ثقافة التنازل بين الزوجين!

 

الحب مشروع تتم صناعته وليس مشاعر يتم انتظارها، ولا يمكن أن يولد الحب فجأة بين الزوجين لمجرد اجتماعهما تحت سقف واحد؛ فالحب مركب من المشاعر والخبرات تحتاج إلى كثير من الذكاء لبنائه وتنميته بين الطرفين.

المرأة الذكية في بداية الحياة الزوجية يجب أن تحافظ لزوجها على جزء من حياة العازب، وهي أيضًا تحافظ على خصوصية معينة لحياتها الشخصية؛ بحيث لا يصبح الزوج الكعبة التي تدور حولها كل حياتها وتتمحور حوله اهتماماتها؛ فالأصل أن الحياة الزوجية لا تلغي شخصية المرأة بالكامل، لأن إلغاءها لذاتها سيضايق الرجل أكثر من حيث كانت تظن أنها تخدمه.

والعزوبية التي تستطيع المرأة منحها للرجل بمعنى أن تترك له الحرية في لقاء أصحابه وتتيح لأصدقائه أيضا التواجد معه، ويكون هذا حقًا له، لا أن يأخذه منها بالقوة؛ فالسكنى في العلاقة تعني أن يبحث كل شخص عن الأشياء التي تناسبه أولًا، ولا يسعى إلى تغييرها في الآخر قصرًا؛ وإنما يحترم كل طرف ما يناسب الآخر.

التشابه في بداية العلاقة قد يؤدي إلى الانجذاب بين الطرفين، ولكن الحب لا يدوم ويستمر إلا بالاختلاف، ليس بمعنى الخلاف والمشاكل؛ وانما باختلاف الصفات والهوايات التي تحفظ للحب ديمومته وتجديده، في حين أن التشابه يدعو إلى الملل.

وفي الخلافات الزوجية يجب أن ينظر الطرفان إلى “سبب الفعل” وليس إلى “الفعل” نفسه؛ فمعرفة السبب نصف الحل ووقاية من المشاكل التي قد يثيرها ذات السبب في المستقبل.

الأصل أن تصير الحياة تكاملية بين الطرفين، يكمل فيها كل منهما دور الآخر ويسعى إلى تطويره، لا أن تتحول بأي شكل من الأشكال إلى علاقة تنافسية قد يسعى كل طرف فيها إلى طمس شخصية الآخر والتفوق عليه. الحياة الزوجية لا تدعو إلى تكسير الآخر؛ بل إلى بنائه والمساعدة في تحسين شخصيته، ومحاولة التغيير في الآخر يجب أن تكون في خط لا يوتر العلاقة الزوجية بأي حال من الأحوال.

وحتى فيما يسمى “ثقافة التنازل بين الزوجين” يجب أن تراعي المعطيات المجتمعية والزمانية والمكانية؛ فقد تجد بعض الناس لا يقوم بتنازلات معينة في وقت ما ولكنه مع تغير الحياة والعادات الاجتماعية فهو يتغير، وليس ذلك بمعنى التنازل.

أما التنازل في الحياة الزوجية فهو يصبح لذة ومتعة بين الزوجين، فإذا كان الزوج كريمًا وطيبًا مع جميع الناس فهو يستحق التنازل من المرأة، وإذا كان كريمًا مع الآخرين لئيمًا مع الزوجة فالمشكلة في الزوجة نفسها وليست في الرجل؛ وهنا يجب أن تراجع المرأة نفسها وتعيد ترتيب العلاقة بينها وبين الرجل.

قد يكون الزواج غير مرتب وغير منظم في بدايته، ولكن هذا لا يعني أن يركن الطرفان لهذه العلاقة الفوضوية؛ بل يسعيان إلى تنظيم الزواج وإعادة التدرب على المهارات الزوجية مهما تقدم العمر بالزوجين؛ فالحب كما قال ابن حزم: “اتصال بين أجزاء النفوس المقسومة في أصل عنصرها الرفيع، وإن سر التمازج بين المخلوقات هو الاتصال، والمثل إلى مثله سكن“.

بقلم: طارق الحبيب

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.