اهجرها في المضجع ولا تقتل أبناءك 

أطفالنا زهورٌ رقيقة تملأ حياتَنا عطرًا وجمالًا، ولكن بعضنا يطأ زهوَره بأقدامه وهو لا يشعر، ويقتُلُ فيهم كلَّ جميل بسيوفٍ باردة، وهو يظنُّ أنه يُحسِن صنعًا!

ومن أكثرِ المَشاهِدِ التي يحدُث فيها قتلٌ للأبناء بسيوف باردة مشهدُ هجرِ الزوج لزوجته خارج حدود غرفة نومهما؛ اعتقادًا منه أنَّه بهذا التصرُّف يُؤدِّبها، وما يدري أنَّه بصنيعه هذا يُدمِّر أبناءه من حيث لا يدري.

لقد أرشَدَ الله عز وجل الزوج لطبيعة التعامُل مع الزوجة الناشز، وعلَّمه أنْ يتدرَّج في التعامُل معها من خلال ثلاث طرق متتابعة، يتوسَّطها الهجرُ في المضاجع، ليس ذلك بغرض حماية الحياة الزوجية فحسب؛ بل لحماية الأطفال من اختراق الاضطراب والتشتُّت النفسيِّ لقلوبهم ونفوسهم.

يقول الله عز وجل في سورة النساء: ﴿ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ ﴾ [النساء: 34].

هل لاحظت أيها الزوج الفاضل عمقَ التعبير ودقَّتَه؟

هل لاحظت أنَّ الله عز وجل يُرشدكَ إلى أنَّ الهجر للزوجة الناشز يجب أنْ يكون في فراشكما، وليس خارج حدود غرفة نومكما؟ وذلك لأسباب تتعلَّق بعدة جوانبَ في الحياة الأسرية؛ منها: حماية الأبناء من أعراض القلق والاضطرابات النفسية التي تنشأ حين يُلاحِظون وجود المشكلات بين أُمِّهم وأبيهم.

تُرى: كيف حال الأبناء الذين يُشاهدون أباهم قد أخذ أغراضه، واعتزل زوجته وهجَرَها لخلاف حدث بينهما؟

كيف ستكون ردود أفعالهم حين يتعرَّضون لمشكلةٍ ما، أو حين تُصادفهم بعضُ التحديات في حياتهم؟

أخشى أنْ تكون مواجهتهم لها بالانسحاب كما يفعل والدهم أمام أعينهم.

هم يرَوْن أباهم يُسارع بخصام أُمِّهم وهجرها حين تحدث بينه وبينها مشكلة، ومِن ثَمَّ سيُصبح هذا هو الحلَّ الأمثل في أذهانهم حين تواجههم بعض المشكلات في حياتهم.

وربما ينعكس ذلك على علاقتهم بكَ وبأُمِّهم، فإذا بهم يخاصمونكما ويهجرونكما عند أول خلاف يحدث بينكما وبينهم.

الآثار السلبية أيها الزوج الفاضل لا تتوقَّف عند هذا الحدِّ؛ بل تمتدُّ لتدمير أسرة أبنائك في المستقبل، فقد تبدأ ابنتُكَ في هجْر زوجها حين تغضب منه أو تختلف معه؛ لأنها رأت نموذجًا يُخبرها أنَّ الرجال حين يغضبون يخاصمون ويهجرون؛ فتبدأ هي بانتهاج هذا النهج حمايةً لنفسها من خطر ترتقبه وتتوقَّعه.

أما إذا لم تكن ابنتك بهذه الجرأة، فربما تُصبح ضحيةً للاستنزاف العاطفيِّ، فتسعى للتنازُل في كل مرة يُهينها فيها زوجها، حتى وإن كان الحقُّ معها؛ لأنها تكره النكد، ولأنها أصبحت مريضةً بفوبيا المشكلات والخلافات.

وقد يُكرِّر ابنُكَ نفس سلوكِكَ مع زوجته، فتحمل له الزوجة مشاعرَ النفور والكراهية وتعتاد هجْرَه؛ فيعيش تعيسًا ومنعزلًا.

فهل تحب أن تكون حياة أبنائك هكذا؟!

وهل تحب أن تكون مشاعرُ أبنائك سلبيةً تجاهك؟

إنَّ الأبناء يميلون بطبيعتهم للأُمِّ في صغرهم وفي مراهقتهم، ويرون فيها الجانب الأضعف والأكثر حنانًا واحتواءً، والطرف الذي يكدح ويتعب من أجلهم… هم بطبيعتهم الطفولية لا يرون جهد الأب في هذا العمر؛ فلا تشحن قلوبَهم، ولا توغر صدورهم ضدَّك بهجركَ لأُمِّهم؛ فهم أحوجُ ما يكونون إلى الامتلاء بالمشاعر الإيجابية نحوك.

حبُّهم وتقديرهم لك سيمنحهم الشعور بالقوة النفسية، فلا تخذلهم، سيمنحهم الشعور بأنَّ أباهم رجلٌ فاضل، وزوج رائع، وإنسان عظيم، وقدوة جميلة؛ فلا تُشوِّه صورتكَ في أعينهم.

المشكلات الأسرية كذلك حين تصل إلى علم أبنائك تنتزع منهم الشعور بالأمن والأمان؛ فتصبح حساسيتهم لها عالية… سيتخيَّلون كلَّ حوارٍ بينكَ وبين أُمِّهم على أنه نزاع.

كل صوت مرتفع ولو على سبيل النقاش سيعتقدون أنه خلاف، وستبدأ أذهانهم في ترقُّب السوء، وانتظار عقبات هذه المشكلة، سيُنتزع الأمن منهم انتزاعًا، وسيُربَّى فيهم الخوف من أجواء المشكلات، والخوفُ من الفراق المرتقب في أذهانهم نتيجة للمشكلات.

هل تدرك أيها الأب الحنون معنى أن يعيش الإنسان قلقًا وخائفًا، وللشرِّ مترقِّبًا؟

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ أصبَحَ مِنكم آمِنًا في سِرْبه، مُعافًى في جَسَدِه، عنده قُوتُ يومِه، فكأنَّما حِيزَتْ له الدُّنيا)).

لقد جعل النبيُّ صلى الله عليه وسلم الشعور بالأمن داخل البيت أوَّلَ دليلٍ على حيازة الدنيا؛ فلماذا ننتزع الأمن من قلوب أبنائنا انتزاعًا، ونغرس فيهم من سهام الخوف سهامًا وسهامًا؟!

أليس في السير على شرع الله حياة؟

أليس الله بأعلَمَ بما يُصلِح حال عباده؟

لو علم الله في هجركَ هذا خيرًا، لأرشدك إليه، فَسِرْ على طريق الحقِّ تَسعدْ، سِرْ على شرع الله؛ كي لا تقتل أبناءك، وحين تُريد أن تُؤدِّب زوجتَكَ الناشز اهجرْها في المضجع وليس خارج غرفتكما، وذلك بعد استنفاد وسائل النصح، وحين تختلف مع زوجتك التي تتقي الله فيكَ، ابحثْ معها عن وسائل لعلاج مشكلاتكما داخل غرفة نومكما، ولا تجعل الهجر أوَّلَ حلولِكَ فتُدمِّرَ أبناءك.

____________________________________

بواسطة : أ / رضا الجنيدي .
____________________________________

رابط الموضوع:

https://cutt.ly/tAgkj4U

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.