الزواج يختلف عن الحب.. كيف تعرفت على زوجتك؟

د.الوهيد: لا يوجد سبب لرفض التعارف بين الزوجين في ظل الأسرة الحازمة

ورود الحب تزدهر رغم صحراء «القيم الجافة»

في الذكرى العشرين من زواج “محمد” اشترى زهوراً حمراء لزوجته واختار لها خاتم خطبة للمخطبين الجدد أوصى الصائغ أن يكتب عليه تاريخ زواجهما، وأول حرف من اسمه واسم زوجته على الرغم من احتفاظه بخاتمه القديم الذي اختاره في بداية خطبته لزوجته.. ولم ينس أن يدس بين الزهور بطاقة حمراء كتب عليها:(زوجتي الحبيبة.. مازلت أراك كما رأيتك منذ أول مرة، حينما نظرت إليك بعد عقد القران والخجل يزين وجنتيك، كنت جميلة ورائعة، الأنثى التي كم رسمتها في خيالي فجاء الواقع أجمل من الحقيقة بكثير، مازلت أشم ذات الرائحة التي كنت تضعينها وينتشر عطرها في المكان، ثوبك الأخضر الذي منح العشب خضرته، وتسريحة شعرك التي كانت كمن ترسمك فتاة قادمة من الوقار.. كل شيء فيك كان جميلاً.. خُلقك وأدبك وابتسامتك التي لا يمكن أن تبتسمها سوى امرأة بحجم نبلك.. مازلت بعد عشرين سنة من زواجنا أحبك.. الحب الذي لم أعرفه -حقيقة- إلاّ حينما تزوجت بك وفهمت معنى أن أتقاسم الحياة مع حمامة تحسن في كل يوم إشباع بيتي بالهدير، مازلت أشتاقك كأول مرة اشتقت فيها إليك بعد خطبتنا.. لم يتغيّر شيء!.. مازلت ملكتي وزوجتي التي اختارتها لي أمي فأحسنت الاختيار.. مازلت أنت كما أنت.. مكانك هنا.. في القلب.. فكل ذكرى زواج تمر علينا وأنت تسرقين هذا القلب الذي يراك ولا يرى سواك، كل ذكرى زواج وأنا أتمناك زوجة من جديد لي حتى إن مضى على هذا الزواج مائة عام).

استطاع “محمد” أن يحصل على الكثير من السعادة مع زوجه لم يختارها بل أسرته من اختارتها له، ولكنه حظي بنصيب كبير من التوفيق ووجد راحته وسعادته لدى امرأة تناسبت صفاتها مع ما يحلم به أن تتوفر في زوجته.. فلم يمنع الزواج التقليدي أن يرجح كفة الحب الذي ولد بعد الزواج بشكل كبير.. وعلى الرغم من أن زواج “محمد” كان موفقاً، إلاّ أن هناك كثيرين مازالوا يتذكرون كيف تعرفوا على زوجاتهم وتزوجوا بهم؛ في حين وجد هناك من أسند مهمة التعارف الأول بين زوجته وأسرته واكتفى بنظرة الأسرة.. فهل يتغيّر الجيل الجديد في طريقة تعارفه مع شريكة الحياة؟، أم أنه بالرغم من التطور الكبير والانفتاح مازال الشاب يفضل أن يعرف ويختار زوجته من قبل أسرته؟

اختيار العقل والقلب

مازال “عبدالمحسن حامد” يتذكر كيف تعرف على زوجته التي مضى على زواجه بها أكثر من (35) عاماً؛ فلم يكن زواج “عبدالمحسن” بشكل تقليدي على الرغم من وجود الحدود الكبيرة في تلك الفترة في العلاقات بين الرجل والمرأة، إلاّ أنه اختار زوجته بعد أن عرف عنها الكثير عن طريق “شقيقته”؛ فزوجته صديقة أخته وكانتا يتبادلان الزيارات بشكل دائم وربما حدث ذلك برفقة الأمهات.. وذات مرة دخل “عبدالمحسن” إلى المنزل دون أن يعرف بأن ضيوفاً موجودون مع أسرته فتفاجأ بوجود زوجته تقف مع شقيقته عند مدخل غرفة الضيوف.. ومنذ ذلك الحين وهو يصرّ على أن تكون صديقة شقيقته زوجته.

وأوضح أن الاختيار لم يكن بناءً على القبول الظاهرئ للفتاة؛ فالاختيار هنا تقاسمه القلب والعقل، وذلك ماجعل ذلك الزواج ناجحاً، فقد مضى على زواجهما سنوات طويلة مازال فيها يذكر لون الباب الذي كانت تقف زوجته لديه، وكيف كانت نظرتها له، وكيف شعر في تلك اللحظة؟، فالزواج لم يكن بشكله التقليدي الحقيقي ولم يكن بالشكل الخارج عن حدود التقليدية بالمفهوم الكبير، إلاّ أنه يعتبر أن القدر كان كريماً معه إذ منحه زوجة بكل ذلك الاختلاف والتعاطي والتقدير لزوجها وأبنائها وبيتها.

زوجته حبيبته

واختلف معه “سامي ناصر” الذي اختار زوجته عن حب كبير وعاش معها أجمل حكاية حب ممكن أن يعيشها طرفان انتهت بالزواج وإنجاب طفلين، وعلى الرغم من أن ذلك الزواج تم بعد تعارف كان أساسه الحب الذي كبر عبر سنوات بينهما، إلاّ أنه يرى أن الزواج أمر مختلف عن الحب.. فالتعارف الحقيقي يبدأ بعد الدخول إلى عش الزوجية وتحمل كلا الطرفين مسؤولية تلك الشراكة، فزوجته مازالت المرأة التي يحبها إلاّ أن الاختلاف موجود والتباين في العادات والطريقة -أيضاً- موجود، فالحب لم يستطع أن يغيّر كثيراً من معادلة الاكتشاف بعد الزواج والتعايش مع ذلك الاختلاف.

وأشار إلى أن أخاه أصغر منه بعشر سنوات وبعد عودته من الخارج وحصوله على الشهادة التعليمية أصرّ كثيراً على أسرته أن لا يدفعوه إلى الزواج، إلاّ حينما يتعرف على العروس ويتخاطب معها قبل الزواج بأشهر؛ حتى يتأكد من مدى اختياره، وعلى الرغم من صعوبة تحقيق ذلك على المستوى الاجتماعي، فلم يستطع أن يحصل على ذلك إلاّ من خلال محيط عمله، حيث تزوج بزميلته في العمل بعد أن وجد فيها من الصفات ما تؤهله أن يختارها زوجة.

وأكد “سامي” على أن التعرف على الزوجة سواء كان بالشكل التقليدي أو عن طريق الحب يبقى محاصراً ومختبراً بشكل دائم تحت مجهر الزواج؛ فمن الجميل أن يسبق الزواج حب يبنى عليه الاختيار، ولكن الأهم: كيف ننمي هذا الحب ليكبر في ضوء الزواج ويحقق المفهوم الحقيقي من خوض الحب قبل الزواج؟، وإلاّ فإنه لا يصبح هناك فرق بين الحالتين في الزواج!

خاطب شقيقتها

وتضحك كثيراً “أم مرام” وهي تتذكر كيف تعرفت على زوجها قبل 15 عاماً، فزوجها تقدم لخطبة شقيقتها التي تكبرها إلاّ أن شقيقتها كانت ترغب بالزواج من ابن عمها فرفضت الزواج منه، وبعد أشهر تفاجأت الأسرة بعودة نفس الخاطب يطلب الزواج منها، ولم تفهم أسرتها كثيراً موقف الشاب الذي كان مصراً على مصاهرتهم؛ مما أثار القلق بداخلهم، وبعد تفكير كبير تم الزواج وتزوجت من خاطب شقيقتها الذي تعرفت عليه من خلال خطبته لامرأة أخرى غيرها.

وأوضحت أن النصيب غالب، وأن القدر في الزواج يقودك دائماً لأن تقبل به حتى إن حمل معنى الغرابة أو حالة الدهشة، فهناك الكثير من التعارف الذي حصل بين زوجين بطرق غريبة؛ كحكاية صديقتها التي تعرفت على زوجها في محل لبيع التذاكر للسفر -حينما كانت طالبة جامعية- تتنقل من منطقتها إلى المنطقة التي توجد بها جامعتها، وتفاجأت أن من اعتادت على قطع تذكرتها لديه يتقدم لخطبتها، مشيرة إلى أن الجيل الجديد من الشباب لا يختلف كثيراً عن اختيار الزوجة لديه، فالكثير منهم مازال يفضل اختيار الأسرة له، إلاّ أن هناك بعض الأمور التي أنكسر الحياء والتردد في السؤال عنها من قبل الشاب، ولم تكن موجودة من قبل، وكذلك الفتاة؛ ففي السابق كانت الفتاة تخجل أن تسأل حتى عن اسم من تقدم لخطبتها في حين تأتي فتاة اليوم لتسأل عن شكله وصورته وترغب في سماع طريقة أحاديثه، بل ربما طلبت -هي- أن تراه “نظرة شرعية” قبل أن يطلب الشاب ذلك، والفائز الحقيقي في جميع ذلك من يظفر بذات الدين والخلق وحسن المظهر.

تفكير الشباب

وأكد “د.محمد الوهيد” -أستاذ التحضّر والجريمة في علم الاجتماع بجامعة الملك سعود- أن هناك تغيراً كبيراً أصبح ملحوظاً على مستوى الحياة الاجتماعية؛ فالتغيرات التكنولوجية أحدثت تقارباً شديداً، ففي السابق كانت المجتمعات أكثر قبولاً لأوضاعهم، من خلال الممارسات اليومية، واختيار الزواج والعمل والتعليم، وكانت الأمور تسير نحو التكرار وإعادة ذات المنظومة، وبعد التغيرات التي حدثت أصبح هناك تغير في طريقة تفكير الشباب، وأصبح الاختيار لم يعد محصوراً في دائرة القرابة الأولى أو الثانية أو الثالثة المحيطة به، أو على مستوى القرية أو المدينة، ولكن أصبح الاختيار يمتد نحو الكون كله، وعبر طبقات أفقية وعامودية جغرافية ومكانة اجتماعية، فكلما ازدادت الخيارات والحرية ازدادت الحيرة في تحديد الوسائل، فبعض الوسائل القديمة كانت نافعة وتحسم المشكلات الموجودة في اختيار الزوجة أو اختيار الزوج لقلة الاختيارات؛ فالاختيار بين عدد قليل أسهل من الاختيار في العدد الكبير.

وقال إن وجود عنصر المقارنة لكلا الجنسين أحدث نوعاً من الاختلال في الأبعاد الاجتماعية؛ ففي الأدوات القديمة للزواج كانت الأسرة تختار إحدى قريبات الشاب لتكون زوجته، أما الآن فالأقارب لا يعرفون بعض، والمسافات الجغرافية متباعدة اجتماعياً واقتصادياً وفكرياً، وشروط اختيار الزوجة أو الزوج أصبحت مختلفة عما كانت، ففي السابق الرجل يبحث عمن تشابه أمه في زوجته، والزوجة تبحث عمن يشابه أبيها كزوج، فالتصورات بسيطة جداً، إلاّ أن المجالات الآن والتجارب مختلفة، فالسفر أصبح موجوداً بقوة، والبعثات الدراسية كثيرة والاطلاع على الإنترنت ووسائل النشر المختلفة أحدثت تغيراً كبيراً على مستوى الطموحات، إلاّ أن الأدوات مازالت كما هي، والمتمثلة في البحث عن دائرة محددة قد لا يرغب بها الشاب، وربما تؤدي إلى كوارث مستقبلية، فالأدوات لم تعد تتماشى مع ما يتطلبها الشباب.

التعارف بين الزوجين

وأضاف أن هناك أسئلة محيرة أصبحت مستحدثة؛ في وقت بقيت فيه الأدوات القديمة لتحصل على زوجة موجودة، فإما التوصية عبر إحدى القريبات، أو اللجوء إلى من تمتهن الخطابة، مشيراً إلى أن الرجل لا يريد توصية على فتاة لم يرها وكذلك الفتاة، خاصة حينما يكون أدوات الضبط الاجتماعية عالية، ولذلك يحدث الاختلاف الذي قد يكون إيجابياً أو سلبياً، كما يزداد القلق بداخل قلوب الأمهات بعد ليلة الدخلة وكذلك الشاب الذي يسألونه بعد الزواج عن الفتاة، على الرغم من وجود تصنع الصورة ليرضي الآخرين، فالحذر ازداد في طرق الزواج، وأصبح هناك سؤال مكثف في المساجد وعبر الوظيفة والأحوال المدنية، فالاختيار في السابق كان من أشخاص تعرفهم، أما الآن فالاختيار من أزواج لا تعرفهم.

وأشار إلى أنه حتى الآن لا يوجد آلية واضحة لكيفية التعرف على الزوجة قبل الزواج، وإلى أي مدى قرارنا صحيح، فلاشك أن التجارب السلبية التي تنقل أكثر من الإيجابية، ولذلك فإن هناك تخوفاً دائماً ومتراكماً عن الزواج، ولكن الإقرار بأنها نسخ متداولة في طبيعة الزواج هي التي تعكس الأزمة في الزواج، داعياً إلى ضرورة أن يسهم الأخصائيون الاجتماعيون إلى تطوير بعض الأدوات المعمول بها في الزواج؛ فالفتاة تخشى أن تفهم خطأ حينما تبدي رغبتها في الزواج فتوصف بالجرأة، وحينما تتحفظ يقال عنها بأنها تخفي شيئاً، وكذلك الرجل الذي لا يعرف أن يطرح نفسه بشكل جيد أمام زوجته، لذلك لا يوجد سبب من رفض التعارف بين الزوجين في ظل الأسرة الحازمة، ويكون التعارف لغاية الزواج ويهدف إلى مزيد من التواصل دون أن ندخل في دوامة الترك، فعلينا أن ندرك بأن الجيل الجديد يختلف في اختياراته فالأزمنة تتغيّر والأدوات تتغيّر.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.