الملل خطر يواجه الحياة الزوجية

د. أسامة حريري: “تغيير أسلوب التصرُّف من مأكل ومشرب، ومسكن ونوم، وسلوكيات للعلاقة الحميمة بين الزوجين – يكسر الملل”.

أ. فدوى الخريجي: “من طرق تجنب الملل حِرْصُ الزَّوجَين على تنمية هواياتهما، وهذا مما يَشغَلُهما، ويدخل شيئًا من التجديد في حياتهما”.

•   •   •   •   •

 

عُشُّ الزوجية يُبنى على أساس الحب والتفاهم بين الزوجين، ومع الاستمرار في الحياة الزوجية قد يَدب الملَلُ بين الزوجين، حسب شخصيَّتهما، مما يشكل خطرًا على أساس الحياة الزوجية، ويُسبب تباعدًا بين الزوجين، وفتورًا في العلاقة الزوجية، مما يُثقل كاهل الزوجين بالأزَمَات النفسية والمشاكل العائليَّة، ولأجل أن يكون الزوجين على قَدرٍ من الوعي والمسؤولية لا بد أن يتداركا حياتهما الزوجية قبل استيطان الملل الزوجي، وَيَعمَلان على حل جذري لهذه المشكلة التي تُواجِه الكثير، وتتطلب مزيدًا من النضج والتجديد في الحياة الزوجية.

 

“الألوكة” طرَحت هذا الموضوع على مختصِّين اجتماعيِّين، وأسريِّين.

 

فإلى ثنايا هذا التحقيق:

الملل قُدرَة سلبية:

بدايةً، مع د. أسامة حريري، عضو هيئة التدريس بقسم الإعلام في جامعة أم القرى، الذي يفسِّر الملل بقوله: “الملل: قُدْرَة سلبية تصل إليها الحياة الزوجية، وتأتي القدرة – السلبية، والإيجابية – من سلوك أو من قِيَم، أو منهما معًا، ويأتي الملل – في أكثر أسبابه – بعد الاستمرار والتكرار لنفس السلوك – مهما كان جميلاً وجذَّابًا – حتى تَمَلَّ منه النفس؛ جرِّبْ أن تكرر أكل أيِّ طعام – مهما كان لذيذًا – لفترة زمنية، من المؤكد أنَّك سَوف تَشعُر بالملل منه”.

 

اكسرا الملَلَ الزوجيَّ:

ثم يُضيف د.حريري طرقًا لكسر الملل بقوله: “يتم كسر الملل عبر تغيير السلوكيات، بحيث يتم تغيير أسلوب التَّصرُّف من مأكل ومشرب، ومسكن ونوم، وسلوكيات للعلاقة الحميمة بين الزوجين، هذا التغيير لا يشترط فيه نفقة مالية، بل هو تغيير للأماكن، مثل تغيير مواقع الأثاث من مكان لآخر دون شراء لأثاث جديد، وكذلك بالنسبة للملابس، فيتم تغييب لباس معين لفترة طويلة، ثم العودة إليه، فتراه العين كأنه جديد، ومن وسائل التغيير وسلوكياته في العلاقة الحميمة أن يقوم الزوجان بتغيير وتنويع المقدمات، التي تَسبِق العلاقة الحميمة؛ فإن تَعَوَّد الزوجان على نفس المقدمات، فهذا مما يجعلها تفقد إثارَتَها، مَهما كانَت مثيرةً”.

 

مقاوَمَة المللِ:

ويُوضِّح د.حريري عدَّة أساليب لمقاومة الملَل في الحياة الزوجية قائلاً:

1- السلوك: الحوار التفصيلي الصريح للوسائل التي يتمنَّاها ويريدها كل طرف من الزوجين؛ حيث يطلب كل طرف: ماذا يريد من الآخر؟ وماذا يتمنَّى من وسائل وسلوكيات حميمة؟ ولا بأس هنا من استعمال المنشطات الطبيعية.

2- البيئة: البعد عن البيئة المثيرة المحرَّمة؛ لأنها تَعرِض نماذج قد لا يجدها الزوجان، كل طرف في الآخر، من شكل وحجم وتفاصيل لم يخلقها الله في أحد الزوجين”.

 

حُسْن العِشْرة تَجلِب الخير:

ومَن جانب آخر تؤكد أ. فدوى الخريجي، المستشارة الدعوية والاجتماعية، أهميَّةَ حُسْن العشرة بين الزوجين؛ فتقول: “كلنا يعلم أن الإسلام اهتمَّ بأسُس تكوين الأسرة المسلمة، وأكَّد على تعميق أسباب ترابطها، والعناية بدعائم صلاحها واستقامتها، بحيث ينشأ أفراد الأسرة الواحدة على البر والفضيلة؛ قال تعالى: ﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الروم: 21]، ولا شك أن حُسْن العشرة بين الأزواج يجلب الخير والسعادة، ويبعد الشر والشقاوة، ففيه الرَّحمة والسرور، وجلب الصحة للأجسام والعقول، فتُنبِت الأسرة المتفاهمة الذرِّيَّة الصالحة التي ينتفع بها الإسلام والمسلمون، وهذا المشروع ليس بالمشروع السهل؛ فهو يحتاج إلى زوجين على علم ودراية بأمور كثيرة، سواءٌ تربوية أم نفسية، تنطلق من منطلقات شرعية هادفة، وهذا – ولله الحمد – نجده مُتَوافرًا في هذا الزمان؛ حيث تُعقَد الدورات المكثفة للمقبِلِين على الزواج، وأنا أنصح كل من أقبل على الزواج بالالتزام بمثل هذه الدورات؛ ليستطيع أن يحقق أسرة ناجحة بعد توفيق الله، خاصة في هذا الزمان، الذي كثرت به المُلهِيَات والإدعاءات الباطلة، حَفِظَنا الله جميعًا والمسلمين”.

 

زوجان لا يَمَّلان بسبب:

ثم تُبِيّنُ أ. الخريجي عن بداية تَسرُّب الملل إلى الحياة الزوجية بقولها: “من الممكن أن يتسرب الملل في بداية الحياة الزوجية؛ لأن هذا شعور طبيعي في أيِّ إنسان أن يمل من أشياء كثيرة؛ يكون مشتاقًا لها ويريدها، ثم بعد أن يتملَّكها يملها، ولكن سبحان الله، العلاقة الزوجية شيء آخر، يعني بالأصح ممكن أن تمتد عمرًا طويلاً، ولا يمل أحد الزوجين من الآخر، ولكن إلى متى؟

 

من وجهة نظري لهذا الأمر عدة أسباب:

1- أن تكون العلاقة مبنيةً أصلاً على تقوى الله – سبحانه وتعالى – وليس على الخيانة والطرق الملتوية.

2- أن تكون المحبة والمودة هي دَربَهم في هذه الحياة.

3- عدم تَسرُّب الفراغ لحياتهما، فمتى تفرغوا التَّفرُّغ الزائد بدأ الملل يدب؛ لذلك على الزوجة الانشغال الدائم المتوسط الذي لا يؤثر في الحياة؛ فكثرة الفراغ، وطول بقائهما معًا يجعلهما يَمَلاّن بعضهما البعض، ولو نظرنا إلى بعض الأزواج الذين يعيشون وسط أسرة الزوج لا يشعرون بالملل، والسبب أن هناك أحداثًا تمر بالأسرة تَشْغَلُهم معها.

4- أيضًا على كِلا الطرفين أن لا يكون ثقيلاً على الآخر بكثرة الطلبات، والعتاب والتَّدَخُّل فيما لا يعنيه،خاصةً وأن الزوج إن كان في بداية حياته الزوجية يكون خارجًا من أسرة هو فَرْد وجزء منها، وفجأةً يكون هو المسؤول الأول، فقد تثقل عليه مسؤوليات هذه المرأة فيَملُّها، وكذلك يكون قد اعتاد الحرية، والخروج والدخول، والنوم، والأكل متى شاء، وفجأة يجد نفسه أمام من يحاسبه على كل شيء؛ فيَمَلُّ منها”.

 

أعجبني هذا:

وتسترسل الأستاذة قائلةً: “وقد أعجبني عقل إحدى الفتيات أمام تَصرُّف زوجِها، تقول: “كل يوم أطبخ له الغداء، ثم يتأخَّر، فإذا جاء سألته: أتريد الغداء؟ فيقول: تغدَّيْت عند أمِّي، فَصبَرْتُ عليه حتى تعوَّد أن لا يتغدَّى عند أمِّه، ولم يحدُث بينهما أيُّ مَشاكل، ولله الحمد”.

 

5- ملء حياتهما بالعبادة، وهجر الذنوب والمعاصي؛ فهذا – بإذن الله – يحفظ لهما الحب والمودَّة.

6- من طرق تجنب الملل حِرْصُ الزَّوجَين على تنمية هواياتهما، وهذا مما يَشغَلُهما، ويدخل شيئًا من التجديد في حياتهما.

 

المللُ في خريف العمر:

ثم تُبين أ. فدوى الخريجي أن الملل قد يكون في آخر السنين بقولها: “كذلك من الممكن أن يدب الملل في آخر السنين من الحياة الزوجية، وهذا حسب ما ذكره علماء النفس بسبب استقلال الأبناء من عائلاتهم، فَتَخْلُو الدار على الأب والأم، فيَبحَثان عن علاقة جديدة تملأ حياتهما وأوقات فراغهما.

 

وهذه المرحلة – مرحلة منتَصَف العمر – مِن أخطر المراحل التي تمر بها الأسرة، وخاصة للذين تزوَّجوا في سنٍّ مُبَكِّرَة وغيرهم من خلال التجربة، فيُحِسُّ الفرد بأن حياته أصبَحَت رتِيبَة مُمِلَّةً، فَيشعُر بأنه بحاجة لنَوْعٍ جَديد من الاستثارة والمخاطرة؛ حتى يضفي على حياته الآمنة الراكدة ألوانًا جديدةً من المُتعَة والعاطفة؛ لذلك يميل أغلب الأفراد – في هذه المرحلة – إلى التأنُّق أو التألُّق وَالعناية الشديدة بالملبس والمظهر الخارجي؛ حتى يُصبِحوا مَثارَ اهتمام الناس، وإن كان الفرد بعيدًا عن الله تعالى، ولا يملأ قلبه التقوى يميل إلى مغازلة الجنس الآخر، لِيملأ حَياتَه كما ذكرنا بالاستثارة، وهذا يؤدِّي إلى تدَهور الحياة الزوجية الهادئة.

 

لذلك أنصح كل امرأة وكل زوج أن يحاول أن يُشْبع الطرف الآخر على قدر استطاعته بالحلال، خاصةً في هذه المرحلة العمرية الخطرة، والتي تبدأ من الأربعين للستين”.

 

شمَّاعة التقصير:

ثم تختتم أ. فدوى الخريجي حديثها: “يجب على كل فرد أن لا يجعل التقصير والنقص، الذي يعيشه في حياته شمَّاعة لوقوعه في حرُمات الله تعالى، فنجد أن كثيرًا من المحرومين والمحرومات يُبرِّرون لأنفسهم الوقوع في الحرام، من زنا أو معاكسات، أو مغازلات أو صداقات، سواءٌ بالهاتف أم (الماسنجر) – بأنهم محرومون من الأزواج أو من الحبِّ، ويعانون الفراغ العاطفي، وأنا أقول لكل هؤلاء: اتقوا الله، وانظروا إلى مَن حولنا – ولله الحمد – مِن النساء والرجال، العفيفين والعفيفات، فكم من امرأة عاشت بلا زوج، شغلت نفسَها بالعمل الخيري، وحفظ كتاب الله، وخدمة الدين، ولم تلجأ للحرام، وعفَّت نفسها، ورَضَت بقضاء الله وقدره، وكذلك شباب ورجال ابتلوا أيضًا بعدم الزواج، لم يقودهم هذا إلى ما حرم الله، فهذا يحتاج منَّا إلى العودة والرجوع إلى الله تعالى، والانشغال برضاه علينا”.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بواسطة : تهاني السالم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.