العلاقة التكاملية بين الزوجين في الأسرة المسلمة 

بينما كانت المجتمعات الجاهلية- قبل الإسلام- تضرب في التيه والظلم بما يتعلق بالمرأة، حتى جرَّدَتْها من حقوقها البشرية وخصائصها الإنسانية- تحت تأثير تصوُّرات سخيفة أحيانًا، واستضعاف لها أحيانًا أخرى- كانت الإرادة الإلهية تُمهِّد لنزول تشريع عادل، يُنصِف المرأة ويُعيدُها إلى مصافِّ الإنسانية، فيجعلها شقيقة للرجال، وتكمل النصف الثاني للحياة الأسرية، ففي الحديث الشريف: ((إنَّما النِّساءُ شقائقُ الرِّجالِ))[1]، وبهذا يسمو بها الإسلام إلى درجة لم تكن تحلم بها في يوم من الأيام.

وعندما انتكست البشرية مرة أخرى، وتنكَّر معظمها لمنهج ربِّها، أرادت معالجة الخطأ الشنيع الذي وقع فيه آباؤهم قبل الإسلام، فانحرفت إلى الضفة المعاكسة تمامًا، وأطلقت للمرأة عنانها وقيودها، غافلة عن طبيعة تكوين المرأة، بأنها نفس لنفس، وإنسان خلق لإنسان، وشطر مكمل للشطر الآخر؛ ومِن ثَمَّ فهي مع الرجل زوجان متكاملان، وهما أبعد ما يكون عن التماثُل المطلق الذي توهمته العقلية الغربية في أعقاب الثورة الفرنسية.

ومع الأسف فقد تأثَّر بعض ذراري المسلمين بهذا الانحراف، وتناسوا النداء الرباني في القرآن العظيم ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]، فالمرأة والرجل نوعان لجنس واحد، ومن مجموعهما يتكوَّن الجنس البشري، وهما يكمل بعضهما بعضًا، كما يتكامل الليل والنهار، فيكوِّنان يومًا هو (وحدة الزمن)، وقد جاءت الآيات تربط بين هذين الأمرين في سياق واحد ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾ [الليل: 1 – 4].

وهذا التكامُل يستدعي التقاء الرجل والمرأة في بعض الأعمال، وافتراقهما في أعمال أخرى، منشؤه اختلاف الخصائص بينهما، وهذه الخصائص التي أفرزت نوعين مختلفين، ضمن دائرة الجنس الواحد[2].

يقول د.( ألكسيس كاريل): “الحقيقة أن المرأة تختلف اختلافًا كبيرًا عن الرجل، فكل خلية من خلايا جسمها تحمل طابع جنسها، والأمر نفسه صحيح بالنسبة لأعضائها، وفوق كل شيء بالنسبة لجهازها العصبي، فالقوانين الفسيولوجية غير قابلة للين مثل قوانين العالم الكوكبي، فليس في الإمكان إحلال الرغبات الإنسانية محلها؛ ومِن ثَمَّ فنحن مضطرُّون إلى قبولها كما هي، فعلى النساء أن ينمين أهليتهن تبعًا لطبيعتهن، دون أن يحاولن تقليد الذكور، فإن دورهن في تقدُّم الحضارة أسمى من دور الرجال، فيجب عليهن ألَّا يتخلَّين عن وظائفهن المحددة”[3].

وانطلاقًا من هذا الاختلاف في خصائص كل منهما، وزَّع الإسلام أعمال المرأة في نطاق الأسرة، فوجَّه المرأة إلى داخل الأسرة لتمارس مهماتها، ويكون العمل خارج البيت من مهمات الرجل الرئيسية، كما روي في هذا السياق أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بين ابنته فاطمة وزوجها علي رضي الله عنهما، فحكم على فاطمة بالخدمة الباطنة (خدمة البيت) وحكم على عليٍّ بالخدمة الظاهرة (خارج البيت).

ولا يعني هذا أن خدمة البيت حكر على المرأة لا دخل للرجل فيه، وأن العمل خارج البيت حكر على الرجل، لا شأن للمرأة به، فالجمهور من الأئمة (مالك والشافعي وأبو حنيفة وأهل الظاهر) على أن هذا الحكم بين عليٍّ وفاطمة لا يحمل على الوجوب؛ بل هو توجيه إلى مكارم الأخلاق، وأن عقد النكاح إنما اقتضى الاستمتاع لا الاستخدام[4].

والحق أن أهم أعمال المرأة هو القيام بواجب الأمومة وتربية الأطفال، وهي رسالة عظيمة ومجال رحب، فيه تتمُّ صناعة الإنسان في بداية حياته الأولى، فوق ما توفره الزوجة من أسباب السكينة للبيت الوادع.

وإذا لم يكن محظورًا على الرجل أن يعمل في خدمة بيته مشاركًا زوجته في هذا الواجب، فليس محظورًا كذلك أن تعمل المرأة خارج بيتها، فإذا كان طلب العلم فريضة، فأيُّهما أولى بتعليم النساء، ومن أولى من المرأة بمزاولة الأمور الطبية الخاصة بالقطاع النسائي؛ كالتوليد مثلًا، ولقد ورد أن بعض نساء الصحابة كان لهن دور في مجال الصناعة، كما روي عن امرأة عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنها (كَانَتْ امْرَأَةً صَنَاعَ الْيَدِ، فَكَانَتْ تُنْفِقُ عَلَيْهِ وَعَلَى وَلَدِهِ مِنْ صَنْعَتِهَا، فَأَتَتْ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ ذَاتُ صَنْعَةٍ أَبِيعُ مِنْهَا، وَلَيْسَ لِي وَلَا لِوَلَدِي وَلَا لِزَوْجِي نَفَقَةٌ غَيْرَهَا، وَقَدْ شَغَلُونِي عَنِ الصَّدَقَةِ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ، فَهَلْ لِي مِنْ أَجْرٍ فِيمَا أَنْفَقْتُ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَنْفِقِي عَلَيْهِمْ فَإِنَّ لَكِ فِي ذَلِكَ أَجْرَ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ))[5]؛ ولكن ينبغي التنويه إلى أن عمل المرأة خارج البيت مشروط بالحاجة والضوابط الشرعية.

وقد بلغ التكامل بين الرجل والمرأة في التصوُّر الإسلامي مداه، حتى تجاوز القضايا المادية إلى الأمور المعنوية، فنظر إلى النقص الذي يعتري الرجل والمرأة أحيانًا في أخلاقهما وتصرُّفاتهما، فيغضب الرجل ويخرج عن طوره، أو تغضب المرأة وتخرج عن صوابها، فأرشد الإسلام الزوجين إلى أن يراعي كل منهما هذا النقص في الطرف الآخر؛ ليحصل التكامل، وتتوازن التصرُّفات، وتستقر الحياة بينهما، حتى لا يحصل الشطط من كلا الطرفين، خاصة عندما لا يتمالك الإنسان نفسه في حالة الغضب الشديد، الذي يفقد الإنسان توازنه وعقله في بعض الأحيان.

وبيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كان المثل الأعلى في هذا السياق، فكان صلى الله عليه وسلم خير معلم لأرباب الأسر وللبشرية جمعاء، فيروي لنا أنس رضي الله عنه (أن النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ بِصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، فَضَرَبَتِ الَّتِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهَا يَدَ الخَادِمِ، فَسَقَطَتِ الصَّحْفَةُ فَانْفَلَقَتْ، فَجَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِلَقَ الصَّحْفَةِ، ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحْفَةِ، وَيَقُولُ: ((غَارَتْ أُمُّكُمْ))، ثُمَّ حَبَسَ الخَادِمَ حَتَّى أُتِيَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا، فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا، وَأَمْسَكَ المَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ)[6].

فانظر- رحمك الله- كيف استوعب رسول الله صلى الله عليه وسلم الحدث، واحتمل هذا التصرُّف الذي ينمُّ عن نقص في طبيعة المرأة، وكيف راعى طبيعتها الأنثوية والغَيرَة التي تحرق أعصابها فتخرجها عن طورها؛ بل ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبعد من ذلك كله، وهو أنه مع استيعاب هذا الحدث المستفز لكل رجل، حاول أن يرفع من شأنها ويُعلي قدرها بقوله: ((غارت أمكم)) وبهذا اكتمل المشهد في أروع صورة ارتسمت في الأذهان.

ولو كانت هذه الصورة الرائعة من بيت النبوَّة حاضرةً في أذهان أرباب الأسر المسلمة رجالًا ونساءً، لرأينا كيف يُثري هذا التكامل بين الزوجين – في أعقاب غضب طرف من الأطراف- ولَمَا وجدنا هذه الطوابير من الرجال والنساء الذين يتسابقون إلى المحاكم الشرعية أحيانًا، وإلى لجان الصلح أحيانًا أخرى، لنرى الأطفال يعيشون بعدها في تمزُّق نفسي وأُسري، ومشاكل عائلية تُضفي عليها الحياة النكدة، وتفقد الأسرة المسلمة أجمل ما فيها من حياة سعيدة.

ويتحقَّق التكامل بين الرجل والمرأة في الأسرة في الناحية النفسية والفسيولوجية، فالحياة بلا عواطف جفاف لا يُطاق، وهو الجانب الذي تُغذِّيه المرأة باستمرار وتبثُّه في جوانب الأسرة، وبالمقابل فإن الحياة بلا صرامة وحسم وضبط تفسد الأسرة وتَنحلُّ عُرَاها، وهو الجانب الذي يقوم به الرجل.

ونجد الرجل ينظر في معظم حالاته إلى الأمور نظرة شمولية وبطريقة تُحقِّق الهدف، ولو أضفنا إليه دقة المرأة ونظرتها التحليلية واهتمامها بالتفاصيل- كما هو طبعها غالبًا- لوجدنا بأنهما اكتملا في صورة هي الأجمل والأنجح.

وحتى جانب (القوامة) في الأسرة، الذي هو من حقوق الرجل، فهو جانب لا يلغي تمكين المرأة من بعض الأمور، ودعم الرجل للمرأة لا يجعلها منافسةً له، فهما شريكان لا تستوي الحياة ولا تستقيم إلا بمساندة كل منهما للآخر، وحاجة كل منهما هي عماد التكامل المنشود، فلكل طرف ما يُميِّزه، وخاصة أن كلًّا منهما يكمل الآخر، وليس نِدًّا له.

ويتحقَّق التكامل في الأسرة بين الزوجين حين يسمح كل منهما أن يُقدِّم أقصى ما لديه من جهد مبذول لصالح الأسرة والمجتمع، في حدود ما منحه الخالق عز وجل من ميزات امتاز بها كُلُّ طرف عن الآخر.

___________________
بواسطة:

د/ أحمد سعيد صالح عزام

___________________
رابط الموضوع: https://www.alukah.net/social/0/159301/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.