حتى يتجدد الحب بين الزوجين

عزيزي رئيس التحرير،

الرابطة الزوجية عند بني البشر قوية وميثاق عظيم ربطت برباط رباني، لا تنتهي في غضون أيام أو سنين، ولا هي عشق كعشق عنتر وعبلة أو قيس ولبنى، الذي لم تكن نهايته الزواج؛ بل لها هدفها الأعظم، وهو تكوين أسرة إيمانية يفخر بها المجتمع ويعتمد عليها في تكوينه واستمراره. هذه العلاقة لا تحيا ولا تستمر إلا بغذاء دائم ومتواصل، يجعلها تتألق شامخة وتتشبث جذورها في الأرض، متحدية ضغوط الدنيا؛ هي بحاجة إلى الحب والتفاهم اللذين يجب أن يبدأ فيهما من الشريكين ثم إلى أفرادها.

هذا الحب، الذي يكون أساسه التفاهم والاحترام والتقدير، هو ماء الحياة ولذة الروح، وهو بمثابة الماء للزرع؛ فإذا انقطع منه ذبل ومات. والعلاقة الزوجية كالنبات، بحاجة إلى تنمية وغذاء، وإمداد مستمر منذ سنواتها الأولى؛ لكي يصلب عودها وتقوى في مواجهة الأعصاير المستقبلية.

فالبيوت السعيدة غذاؤها الحب الزوجي، الذي يحمل بين طياته الألفة والتعاون. أما خرابها ودمارها فجفاف المشاعر وقلة العواطف، التي ينتج منها عادة أُسر مفككة يسودها العنف والاضطرابات.

الحب الزوجي هو تمازج بين أجزاء النفوس، سرّ هذا التمازج أن كل شيء إلى نظيره وشبيهه يتجاذب. هذا التجاب ليس في المظهر الخارجي؛ بل في النفس والروح؛ فكلما كثرت الأشباه بين الصفات النفسية زادت المجانسة وتأكدت المحبة. جاء في الحديث: “الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف”، ولقد أودع الله سبحانه وتعالى في النفس البشرية العواطف والمشاعر؛ بحيث تكون الصلة بين الزوج والزوجة سكنًا للنفس وراحة للجسم والقلب واستقرارًا للحياة.

فالمودة والرحمة اللتان ذكرهما القرآن الكريم هما الميل والارتياح. أما السكينة فهي الإشباع العاطفي المترافق مع الجسدي؛ فعندما تلتقي النفوس عبر جسور الأجساد تسكن النفس وتعم الشفقة والرحمة وتزين السعادة حياتهما.

 

 

الزوجان الرائعان

 

الحب بين الزوجين ضرب من الفنون ينمو بالممارسة والتجديد؛ فالفنان الماهر المحترف هو الذي يمارس هواية الرسم يوميًا ويوفر كل ما هو جديد لفنه، لتحظى لوحاته بأكبر قدر ممكن من المعجبين وتبقى شامخة أمام مثيلاتها. والزوجان الرائعان المبدعان هما اللذان يضعان كل يوم في رصيد حياتهما الزوجية لمسة من التجديد يبنون بها عشهما الزوجي، ويقضيان بها على الروتين اليومي القاتل؛ فلو خصص الزوجان وقتًا للتمشية، وآخر لتناول وجبة طعام خارج المنزل، أو بادرا بتقديم هدية لبعضهما في ذكرى ميلادهما أو زواجهما، واعترف كل واحد منهما للآخر أنه ذو حظ عظيم لارتباطه بشريكه، وحرصَا على تقارب وجهات النظر بينهما، واهتما بالحوار مع إيجاد البيئة المناسبة إليه، مع تذكّر الماضي الجميل والتخطيط للمستقبل المشرق؛ كل هذه تكون جديرة في إيجاد علاقة متجددة مفعمة بالحب والدفء والحنان, وقادرة على تجاوز العواصف والرياح العاتية عليهما، ويخلقان بها جوًا من الطمأنينة والراحة في أسرتهما.

أما التفاهم والمسامحة، والقضاء على نقاط الضعف من دون تعيير أو تشهير، فهي جديرة ببث روح المحبة والحنان بينهما.

والحياة الزوجية السعيدة فهي بحاجة إلى تبادل الكلمات الدافئة الحنونة؛ لأن العلاقة الزوجية التي يفقد قاموسها الكلمات الطيبة والعبارات الدافئة علاقة قد أفل نجم السعادة منها.

إن من أكثر المشاكل التي تشكو المرأة منها في مجتمعنا هي ندرة الكلمات العاطفية التي تود سماعها وتعشقها من زوجها؛ بسبب ميله للإدارة والتخطيط أكثر من العاطفة؛ لكن هذا لا يمنعه من التدرب والتعود والممارسات عليها.

إن الافتقاد للدفء والكلمات العاطفية هو الذي يدفع بعض المتزوجين ضعيفي الإيمان إلى مشاهدة الأفلام الإباحية المحرمة، أو يهرولون إليها في البلدان أو عبر شبكة الإنترنت؛ ظنًا منهم أن هذا الطريق هو الذي يشبع الغريزة الداخلية المفقودة عندهم؛ لكنه كالسراب إذا جاءه لم يجده شيئًا.

فحتى يكون الزواج ناجحًا ومستمرًا لا بد من التنقيب والبحث عن كل جديد يجعله في حالة نمو دائم ومستمر.

 

بقلم: مريم العيد

القطيف

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.