تهميش زوجي لي

السؤال

إنِّي تزوَّجتُ عن حب، وكان قبل الزَّواج شخصًا رومانسيًّا جدًّا، يحلم باليوم الذي سيتزوَّجُني فيه، ولكن بعد زواجي لاحظتُ أنِّي لَم أعرِفْه جيِّدًا، فهو دائم الانشِغال عنِّي، لا يقتَرِب منِّي سوى بِضْع مرَّات في الشَّهر، وعندما أسألُه عن ذلك يُخبِرني بأنَّه مشغولٌ في التَّفكير بالمستقبل، وأنَّه لا يَسْتطيع التقرُّب منِّي إلاَّ إذا كان صافِيَ الذِّهن، لا يهمُّه إذا بقيتُ في بيت أهلي يومًا أو أسبوعًا أو أكثر، لا يُساعدني في تربية ابنِنا الرَّضيع؛ بِحُجَّة أنَّ هذه أُمور من واجب النِّساء، وليس الرِّجال، لا يُشعِرني بالعناية والاهتمام في حالة إصابتي بالمرَض، نعم، صحيحٌ أنَّه يأخذني إلى الطَّبيب، ويشتري لي الدَّواء، ولكن لا يسألُني ما يُؤلِمني، لا يجلس معي ولو لحظاتٍ عندما أكون طريحةَ الفراش، لا يُشاركني أفكارَه، لا يتحدَّث لي عن يوميَّات عمَلِه إلاَّ قليلاً، يُفضِّل الخروج مع أصدقائه على أن يَبْقى معي في البيت، وفي يوم الإجازة يكون دائم الانشِغال في تصليح سيَّارته وتزيينها!

يُخبِّئ رواتبه عنِّي، ويُودِعها عند أمِّه وأبيه، ويوصيهم بِعَدم إبلاغي بأنَّه يضع الرَّاتب لدَيْهم، وعندما اكتشفتُ ذلك، أخبَرني بأنه يجمع راتبه ويُخبِّئه عنده في مكانٍ أمين؛ لأنه مؤمنٌ بأنَّ الشخص إذا عرف كم لدَيْه من المال، تَضيعُ بركَتُه، وأنا كنتُ قد صدقتُه، ولكن بعد معرفتي بأنَّه يجمع المال عند أمه وأبيه، بعيدًا عنِّي تأزَّمَت نفسيَّتي، وشعرت بالخيانة؛ لماذا يفعل ذلك؟ لماذا لا يأتَمِنُني على ماله وسرِّه؟ لماذا جعَلني في هذا الموقف الحَرِج أمام أهله؟

ومنَ الجدير بالذِّكْر أنِّي زوجةٌ مُحبَّة مطيعة، جميلةٌ حنون وأمينة ومُدبِّرة، وصاحبة شهادة، ولا يَنْقصني شيءٌ، فلِماذا هذه التصرُّفات؟ أحبُّ أن أعيش حياةً هادئة محبَّة، تَمْلؤها الثِّقة والطُّمأنينة.

 

أرجو أن ترسلوا لي الجواب، أثابكم الله.

 

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

أختي الكريمة، السَّلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

يُسعِدنا انضمامُك إلى شبكة الألوكة، ونَشْكر لك ذلك، داعين المولى القديرَ أن يُسدِّدنا في تقديم ما يَنفعك، وينفع جميع المستشيرين.

وأوَدُّ أن أحيِّي فيك ما لَمستُه من حبٍّ لزوجك، وحرصٍ على إدخال السَّعادة وروح الوُدِّ والأُلْفة على حياتك الزوجيَّة، كما أُثَمِّن بحثك عن الحلِّ من خلال المختَصِّين، وعدم الانسياق وراء الدَّوافع ورُدود الأفعال الخاطئة تجاه ما يُصيبك فيها، وهي أمور تُحسَب لك، وأتمنَّى منك تعزيزها، والإبقاءَ عليها مهما واجَهْتِ من معوقات، واستثمارَ تلك السِّمات في اقتفاء خطوات الحل.

أختي الفاضلة، لقد أقرَرْت في رسالتك بالسِّمات الحسنة التي يتَّسِم بها زوجُكِ، لكنَّك أشَرْتِ إلى ذلك بصيغة الماضي بقولك (كان)، ثُمَّ أشرت إلى تغيُّر تلك السِّمات، وأنَّه أصبح زوجًا غير مُبالٍ بكثيرٍ من الأمور.

ومشكلةُ تغيير أسلوب التَّعامل بين الأزواج تعدُّ من المشكلات الشَّائعة التي تتسبَّب فيها عوامل عديدة، تُقابَل في الغالب بتفسيراتٍ خاطئة، وإنَّ الحل الأمثل في مواجهتها هو التعرُّف على أسبابها وتفهُّمها، وإيجاد أساليب ناجعة للتَّعامل معها.

وأهَمُّ تلك العوامل: اختلافُ الواقع الحياتيِّ الذي يَعيشه الرَّجُل في مرحلةِ ما قبل الزَّواج، عن الَّذي يعيشه في مرحلةِ ما بعد الزَّواج، فحَجْم المسؤوليَّات الَّتي تُلقَى على كاهله بعد الزَّواج، يَفُوق بكثيرٍ ما كان يَحْمله قبلها، وإنَّ الالْتِزام بتلك المسؤوليَّات يُشكِّل ضغطًا يتَزايد بزياداتِها، ليس في الوقت فقط، بل وفي شعوره بالقلَق والتوتُّر والترقُّب المقرون بالخوف أحيانًا لِما سيأتي به المستقبَل، وما إلى ذلك، بالإضافة إلى أنَّ التعامل الوقتِيَّ مع المَخْطوبَة، والَّذي لا يزيد عن بِضْع ساعات يوميًّا، لا بدَّ أن يكون في إطار معيَّن تحدِّده طبيعة هذه العلاقة، بينما يأخذ التَّعاملُ التِّلقائي مع الزَّوجة طريقَه في الحياة الزوجيَّة مع مرور الأيام.

لكن هذا لا يَمْنع يا عزيزتي من إجرائك مُراجعةً ناقدة لِمَسار حياتك الزوجيَّة، وأسلوب تَعامل زوجك معك، وتَعامُلك أنت معه أيضًا، ومن بَيْن تلك المُراجَعات الَّتي عليك إجراؤها، هي تقَصِّيك لتحديد الفترة التي شعرت فيها بتغيير أسلوب تعامُلِه معك، فهل كانت قبل حَمْلِك، أو بَعْده، أوْ بعد ولادة ابنك، أو غير ذلك؟ فتحديد الفترة التي طرَأَت فيها على زوجك تلك التَّغييرات، يُعينك على توجيه فِكْرك إليها للبحث في الظُّروف أو الأحداث أو المُستجدَّات التي ترافقَتْ مع هذا التغيير، وعندها يُمْكِنك التعرُّف على الأسباب التي تَقِف وراء ذلك؛ فأحيانًا يتسبَّب موقف – أو مواقف سلبيَّة – في مشاجرة أو حدَثٍ معيَّن في تغيير الانطِباع أو الصُّورة الذِّهنية عن الطَّرَف الآخَر، الأمر الذي يُؤدِّي إلى تغيير في نوع السُّلوك معَه.

وهكذا تَجِدين يا أختي الفاضلة، أنَّ أسباب التغيير عديدةٌ، لكن معرفة أسبابِها أمرٌ لا بدَّ منه؛ للتعرُّف على أفضل الطُّرق في التعامل مع تلك التَّغييرات، وكذلك لِعَدم تفسيرها وتأويلها بغير أسبابِها؛ مِمَّا قد يؤدِّي إلى الدُّخول في مشكلات أخرى.

كما أنصَحُك بِشَغل بعض وقتِك في أمورٍ ونشاطات إيجابيَّة؛ كالأعمال التطوُّعية، أو مُمارسة هواياتك المُفضَّلة، أو غيرها، عن طريق التَّواصل المباشر مع المَعْنيِّين بها، أو غير المباشر؛ كالتَّواصل عبر الإنترنت، فإنَّ ذلك يقود إلى شَحْذ أفكارك للاهتِمام بها، ورُبَّما في تطويرها وتنميتها، كما أنَّه يَدْعم مستوى الرِّضا عن ذاتك، وهي نتائج مهمَّة تؤهِّلُك في انتِقاء الأسلوب الأمثَل في التَّعامُل مع مشكلاتك الحياتيَّة بشكلٍ عام، ومنها مشكلاتك مع زوجك.

كذلك أنصَحُك بالبحث عن مُناسَبات تُدْخِلين فيها أجواءَ السَّعادة على حياتكما الزوجيَّة، واغتِنامها لكسر الرُّوتين الحياتي من جهة، ولبِناء رصيدٍ مِن الذِّكريات الجميلة في ذهن زوجك وذِهْنك، يُساعِدُكما في تشكيل انطِباع إيجابي عن علاقتكما الزَّوجية، وأتمنَّى منك القيام بكلِّ ذلك، بدافعيَّة وقناعةٍ بِضَرورتها، وبإصرارٍ قوي لا تَثْنيه أيَّةُ إحباطات نتيجة ردِّ فعلٍ غير مَرْضي من زوجك، مع ضرورة تَرْكِك في هذه المرحلة للجدَل والعتاب، وأية مناقشات سلبيَّة مع زوجك تُبْدين فيها رفضَك لهذا السُّلوك أو ذاك.

أمَّا بِخُصوص إيداع زوجك لِماله لدى والِدَيه، وعدم إخبارك عن هذا الأمر، فأتمنَّى منك التعامل مع هذا الأمر بحِكْمة وعقلانيَّة ترفع من قَدْرِك عنده، وتبعد عنك المشاعرَ السلبيَّة، وما تسبِّبه لك من ضغوطٍ نفسيَّة؛ فقد وصفتِ عمَلَه ذلك (بالخيانة!)، وأجد في هذا الوصف مبالغةً منك تشير إلى شدَّة انفِعالك وحُزنك لهذا الأمر، فثقة زوجك في والدَيْه لا تَعني مطلقًا أنَّه لا يثق فيك، ومثل تلك التصرُّفات تكون طبيعيَّة من قِبَل الأزواج؛ لِتَأخذ طريقها إلى الانخِفاض مع طول العِشْرة، واكتشاف الصِّفات الحميدة في الزَّوجة، فيُصبح كلُّ ذلك مجرَّد ذكريات، واعلمي يا عزيزتي أنَّ وُدَّك (الصادق) لوالِدَيْه، يَزِيد من رصيدك في نفسه، ويُطَمئنه لِحُسن خلقك، وسلامة فِكرك، وتَميُّزك عن غيرك.

وأخيرًا:

أختم بالدُّعاء إلى الله تعالى أن يُصلِح شأنك كلَّه، ويُنعِم عليكما بالسَّكينة والرحمة، وبانتظار أن نسمع منك طيِّب الأخبار.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بواسطة: أ/ شروق الجبوري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.