، أما المجتمع الوضيع،كما يوضح الشيخ محمد الغزالي في كتابه ( قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة و الوافدة) فهو الذي يفهم الزواج على أنه عقد انتفاع بجسد، أو يعرفه بأنه امتلاك بضع بثمن، أو يراه شركة بين رجل تحول إلى ضابط برتبة مشير لديه امرأة برتبة خفير ! فأين الود و التراحم و الشرف ؟؟

وليس الأمر في زماننا وقفا على الإعلام وحده،بل إن المقاربة الحقوقية،ورزمة القوانين التي حرصت على توفير ضمانات للزوجة و الأبناء، وتفعيل مسطرة حازمة عند الإخلال بمتطلبات البيت و الأسرة ،قد أسهمت في تبديد جو الثقة وإثارة المخاوف،مما كرس عزوفا ملحوظا عن الزواج،وتسويقا للذرائع التي تطيل أمد العزوبة،وتعفي الشباب من الإقدام على مغامرة محفوفة بالمخاطر !

لاشك أن تحرير الزواج من قبضة الإعلام المسيطر على فضائنا الثقافي و الاجتماعي مدخل حيوي لاستعادة الثقة في الدور السامي الذي تحققه آصرة مبنية على المساواة الحقة و الشورى،وتنشئة الجيل الصالح .فليس البعد المادي وحده هو المتحكم في تدبير علاقة أضفى عليها الرحمن صفات المودة و السكون والرحمة، وليست الأنانية و التباهي وحب الظهور  مقاصد تبنى عليها البيوت،وتنهض عليها الحياة المشتركة بين طرفين .يقول الأصمعي في وصية لا تخلو من جدة وطرافة لمن يرغب في الزواج : ( إذا هممت في الزواج وأخذت  في الاختيار فإياك أن يغلبك هواك على عقلك،فتؤثر بريق الجمال العاري من الكمال على كريم الخلال، وشريف الخصال.فأنت إنما تختار شريكة العمر ،وعشيرة الدهر، ولست تختار اليوم لتتحلل غدا،وإذن فمن الخير تغليب العقل على الهوى، ومن صواب الرأي استعمال الأناة و التؤدة إلى أن تظفر بذات الدين و الخُلق فتؤثرها بالاختيار على غيرها من سائر النساء.وفي ذلك السعادة الزوجية التي لا تكلفك من أمرها عسرا، ولا تطلب مالا قدرة لك عليه.ترضى بالمقسوم  وتكون معك على الأيام،لا تتشكى و لا تتسخط ،إن وجدت حمدت،و إن لم تجد صبرت .تملأ دارها أمنا و رضى واطمئنانا. زوجها منها في يسر ومسرة،وولدها معها في خير. هي خير النساء جميعا ).

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.