تمنيت زوجا حبيبا لا مجرد شريك! 

س: أشعر بالشقاء، حياتي هادئة هدوء الموت، تمنيت زوجا حبيبا لا زوجا شريكا فقط وإن كان حكيماّ؟

رَبَط اللهُ على قلبِك يا حبيبةُ، ما تتمنِّينه هو أمنيةُ كلِّ أنثى على هذه البسيطةِ، مَن منا لا تريدُ الزوجَ الحبيبَ؟ فعشرتُه فيها روحٌ حيةٌ لا تهرمُ، وأنفاسُه فيها أمانٌ لا يجفُّ نبعُه، نبرةُ صوتِه فيها فرحةٌ وتُحدِثُ فرحةً وإن كان غاضبًا، مَن منا لا تريدُ كسرَ حواجزِ الزمانِ والمكانِ والسباحةِ مع روحٍ تحبُّها فوق الأرضِ وبين الأمواجِ وفي الرياضِ؟ مَن منا لا ترجو الزوج الحبيب؟ مَن منا لا تَتُوق لزوجٍ لا يَغمضُ لها جفنٌ إن لم تكن على زَندِه تنام؟ ولا تأمنُ إلا إن كان ظلُّه ملءَ المكان، ولا تشبعُ إلا إن شارَكَها الطعامَ؟ مَن منا لا تشتاقُ لأنيسٍ تحدِّثُه بلا هدفٍ ولا قضيةٍ؟ إذ إنّ حديثَه وحده هو الهدفُ والقضيةُ وإن كان عن لونِ السحاب!

مَن يا حبيبة مَن؟ مَن منا لا تأملُ في زوجٍ مُقتَدٍ بسيدِنا محمدٍ الحليمِ الودودِ البسامِ الضحوكِ الصبورِ الكريمِ … ترسلُ أمُّنا زينبُ إليه بطعامٍ يحبُّه وهو في بيتِ أمِّنا عائشةَ فتُلقِي الأخيرةُ الطبقَ بما فيه أمامَ الصحابةِ فيبتسمُ ويلملمه ولا يعقِّب إلا بـ(غارت أمُّكم) ومثلُه حَدَث أيضًا عندما أرسَلَت له أمُّ سلمةَ طعامًا وهو في بيتِ أمِّنا عائشةَ فيروى أن:

النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فأرْسَلَتْ إحْدَى أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ بصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، فَضَرَبَتِ الَّتي النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في بَيْتِهَا يَدَ الخَادِمِ، فَسَقَطَتِ الصَّحْفَةُ فَانْفَلَقَتْ، فجَمَع النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فِلَقَ الصَّحْفَةِ، ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الذي كانَ في الصَّحْفَةِ، ويقولُ: غَارَتْ أُمُّكُمْ. ثُمَّ حَبَسَ الخَادِمَ حتَّى أُتِيَ بصَحْفَةٍ مِن عِندِ الَّتي هو في بَيْتِهَا، فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إلى الَّتي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا، وأَمْسَكَ المَكْسُورَةَ في بَيْتِ الَّتي كَسَرَتْ.

مَن منا لا ترجو زوجًا تصعدُ على فخذِه صابرًا فرحًا لفرحِها كي تنظرَ من الشرفةِ تراقبُ مشهدًا أحبَّته في الشارع، مَن منا لا ترجو زوجًا يُسابِقُها فتسبقُه وهي صغيرةُ سنٍّ، ثم يسابُقها بعد أن كَبِرت وحَمَلت لحمًا فيسبقُ هو فيضحكُ ويقول: هذه بتلك، يعني أنّه يذكرُ السباقَ الأولَ رغمَ بُعدِ الزمنِ، فالمحبُّ لا ينسى ذكرياتِ حبيبِه، فعن أمِّنا عائشةَ: أنّها كانت مع رسولِ اللهِ – صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم – في سَفَرٍ، قالت: فسابقتُه فسبَقْتُه على رِجْلَيَّ، فلما حَمَلْتُ اللحمَ ؛ سابقتُه فسَبَقَني، فقال: هذه بتِلِكَ السَّبْقَةِ.

مَن منا لا ترجو هذا الحبَّ وهذا الدلالَ والإيثارَ، ومراعاةَ الفطرةِ والعمرِ والمكانةِ؟!

مَن منا لا ترجو زوجًا يطرأُ الخاطرُ على رأسَيهما معًا فتلتقي العيونُ وتنطلقُ الضحكاتُ دون كلامٍ، إنّهما يجيدان الضحكَ معًا على التافهِ والجليلِ من الأمورِ، ولا يخجلُ أحدُهما من البكاءِ في حضرةِ الآخرِ.

مَن منا لا ترجو زوجًا تكون معه عائلةً واحدةً، يُعجِبُها هزلُه وجدُّه، ويكونُ لها صديقًا وبيتًا وأهلًا ووطنًا، في قربِه تجدُ الأنسَ وفي بُعده تجدُ البؤسَ…. مَن؟

هناك قلةٌ قليلةٌ من النساءِ حَظِيت بهذا الحبِّ واستمرّ، وقلةٌ أخرى حَظِيت به ولم يستمرَّ، وقلةٌ ثالثةٌ لم تحظَ بهذا الحبِّ قطُّ رغمَ نجاحِ الحياةِ الزوجيةِ عندها!

تعالي معي نفسِّرِ الأمرَ، بدايةً أجيبي عن هذه الأسئلةِ:

آللهُ أعلمُ بك من نفسِك أم لا؟

هل كلُّ قدرِه خيرٌ؟

هل عوَّضك بشيءٍ تعلمين في قرارةِ نفسكِ أنّه نعمةٌ خصَّك بها دون غيرِك؟

هل تضمنين أنّك لن تُفتَني إذا رُزِقتِ الزوجَ الحبيبَ؟ وربما فَقَدتِ دينَك أو مالَك أو أرحامَك – عياذًا بالله – افتتانًا به؟ فقد قال ربُّك الحقُّ: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [التغابن: 14].

أسمعُك تجيبين عن أسئلتي بقولك: لا.

إذن فاحمَدِي اللهَ وثِقِي أنّه وَضَعك في نموذجِ الحياةِ التي يصلحُ لك ويُصلِحُك أيضًا!

ولا تغترِّين بالمظاهرِ، فما قدَّمت المسلسلاتُ والأفلامُ هذا النموذجَ إلا لأنّهم محرومون منه في الواقعِ، وهناك أمرٌ مهمٌّ جدًّا، لقد كانت أمُّنا عائشةُ تحظى بهذا النوعِ من الحبِّ كما هو ثابتٌ، ولي أن أسألَكِ سؤالًا: هل خَلَت حياتُها مع نبيِّنا من المشكلاتِ والبلاءِ؟

هل خَلَت حياةُ الصحابةِ والصحابياتِ وهم أشرفُ بني آدمَ بعد الأنبياءِ والمرسلِين من الخلافِ والبلاءِ والمحنِ؟ فهذا عمرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه يقولُ لامرأتِه عاتكةَ بنتِ زيدٍ وقد غَضِب عليها: والله لأسوءنّك.

فقالت: أتستطيعُ أن تصرفَني عن الإسلامِ بعد إذ هداني اللهُ؟

قال: لا.

قالت: فأيُّ شيءٍ تسوءني به إذا؟

يا لها من امرأةٍ فطنةٍ، فقد أحسنتِ الردَّ، حيث صَرَفت عقلَه للخوفِ من اللهِ، وكذلك لم تَرُدَّ عليه بنفسِ ألفاظِه كأن تقولَ له: (لن تستطيعَ أن تفعلَ لي شيئًا) لا، بل عبَّرت بطريقةٍ ذكيةٍ لا تجعلُها له ندًّا، وفي نفسِ الوقتِ تستهينُ بما يمكنُ أن يفعلَه بشرٌ لبشرٍ!

إذن نصلُ إلى أنّ حياةَ الصالحِين لم تخلُ من المشكلاتِ والاختلافاتِ، لكنّ الفرقَ بيننا وبينهم أنّهم قومٌ فَهِموا حقيقةَ الدنيا فلم يَبحَثوا عن سعادةٍ مطلقةٍ فيها، فهذا ليس من قانونِها، هي دارُ بلاءٍ وإن أَشبَعَت جانبًا من جوانبِ السعادةِ لدى الإنسانِ فلابدَّ أن تجعلَ له نافذةَ كبدٍ يُختبر فيها، تذكري معي قوله تعالى: ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: 2].

ويقولُ ابنُ الجوزي: (ليس في الدنيا على الحقيقةِ لذةٌ، إنما هي راحةٌ من مؤلمٍ.) فالحياةُ الهادئةُ والزوجُ الحكيمُ الذي يعرفُ ما له وما عليه ويُسدِّدُ ويقارِبُ ويحاسِبُ ويتغافلُ ويعينُ ويعاونُ وتمرُّ معه الحياةُ في هدوءٍ، تربِّين أولادَك دون معاندةٍ ومشاكسةٍ منه، وتعبدين ربَّك دون تعنُّتٍ منه ومكابرةٍ، وتَصِلِين أهلَك وهو راضٍ دون مَنٍّ ولا استعلاءٍ، وتسكنين إليه وفي روعِك أنّه رجلٌ يحمي ويحتوي ويقدِّرُ آلامَك وطبيعةَ خلقِك، هذا والله هو الرجلُ، وهذه هي السعادةُ، وإن جَحَدتها النساءُ تأثرًا بالإعلامِ، وتأثرًا بالنموذجِ الغربيِّ الذي يبالغُ في الرومانسيةِ، ولكنّه يستبيحُ الزنا، ويكثرُ من الهدايا ويعيشُ على الربا، ويظهرُ الودَّ ولكنَه يرثُ المرأةَ ولا يمكِّنها حتى من الاحتفاظِ باسمِها!

أتعلمين يا حبيبةُ من أين أتت الفجوةُ العاطفيةُ التي نعيشُها؟ أتت من بُعدِنا عن السيرةِ العطرةِ لأمهاتِ المؤمنِين، أبعدونا عن دينِنا فأصبحت القدوةُ هي الممثلةَ، وإن بَحَثتِ عن حياتِها ستجدينها أتعسَ عبادِ اللهِ، تُمثِّلُ السعادةَ وهي لا تعرفُ عنها سوى رسمِها الذي تَحفظُه لتتحدَّثَ عنه في دورِها، وهذا ثابتٌ في حياتِهن لمَن أرادت الاستيثاقَ!

أسمعُك تقولين: كيف تريدين لي أن أتَّخذَ قدوةً كانت تعيشُ منذ أكثرَ من ألفِ سنة؟

نعم، أريدُك أن تقتديَ بهذا النموذجِ وإن مرَّ عليه مئةُ ألفِ عامٍ!

لسببٍ بسيطٍ جدًّا؛ أنّ النفسَ الإنسانيةَ واحدةٌ، تضحكُ وتبكي بنفسِ الطريقةِ منذ آدمَ وحتى اليومِ، وغالبُ الأفراحِ والهمومِ منبعُها القلبُ، وليس طريقة الإضاءةِ أكانت بالنارِ أم بالليزر!!

فليكن لدينا ثقةٌ باللهِ أولًا، ورضًا بما قدَّر لنا، وعلينا أن نغيِّر في حياتِنا ونطوِّرَها ولكن دون هدمِها، أو تركِ نُدُوبٍ في قلبِ الطرفِ الآخرِ، لأنّه هو الشريكُ الذي لن تُصنَع سعادةٌ بدونه، ولن تتمَّ فرحةٌ بحزنِه … ومَن جَعَل اللهَ نصبَ عينَيه أفلَحَ!

في النهايةِ، دعيني أقولُ لكم: إنّ إنعاشَ الحبِّ بين الزوجين مسؤوليةٌ مشتركةٌ يقومُ بها مَن شَعَر بفقدِها، فمَن يؤلمُه الروتينُ ويشعرُ بالفقدِ والحاجةِ للحبِّ فليحيي الحبَّ في قلبِ صاحبِه، وأهمُّ ما يمكنُ أن يساعِدَ على ذلك هو بذلُ الحبِّ بشكلٍ مضاعفٍ؛ لأنّ الطرفَ الآخرَ يردُّ ما يُقذَف إليه، فإن ضاعفتِ الحبَّ رُدّ إليك حبًّا، وإن ضاعفتِ التجاهلَ رُدّ إليك تجاهلًّا ونسيانًا! إذن ما نحتاجُه علينا بذلُه ليرتدَّ إلينا!

وهناك بعضُ السلوكياتِ التي نستعينُ بها لإنعاشِ الحبِّ بين الزوجين، مثل: الابتسامةِ الصافيةِ، اللمسةِ الحانيةِ، الهديةِ الطفوليةِ التي تحيي شبابَ القلبِ وتردُّه لذكرياتِ الحبِّ، سهرةٍ قصيرةٍ بعيدًا عن الأطفالِ ونحرصُ على عدمِ إثارةِ المشكلاتِ أو العتابِ، فيكونُ عقلي بدايةً حريصًا على أنّها سهرةٌ لإنعاشِ الحبِّ لا لنقاشِ الهمِّ!

واعلمي – سرَّ اللهُ خاطرَك وشَرَح صدرَك – أنَّ الرجلَ طفلٌ كبيرٌ يُسعِدُه قليلُ اهتمامٍ ورعايةٍ، وتطير بقلبِه كلمةُ (حاضر) ويُؤنِسُه عطرٌ حالمٌ وتجهيزُ قوتِه وفراشِه، لا أكثر من ذلك، وقديمًا قالت جدّاتُنا: (إن استقام الفراشُ استقام البيتُ واستدام الحبُّ).

وتذكري قولَ حبيبِنا صلى الله عليه وسلم: (ما استفادَ المؤمنُ بعد تقوى اللهِ عزَّ وجلّ خيرً له من زوجةٍ صالحةٍ: إن أمَرَها أطاعَتْه وإن نَظَر اليها سرَّته، وإن أقسَمَ عليها أبرّته، وإن غاب عنها نَصَحته في نفسِها ومالِه) رواه: ابنُ ماجَهْ.

فهذه وصيةُ نبيِّك لك، إن التَزَمتِ بها قدرَ المستطاعِ سيتولَّى اللهُ قلبَك ويُشعِرُه بالحبِّ حتى وإن كان مفقودًا، فهو ربُّ القلوبِ سبحانه، سيجعلُك فَرِحةً مسرورةَ الخاطرِ، تنظرين لزوجِك بحبٍّ وإكبارٍ، أوليس ربُّك القائلَ ﴿ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [الأنفال: 63] فأطيعي أوامرَه ووصايا نبيِّه، يتولَّ قلبَك وكلَّ أمرِك، ويُشعِرُك بما يُسعِدُك حتى وإن عزَّ ذلك في الواقعِ، أليس بيدِه مفاتحُ القلوبِ ومقاليدُ الأمورِ سبحانه!؟ وما لا ترضينه لأخيك وابنِك فلا تفعليه مع زوجِك!

(المقال من كتاب بين حبيبين يصدر قريبا للكاتبة)

_____________________
بواسطة:

أ / منى مصطفى

_____________________
رابط الموضوع: https://www.alukah.net/social/0/157653/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.