النظافة الزوجية وأثرها في استدامة الحياة السعيدة

نشرت بعضُ الصحف السيارة أن إحدى السيدات قد رفعت قضية ضد زوجها بطلب تطليقها منه؛ نظرًا لأنه لا يستحم. وفي مصر رأينا بعض زوجات يطلبن الخلع في المحاكم لأن أزواجهن لا يستحمون إلا مرة واحدة في الأسبوع، وأخريات يطلبن الخلع بسبب أن الزوج يتناول الثوم يوميًّا ورائحته تؤذيها، أو لأنها تتأذى من رائحة جورب زوجها، أو نتن رائحة قدمه بسبب انتعال بعض الأحذية المسببة لهذه الرائحة، أو نتن رائحة فمه بسبب عدم استعمال معجون الأسنان، وزوجة سابعة قِصَّتها غريبة مع زوجها؛ إذ إنها بعد أن أقامت دعوى تطليق من زوجها (قبل صدور قانون الخُلع في مصر) وقفت أمام القاضي لتقرِّر أنها لا تعيب عليه في خُلق ولا إنفاق؛ فهو دمِث الخُلق، ينفق عليها بسخاء، لكنها طلبت من القاضي حينما حضر الجلسة أن يقترب من منصة القضاء، فلمَّا استدعاه ووقف بين يديه، طلبت منه أن يشَمَّ رائحته، فإذا بالزوج تنبعث منه رائحة كريهة، فلما استفسر القاضي عن سرِّ هذه الرائحة، قالت له الزوجة: إن زوجها قد أصيب بعقدة من الاستحمام منذ صغره، حيث كاد يغرق في البانيو الذي تنظفه فيه أمه، ومن يومها وهو يستعمل العطور لتطيب رائحته، ولكن هيهات هيهات! فالعطورُ وحدها لا تكفي لإزالةِ رائحة البولينا المنتشرة في العرق؛ وما كان للقاضي إلا أن أجابها لطلب التطليق، وحكم لها به.

ولقد ذكَّرنا هذا بتلك المرأة التي جاءت إلى عمر بن الخطاب بصحبة زوجها تطلب منه التفريق بينهما؛ لأنه أشعثُ أغبر لا يهتم بهندامه؛ فما كان من عمر إلا أن طلب منها أن تترك زوجها له وتأتي بعد يومين، ماذا فعل عمر مع زوج المرأة؟

لقد أرسله ليستحمَّ ويأخذ من شَعر رأسه ويقلِّم أظافره ويتطيب، فانقلب حال الرجل إلى خير حال، وأرسل عمر إلى الزوجة يستدعيها، فلما مثلت بين يديه، أمرها أن تأخذ بيد زوجها ويعودا إلى عش الزوجية، فنظرت المرأة إليه فاستغربته ونفَرَتْ منه، ثم عرفته، فقبِلته، ورجعت عن دعواها (بعد إجراء تعديلات النظافة عليه)، ثم وضعت يدها في يده وخرجت من عند أمير المؤمنين مسرورة منشرحة القلب؛ فقال لهما أمير المؤمنين عمر: “هكذا، فاصفوا لهن كما تحبون أن يصفين لكم”.

وكان ابن عباس يقول: “إني أحب أن أتزين لزوجتي كما أحب أن تتزين لي”.

ومن المعلوم أنه لا شيء يهدد العلاقةَ الجنسية بين الزوجين بالفشل الكامل قدر ريح الفم وعفَن اللِّثَة والأسنان عند الزوجين أحدهما أو كليهما؛ فهذا زوج قال لزوجته في أول زواجهما: “انتبهي جيدًا للروائح؛ فأنا حساس جدًّا من الروائح الكريهة”، وهذا آخر طلق زوجته بعد أشهر من الزواج، فلما سئل عن سبب ذلك قال: “رائحة فمِها لا تطاق!”.

 

الطهور باب للجنة

 

إن الطُّهور شطر الإيمان، وفيه صحة الأجسام، ونضارة الأبدان، حث عليه القرآن خمس مرات؛ فقال: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا” [المائدة: 6].

والطُّهور سبب لمحبة الديان القائل: “إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ” [البقرة: 222]، كما أنه موجِب لدخول جِنان الرحمن والفوز بالرضوان، بعد أن عده النبيُّ من علامات الإيمان وشعائر الإسلام؛ فقال في الحديث: “تخلَّلوا؛ فإنه نظافة، والنظافة تدعو إلى الإيمان، والإيمان مع صاحبه في الجنة” رواه الطبراني.

النبي صلى الله عليه وسلم أسوتنا وقدوتنا في النظافة والروائح الجميلة الطيبة:

فقد كانت له سُكَّة يتطيب منها، وكان ابن عمر يستجمر بالأَلُوَّة غير مُطرَّاة، وبكافور يطرحه مع الأَلُوَّة (الألوة بفتح الهمزة وضمها: العود الذي يُتبخَّر به، وغير مطراة: أي: غير مخلوطة بغيرها من الطِّيب)، ويقول: هكذا كان يستجمرُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم.

وقد وقَّت النبي صلى الله عليه وسلم للغسل يومًا كل أسبوع؛ ففي الحديث: “غُسل الجمعة واجبٌ على كل محتلم، وسواك، ويمس من الطِّيب”؛ (رواه مسلم).

والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: “حُبِّب إليَّ من دنياكم الطِّيب والنساء، وجُعلت قرة عيني في الصلاة”، و”من عرض عليه طِيب، فلا يرده؛ فإنه طيِّب الريح، خفيف المحمل”، وكان صلى الله عليه وسلم لا يردُّ الطيب، وكانت تفوح منه دائمًا رائحته، حتى إذا ما سار في طريق عرف الناس (من جمال رائحته) أنه كان يسير فيه.

وعن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أطيب الطيب المسك”، أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي.

 

 

منافع الطيب

 

والمسك ملِك أنواع الطيب، وأشرفها، وأطيبها، وهو الذي تضرب به الأمثال، ويُشبَّه به غيره، ولا يُشبَّه بغيره، وهو كثبان الجنة (والكثيب: الرمل المستطيل المحدود)، يسرُّ النفس، ويقوِّيها، ويقوي الأعضاء الباطنة جميعها شربًا وشمًّا، والظاهرة إذا وضع عليها، نافع للمشايخ والمبرودين، لا سيما من الشتاء، جيد للغشي والخفقان وضعف القوة؛ بإنعاشه للحرارة الغريزية، ويجلو بياض العين، وينشف رطوبتها، ويفُشُّ الرياح منها، ومن جميع الأعضاء، ويبطل عمل السموم، وينفع من نهش الأفاعي، ومنافعه كثيرة جدًّا، وهو من أقوى المفرحات“، زاد المعاد ج4 ص 395 لابن القيم.

وفي الحديث، استحباب الطيب للرجال كما هو مستحب للنساء؛ لكن يستحب للرجال من الطيب ما ظهر ريحه وخفي لونه، وأما المرأة: فإذا أرادت الخروج أو غيره كُرِه لها كل طيب له ريح، ويتأكد استحبابه للرجال يوم الجمعة والعيد، وعند حضور مجامع المسلمين، ومجالس الذكر والعلم، وعند إرادته معاشرة زوجته، ونحو ذلك؛ (قاله النووي في شرح مسلم (15 / 10).

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “طِيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطِيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه”؛ أبو داود في اللباس (4/324) مشار إليه في منهج السنة النبوية في رعاية الصحة ص 90.

وفي الطيب من الخاصية أن الملائكة تحبه، والشياطين تنفِرُ منه، وأحب شيء إلى الشياطين الرائحة المنتنة الكريهة؛ فالأرواح الطيبة تحب الرائحة الطيبة، والأرواح الخبيثة تحب الرائحة الخبيثة، وكل رُوح تميل إلى ما يناسبها؛ فالخبيثات للخبيثين، والخبيثون للخبيثات، والطيبات للطيبين، والطيبون للطيبات، وهذا وإن كان في النساء والرجال، فإنه يتناول الأعمال والأقوال، والمطاعم والمشارب، والملابس والروائح، إما بعموم لفظه، أو بعموم معناه؛ (زاد المعاد ج 4 ص 280).

ومنافع الطيب كثيرة؛ فلذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعمله كثيرًا.

 

 

نظافة فم النبي صلى الله عليه وسلم

 

وكانت أم المؤمنين عائشة حينما تُسأل عن أي شيء يبدأ به النبي حينما يستيقظ من نومه، تقول: كان يبدأ بالسواك، وكذلك كان يفعل حينما يدخل بيته.

وقال صلى الله عليه وسلم: “لولا أن أشقَّ على أمتي، لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة”؛ (البخاري).

وقال أيضًا: “مَن أكل البصل والثُّوم والكراث، فلا يقربن مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم”؛ (متفق عليه).

وفي حثّه صلى الله عليه وسلم على نظافة أسنان المسلم، وحتى لا يوجد بينها بقايا طعام يتخمر ويؤدي إلى تعفن رائحة الفم ونتانته، روى الإمام أحمد في مسنده أن أبا أيوب قال: خرج علينا صلى الله عليه وسلم فقال: “حبذا المتخللون من أمتي”، قال: وما المتخللون يا رسول الله؟ قال: “المتخللون في الوضوء، والمتخللون من الطعام؛ أما تخليل الوضوء، فالمضمضة والاستنشاق وبين الأصابع، وأما تخليل الأسنان، فمن الطعام، إنه ليس شيء أشد على الملَكين من أن يريا بين أسنان صاحبهما طعامًا وهو قائم يصلي“، وفي سنن ابن ماجه وغيره قال صلى الله عليه وسلم: “تسوكوا؛ فإن السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب، ما جاءني جبريل إلا أوصاني بالسواك، حتى خشيت أن يُفرَض عليَّ وعلى أمتي”.

وفي الاعتناء بهندام المسلم وجمال هيئته وحُسن مظهره وباطنه يقول صلى الله عليه وسلم منبهًا وآمرًا: ((قصوا أظفاركم، وادفنوا قلاماتكم، ونقوا براجمكم، ونظِّفوا لثاتكم من الطعام، لا تدخلوا علي قلجًا بخرًا))، (القلج: هو صفرة الأسنان، والبراجم: العقد التي في ظهور الأصابع يجتمع فيها الوسخ، والمراد بدفن القلامة تغييبها تحت الأرض؛ لأن أجزاء ابن آدم مكرمة، والبَخَر: هو نتن رائحة الفم).

 

وسنن الفطرة أيضًا نظافة

 

يقول كذلك في وصيته لأمته (رجالها ونسائها): “من الفطرة: حلق العانة، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، والختان”، ويحث على تنظيف المغابن، (وهي الأرفاغ: جمع رفغ، وهي بواطن الأفخاذ عند الحوالب، وكل ما ثنيت عليه فخذك من شأنه أن يجتمع فيه الوسخ والعرق)، وإزالة شعر العانة، وفي حديث عكرمة: “من مس مغابنه، فليتوضأ”، وذلك احتياطًا منه صلى الله عليه وسلم؛ فإن الغالب على من يلمس ذلك الموضع أن تقع يده على فرجه.

وقد قالت الحكماء‏:‏ من نظف ثوبه قل همه، ومن طاب ريحه زاد عقله‏.‏

عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جوَاد يحب الجود، فنظفوا أفنيتكم وساحاتكم، ولا تشبَّهوا باليهود”، وفي لفظ: “فنظفوا بيوتكم”.

النظافة واجبة على الزوجة أيضًا:

ذلك أن المرأة شريكة للرجل في أوامر الشرع الحنيف ونواهيه؛ فالنساء -كما هو معلوم- شقائقُ للرجال؛ قال تعالى: “وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ” [البقرة: 228]؛ لذلك فنظافة الزوجة وتجمُّلها لزوجها واجبة عليها، وما من امرأة تعهدت نفسها بنظافة ثيابها وبدنها وجمال ظاهرها وباطنها، إلا حازت في قلب زوجها المكانةَ العالية، والمنزلة السامية، والمرأة التي تهمل نظافة بدنها تعملُ على إبعاد زوجها عنها بيدها، ليرتمي في أحضان أخرى نظيفة.

وقد قال جان جاك روسو: ليس ينفر الإنسان من شيء في العالم أكثر مما ينفر من المرأة القذرة.

ومن المؤسف أن نرى كثيرًا من النساء يهملن الزينة والتجمل والنظافة في بيوتهن، بينما يظهرنها للرجال في الطرقات العامة، وهذا تبرُّج فاحش، لا يجمل بالمرأة أن تُظهِره، وكأني بها تتمثل المثل المصري القائل: (في البيت قردة، وفي الشارع وردة).

ولقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم المرأة التي سألتْه عن غسل الحيض أن تأخذ قليلاً من مسك أو غيره من الروائح الطيبة، فتجعله في قطنة أو صوفة أو خرقة أو نحوها، فتطيب به الفرج؛ لتزيل الرائحة الكريهة التي تتولد عن دم الحيض؛ (رواه الجماعة إلا الترمذي)، وما ذلك إلا مراعاة لحق الزوج في نظافة زوجته إذا أراد أن يلمس هذا المكان منها.

 

 

من وصايا الصحابة والتابعين

 

وما أجمل ما أوصت به أمامة بنت الحارث ابنتها أم إياس بنت عوف الشيباني عند زواجها من عمرو بن حُجْر ملِك كِندة، حيث قالت لها في الوصية الثالثة والرابعة: التفقد لمواقع عينيه وأنفه؛ فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشَم منك إلا أطيب ريح (رائحة).

وهذه امرأة توصي ابنتها فتقول لها: يا بنيتي، لا تنسي نظافة بدنك؛ فإن نظافته تحبب زوجك إليك، ونظافة بيتك تشرح صدرك، وتصلح مزاجك، وتنير وجهك، وتجعلك جميلة محبوبة ومكرمة عند زوجك، ومشكورة من أهلك وأهله ومن ذويك (أقاربك)، وأترابك وزائراتك، وكل من يراك نظيفة الجسم والبيت تطيب نفسُه ويسر خاطره.

هذا فضلاً عما للنظافة من تأثير في توطيد أركان الصحة والصفاء، وما للقذارة من أثَر في جلب الأمراض والشقاء.

قال الأصمعي: رأيت في البادية امرأة عليها قميص أحمر وهي مختضبة (يدها محمرة بالحناء)، وبيدها مسبحة، فقلت: ما أبعد هذا من ذاك! فقالت: “للهِ مني جانبٌ لا أضيعه .. وللهو مني والخلاعة جانب“؛ فعلمت أنها امرأة صالحة لها زوج تتزين له.

وهذا عبدالله بن جعفر بن أبي طالب يوصي ابنته حين تزوجت بالتجمُّل والنظافة، فيقول لها: “وعليك بالكحل؛ فإنه أزين الزينة، وأطيب الطيب الماء“.

وهذه نائلة زوجة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه ينصحها أبوها حين زواجها منه بقوله: “أيْ بنيتي، إنك تقدمين على نساء من نساء قريش هن أقدر على الطيب منك، فاحفَظي عني خَصلتين: تكحلي وتطيبي بالماء؛ حتى يكون ريحك (رائحتك) ريح شن أصابه المطر (الشن: القربة)”، (وانظر الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني).

وقال أبو الأسود لابنته: وعليك بالزينة، وأزين الزينة الكحل، وعليك بالطيب، وأطيب الطيب إسباغ الوضوء.

ويراعي الإسلام توجيه الزوجة توجيهًا لطيفًا للعناية بهندامها؛ حتى لا تظهر أمام زوجها إلا في أجمل صورة وكأنها في ليلة عرسها، كما يمنع الرجل من تطلب عثرات زوجته، أو رؤيتها على صورة قبيحة تنفِّره منها، (وبخاصة شعر العانة، المأمورة بإزالته مثل الرجل تمامًا).

وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا دخلت ليلاً، فلا تدخل على أهلك، حتى تستحد المغيبة وتمتشط الشعثة“؛ (المغيبة: هي التي غاب عنها زوجها، وتستحد: المراد به حلق العانة، والشعثة: القذرة؛ لبُعد عهدها بالاستحمام؛ لعدم وجود زوجها معها).

ألاَ فليعتبر بهذا نساؤنا وفتياتنا اللاتي شاعت فيهن اليوم بدعة إطالة الأظفار، التي تصبح مجمعات للأوساخ والميكروبات تحتها، وقد كشفت لنا العلوم الطبية الحديثة عن أن هناك أمراضًا تنقلها الأظافر غير النظيفة؛ مثل: الإسهال، والمغص، والتهابات العيون، والإصابة بالديدان المعوية، ناهيك عن نقص طهارة صاحبة الأظافر الطويلة.

يقول الشاعر:

قل للجميلة أطلقتْ أظفارَها .. إني لخوف كدت أمضي هاربا

إن المخالب للوحوش نخالها .. فمتى رأينا للظِّباء مخالبَا

بالأمس أنت قصصتِ شعرك غيلة .. ونقلتِ عن وضع الخليقة حاجبَا

وغدًا نراك نقلت ثغرَكِ للقفا .. وأزحتِ أنفك رغم أنفك جانبَا

مَن علَّم الحسناء أن جمالها .. في أن تُخالف خَلْقَها وتُجانبَا

إنَّ الجمال من الطبيعة رسمه .. إنْ شذ خط منه لم يكُ صائبَا

 

 

النظافة عند غير المسلمين

 

ولا يفوتنا في هذه المقالة أن نذكر حال غيرنا وموقفهم من النظافة؛ إذ بضدها تتميز الأشياء كما يقولون، ونقول مستعينين بتوفيق الله:

لتاريخ النظافة البدنية الداخلية جدًّا جدًّا في الغرب ريح ممقوت لا يزال حتى يومنا هذا على ما هو عليه، نادرًا ما يتغير، وإنه ليذكرنا بفضل الإسلام علينا، وحسد أعدائنا لنا عليه، حتى قالوا في عصر النبوة: “قد علمكم نبيكم صلى الله عليه وسلم كل شيء حتى الخراءة؛ (رواه أحمد، وأصحاب الصحاح جميعًا إلا البخاري).

وقد كان لهذا الوضع أثره المباشر فيما أظلم على أوربا من قرون في حدوث الطاعون، حتى ذكرت بعض الأخبار أن الفتاةَ الفرنسية حتى وقت قريب كانت لا تغتسل.

وكانت إحدى ملكات أوروبا تفتخر بأن الماء لم يقرب جسدها من بعد التعميد، فهل كان هذا حال (بلاطها)، أم خالفها بعضه، وأي ريح فاح في هذا البلاط؟!

لكن العجب العجاب أن يبرر القوم لهذا الوضع، فيذكروا أن بالفم من الجراثيم ما في الشرج، وهذه مغالطة أسوأ حالاً من هذا الوضع نفسه، فقد اجتهدوا للفم بأدوات لنظافة اللِّثَة والأسنان بمختلف المعاجين والسوائل، ولم يسلكوا السبيل نفسه إلى نظافة هذا الجزء من البدن بالماء.

قد رأينا -فيما سبق- أن الإسلام كان له فضل السبق في سَنِّ السواك، والحث على النظافة قبل أربعة عشر قرنًا من الزمان، حتى جعلها عنوان الإيمان وشعاره.

وقد حدث في سنة 1963 في مدينة دندي بإنجلترا أنْ ظهرت حالات (تيفود) بصورة متلاحقة في فترة وجيزة، مما أثار القلق من أن يتصاعد هذا الموقف إلى حدوث حالة وبائية بالمدينة.

وصدرت تعليمات صحية بوجوب الاستنجاء بالماء بعد التبرز، والإقلاع عن استعمال أوراق المراحيض؛ حيث إنه ثبت أن هذه أنجح وسيلة لمنع انتشار العدوى بالمدينة، وفعلاً اتبع سكان مدينة دندي هذه التعليمات التي جاء فيها حرفيًّا: “النظافة الشخصية تكون بالماء، كما يفعل المسلمون، وليس بالأوراق التي بدورات المياه…”، ولم تمض سوى أيام قليلة إلا واختفت حالات التيفود.

 

 

د. عوض الله عبده شراقة

المصدر

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.