حكم عمل المرأة عند الحاجة وضوابطه

السؤال: السلام عليكم، الحمد لله استجاب الله لدعائي، وهداني لسبل السلام، الحمد لله التزمت باللباس الشرعي المفروض على نساء المؤمنين، أقوم بواجباتي، وأحافظ على رتبي، وأحاول التحسين في أعمالي، وعبادتي، لكن كل هذا أقوم به وحدي، ولا مرشد لي ينتقدني، أو ينبهني، مرات أخاف أن أكون على غير الصواب، ومرات أقرأ فوائد ومعلومات أفهمها، لكن أحتار كيف أعمل بها، والله المستعان.

من الجهة العملية: بعد أن أكملت دراستي – تخصص إدارة الموارد البشرية – بدأت في العمل بشركة في منصب “مسيرة”، مهامي: تدقيق المحاسبة، ومراجعة الحسابات، وموارد بشرية – في مكتب خاص بي.

المشكلة: أن المدير يتردد على المكتب؛ لغرض تمشية العمل، كأن يطلب عمل فواتير، أو شيئًا يخص أحد العمال، إلى غير ذلك، ولا يدخل المكتب سواه، إلا بطلب الإذن عند الضرورة، مع العلم أن العمال يعملون في المخازن والمستودعات بعيدين عن مكتبي، ومن جانب آخر: أنا يتيمة الأب، ولا أحد من إخواني يقوم على مصاريفي؛ يعني: إن لم أشتغل، فمن سيقوم على شؤوني؟ والله بكل شيء خبير لطيف.

المهم: هذه حالي إن خرجت للعمل، أنهكني التفكير في حالي – طول اليوم أكرر في قلبي: أستغفر الله وأتوب إليه – لأنني أحس أنني أعصي الله، ومن جهة أخرى: خِفْتُ المُكُوث في البيت، وبعدها نصير أنا وأمي أذلة نطلب المصروف، ولن أرضاه لأمي أبدًا، فهل من جواب يشفي حالي من وسواس العصيان؟!

الإجابة: الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومن والاهُ، أمَّا بعدُ:

فمعلوم أن الخلوة محرمة بالاتفاق، ودليل ذلك ما ورد في “الصحيحين” عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: «لا يخلون رجل بامرأة، إلا مع ذي محرم». وقال – صلى الله عليه وسلم -: «ألا لا يخلون رجل بامرأة، إلا كان ثالثَهما الشيطان»؛ رواه أحمد والترمذي عن ابن عمر – رضي الله عنهما. وروى الطبراني عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس بينها وبينه محرم». قال الإمام النووي – في “شرح مسلم” (5 / 4) -: “وأما إذا خلا الأجنبي بالأجنبية من غير ثالث معهما، فهو حرام باتفاق العلماء”. اهـ.

وعليه؛ فإذا كان وجود المدير، أو غيره في مكتبك للضرورة، وكان باب المكتب مفتوحًا بحيث يَرَاكُمُ الناس، ولم يكن في وجوده ريبة، فهذه ليست خلوة، أما إذا كان الباب مغلقًا، أو كان مفتوحًا، ولكن خُشِيَتْ معه الريبة، فهذه خلوة محرمة، ولا يجوز الاستمرار في العمل على هذا النحو.

قال – في “حاشية الجمل” (16 / 274) -: “وَضَابِطُ الْخَلْوَةِ: اجْتِمَاعٌ لَا تُؤْمَنُ مَعَهُ الرِّيبَةُ – عَادَةً – بِخِلَافِ مَا لَوْ قُطِعَ بِانْتِفَائِهَا – عَادَةً – فَلَا يُعَدُّ خَلْوَةً”. اهـ.

أما قولك: إن العُمَّال يعملون في المخازن والمستودعات بعيدين عن مكتبي، فإن كان المقصود من ذلك أنه لا يوجد أناس قريبون من مكتبك، بحيث إنه حتى لو فتح باب المكتب لا يراكم أحد بسبب بعدهم عن مكتبك، فهذا يعني وجود الخلوة المحرمة.

والذي ننصح به الأخت السائلة: أن تتقي الله، ولا تعرض نفسها للاختلاط والخلوة، وإن كانت الضرورة تدعوها لهذا العمل، فلا يكون ذلك سببًا للإخلال بما أوجب الله عليها مهما كانت حاجتها، فلا تختلط بالرجال إلا في أضيق الحدود، ولا تخلو برجل أجنبي، وتلتزم بحجابها ووقارها، فلا تخضع بالقول حتى لا يطمع فيها ضعاف النفوس، ومرضى القلوب، قال – تعالى -: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 59].

وقال – تعالى -: {فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [الأحزاب: 32]. فإن حَدَثَ خَلَلٌ في واجب من الواجبات التي ذكرناها، فالواجب عليكِ: تركُ العمل فورًا. واعلمي: أن السلامة في الدين لا يعدلها شيء، وأن من ترك شيئًا لله، عَوَّضَهُ الله خيرًا منه.

وروى أحمد والترمذي عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه و سلم -: «ألا لا يمنعن أحدكم رهبة الناس، أن يقول بحق إذا رآه أو شهده؛ فإنه لا يقرب من أجل، ولا يباعد من رزق – أن يقول بحق أو يذكر بعظيم»، والله أعلم.

المصدر: الشيخ خالد عبد المنعم الرفاعي

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.