الزواج المختلط البداية نزوة، والنهاية صراع ومحاكم!!

 

حساسيةُ هذا الموضوع – الزواج المختلط – وإرباكاتُه المتعدِّدة تتطلَّب التدقيقَ والبحث في كلِّ الأسباب التي جعلتْ هذا الزواجَ ينتهي بشكل دراميٍّ في بعض الأحيان، وكأنَّه الوجهُ الآخَرُ لصِراع الحضارات بشكل مُصغَّر.

 

والنماذج التي عاينَّاها هنا وهناك انتهتْ بشكلٍ دراميٍّ للأسف الشَّديد، وحَدَث أن أصبح الأولادُ عُرضةً للضياع، والتذبذُب النفسيِّ والحضاري أيضًا.

 

ولا بُدَّ أن أُشير إلى أنَّ الزواج ظاهرةٌ اجتماعيَّة حضاريَّة نصَّت عليه كلُّ الشَّرائع السماويَّة؛ لتحقيق سَعادة الفرْد والمجموع، لكنَّ الزواج شأنُهُ شأنُ المؤسَّسات يحتاج إلى مُبرِّرات للاستدامة، وشروطٍ للاستمراريَّة، وعوامل للصقل، والحِفاظ على الديمومة، وتحصينِه من الانهيار.

 

ويُعتبر التوافقُ الثقافي والتلاقي الحضاري والعقَدي، بل الانسجام في التقاليد – من أهمِّ عوامل ديمومة هذا الزَّواج، وفي الغرْب على وجه التحديد، حيث أعيشُ وأرصد الأحداثَ والتطوُّراتِ مِن موقع المراقب، شاهدتُ أُسرًا عربيَّة وإسلاميَّة انهارَت عن بَكْرةِ أبيها، وانتهى الأولادُ إلى عُهْدة المؤسَّسات الاجتماعيَّة، والآباء إلى المصحَّات النفسيَّة، والأمَّهات إلى الانتحار أحيانًا، ومردُّ ذلك عدم قُدرة هذه الأُسَر على التفاعُل مع الجِسم الغربي العام، فأُصيبَتْ هذه الخلايا بالتلافي والتلاشي تمامًا.

 

ومن ناحية أخرى؛ فإنَّ أحسنَ مثالٍ على صِراع الحضارات وصدامه يمكن اختزالُه في مؤسَّسة الزَّواج المختلط، فبعدَ انتهاء النزوة أو الغَرَض الذي مِن أجله تمَّ هذا الزواج – من قبيل الحُصول على الإقامة الدائمة، أو الانبهار بالمظهر الماديِّ الآخَر – تبدأ المُتناقضاتُ تتجلَّى، والشُّعور واللاشعور يتضاربان، وحتى العربي أو المسلم الذي لا يلتزم بأيِّ قِيَمٍ دِينيَّة أو أخلاقيَّة، تستيقِظُ نخوتُه وشرقيَّته عندما يُبصِرُ أنَّ قرينتَه تعيش وَفْقَ الإيقاع الغربي الاجتماعيِّ الذي تعوَّدت عليه.

 

وقد تكون عمليات الزَّواج التي صَمَدت هي زواجُ العربي أو المسلم من غربيَّة مُسلِمة، وحتى هذا الزَّواج لا يخلو من مُدلهِمَّات أحيانًا، باعتبار أنَّ الغربيَّة المسلمة، ورغم إيمانِها بتعاليم الإسلام، إلاَّ أنَّها لم تتخلَّ بالمطلق عن تَرِكتِها الفِكريَّة والسُّلوكية، وأحيانًا يحدُث العكس، فرُبَّ مسلمٍ يتزوَّج مِن فتاةٍ غربيَّةٍ مسلمةٍ تُصبِحُ هي التي تعِظه؛ لأنَّه مُقصِّرٌ في أداء واجباته الدِّينيَّة.

 

وعلى سبيل الذِّكْر لا الحصر: أعرف عربيًّا متزوِّجًا بفتاةٍ سويديَّة تدعوه صباحًا ومساءً إلى ترْك الخمر، وبقيةِ المعاصي، وأن يكون مسلمًا قلبًا وقالَبًا، ولكن هذه الحالات نادرة.

 

الأولاد الضحية!

تُفيد الإحصاءاتُ الدقيقةُ في الغرب أنَّ الزواج المختلط كثيرًا ما يَنتهي إلى التلاشي، ويُصبح الأطفال هم الضحية، ويتأرجحون بين ثقافتَين ومنهجَين في الحياة، وفي الغالب – وحسبَ العينات والنماذج التي رأيتُها – تكون الغلبةُ الحضاريَّة للأمِّ الغربيَّة التي تُكوِّن أبناءها وَفْق منظومتها الفِكريَّة والاجتماعيَّة، يُساندها في ذلك مجتمعُها وأقاربُها ومحيطُها، وحضارتها وسلطاتها؛ وهناك حالاتٌ مِن الضياع، وسلسلة انهيارات وسط الأُسَر العربيَّة والمسلمة، هي فيما أتصوَّر امتدادٌ للانهيارات الكبرى التي باتتْ سِمةَ مرحلتنا العربيَّة الراهنة، وللإشارة فإنَّ مشكلاتِ الزواج المختلط تُرخِي بظلالها على العَلاقات الدوليَّة عندما تُثار قضايا من هذا النَّوع.

 

زواج الإقامة!

ويلجأ الكثيرُ من العرَب والمسلمين إلى الزواج من فتيات سويديَّات أو غربيَّات؛ للحصول على الإقامة الدائمة، أو الجِنسيَّة الغربيَّة، وتأكيد البقاء في الغرب، والحصول بعد ذلك على الامتيازات الاجتماعيَّة التي توفِّرها المؤسَّسات السويديَّة والغربيَّة للمواطنين والمُقيمين بطريقةٍ شرعيَّة.

 

وباعتبار أنَّ الدول الغربيَّة ضيَّقت الخِناق إلى أبعدِ الحدود على اللُّجوء السياسيِّ واللُّجوء الإنساني، واللُّجوء بكلِّ أنواعه، وأصدرتْ قراراتٍ وقوانينَ؛ للحدِّ الكامل من ظاهرة اللجوء، فإنَّ الحلَّ الوحيد المُتبقِّي أمامَ الراغبين في الإقامة في الغرْب هو الزواجُ من فتاة غربيَّة، تقوم هي بالطلب من السُّلطات المعنيِّة للإبقاء على زوجها، باعتبار أنَّ زواجَها ممَّن تغرَّب حقٌّ يكفله لها القانون الغربيُّ، وكثيرًا ما لجأ بعضُ العرب والمسلمين إلى الزَّواج بغربيات مُسِنَّات جاوزنَ سِنَّ الخمسين، حتى إنَّ أحدَ الشباب من المغرب العربيِّ قال لي: لقد أمضيتُ في بلدي سنتَين في الخِدمة العسكريَّة، وأنا مُجبرٌ على خِدمة عسكريَّة أخرى مع هذه العجوز.

 

وعندما يتزوَّج الشابُّ العربيُّ أو المسلم من المرأة الغربيَّة المُسِنَّة أو الشابة، فإنَّه لا يُمنح الإقامةَ الدائمة فورًا؛ بل يُمنح إقامةً تُجدَّد كلَّ ستة أشهر، وإذا حَدَث أثناءَ زواجه أنِ اختلف مع زوجته، فلِزوجتِه الغربية حقُّ طرْده في أيِّ ساعة، وما عليها إلاَّ أن تتصِل بالجهات المعنيَّة لتقول: لم أعُد أريدُ هذا الشخص في بيتي؛ ليكونَ مصيرُه الطردَ من البلد الذي يعيش فيه.

 

الطاعة العمياء

ولذلك تجد الشابَّ العربيَّ والمسلم يُبدِي كلَّ أنواع الطاعة لزوجته، ويقوم بتغيير شخصيته كليَّةً، وهذا الشاب الذي كان يتعالَى عن مساعدة أمِّه وإخوته في بلده الأصلي في غسْل الأواني والصُّحون وغيرِه، فإنَّه مُجبرٌ – باسم الحياة المشتركة وسلطةِ المرأة، وموقفه تحتَ رحمتها – على غسْل الأواني وتكنيس البيت والطبخ!

 

وزواجُ الإقامة هذا كثيرًا ما يَنتهي إلى الفَشل الذَّرِيع، أو الانتهاء فورَ حصول الشابِّ العربي أو المسلم على الإقامة الدائمة التي تُعطِيه حقَّ الإقامة في هذا البلد الغربي، وذلك مَدَى الحياة.

 

وقد أدركتْ بعضُ الغربيَّات حاجةَ الشابَّ العربي أو المسلم إلى الإقامة، فأصبحنَ يَعرِضنَ على مَن يرغب زواجًا وهميًّا على الورق مُقابل 10000 دولار ، أو أقل من ذلك بقليل، ويُسمَّى هذا الزواج: (الزواج الأسود)، كالعمل الأسودِ المنتشِر في الغرْب، والذي يَهدِف صاحبُه إلى التهرُّب من دفْع الضرائب.

 

الإنترنت وسيلة

وكثيرًا ما يلجأ بعضُ الشباب العربيِّ والمسلم إلى الارتباط بفتيات غربيَّات عن طريق المُراسلة، أو الإنترنت، وتنشأ عَلاقةُ حُبٍّ بين الطَّرفين، وخصوصًا في ظلِّ عيْش الفتاة الغربيَّة في مفردات الحبِّ والهوى، ويحدُث أن تطلب هذه الفتاةُ الغربية هذا الشاب، وتضطر إلى أن تُسكنَه في بيتها، وتُنفِق عليه!

 

وقد صادفتُ في السويد – على سبيل المثال – عشراتِ الشباب العربِ الذين يَعيشون مع فتيات بهذه الطريقة؛ والمهمُّ: أن يُشبِعَ هذا الشابُّ رغبةَ هذه الفتاة الجِنسيَّة، خصوصًا في ظلِّ البرودة الجنسيَّة لكثيرٍ من الرِّجال في الغرب.

 

وهذا لا يَعني أنَّه لا يوجد غربيَّات التزمن بالإسلام عقيدةً وسلوكًا، وأصبحنَ قدوةً حتى بالنسبة للمرأة المسلِمة التي تعيش في الغرْب، والمسلِمة الغربيَّة التي اعتنقتِ الإسلامَ عن قناعة، وقرأتِ الكثيرَ عن الإسلام يُمكِنُها أن تُسعِد زوجَها، وتُنشِئُ له ذريَّة مسلمة، وهناك مئاتُ الزواجات المختلطة التي تواصلتْ واستمرَّتْ بين شباب من العالَم العربيِّ والإسلامي وغربيَّات، ويحدُث أن تُصدَم المرأة الغربيَّة المسلِمة من تصرُّفات زوجِها المسلم إذا لم يكن ملتزمًا قولاً وعملاً بالإسلام، على اعتبار أنَّها قرأتْ أنَّ الإسلام يدعو – مثلاً – إلى الصِّدق وهو يكذب، وإلى الصَّلاة وهو لا يصلي.

 

غربيات مسلمات واللائي اعتنقنَ الإسلام، ومع ذلك تنشبُ بعضُ الخِلافات، خصوصًا وأنَّ السويديَّة المسلِمة – على سبيل المثال – تحتفظ في لا شُعورها بثقافتها الخاصَّة، والعربيُّ أو المسلم قد تصدُر منه بعضُ التصرُّفات التي لا تنسجِم مع رُوح الحضارة العربيَّة والإسلاميَّة، وفي المشهد العامِّ فإنَّ الزواج المختلط، وفي حالِ استمرارِه وتواصُلِه، فإنَّ الإحصاءات أكَّدَت أنَّ معظم أولاد المرأة الغربية ينشؤون وهُم لا يُتقِنون اللُّغة العربية، أو اللُّغة الفارسية أو التركية، لغات الآباء.

 

من نحن؟!

وفي مجالِ الزَّواج المختلط فإنَّ الذي يدفع الضريبةَ بشكل كبير هم الأولادُ الذين يَتيهون بين ثقافتَين متغايرتَين، وبين مسلكَين في الحياة لا يَلْتقيان، وعلى سبيل المثال فإنَّ الأطفالَ المتبنَّينَ الصِّغار الذِين استقدمتْهم عوائل سويديَّة متمكِّنة ماديًّا من سريلانكا والفيتنام والبلدان الفقيرة، ورغمَ أنَّهم تربَّوا في كنف ثقافة سويديَّة خالصة إلاَّ أنَّ هؤلاءِ الأطفالَ – وبعد أن كَبِروا – باتوا يتساءلون عن هُويَّتهم وثقافتهم وجذورهم، وحقيقة الحضارة التي ينتمون إليها، فما بالك بأطفال تتولَّى توجيههم ثقافتان مختلفتانِ في الحياة؟! وحسب معلومات دقيقة بياض في الأصل.

وفي الوقت الذي يتحدَّث فيه الأبُ عن وطنٍ مُرعِب، فإنَّهم يرون بأمِّ أعينهم وطنًا يُوفِّر لهم الأمن والطُّمأنينة والسَّلام، ويُوفِّر لهم راتبًا من الصِّغَر يُتيح لهم شراءَ حاجياتهم، وفي هذا المجال يُصبح الوطنُ الحقيقيُّ لهؤلاء الأبناء هو السويدَ، وبقيةَ العواصم الغربية، فيما يعيش الأبُ على أمل الرُّجوع إلى وطنه لصقل شخصية أولادِه، لكنَّ الزمن يُغالبُه، فيجد أمامَه أبناءً من صُلبه بيولوجيًّا، وثقافيًّا من صُلب الحضارة الغربيَّة.

 

الهروب بالأبناء

وحتى إذا حاول هذا الأبُ العربي والمسلم أن يهرُبَ بأبنائه إلى العالَم العربيِّ والإسلامي، فإنَّ العواصم الغربيَّة وضعتْ من القوانين ما تسترجع به حتى القِطط الغربية المهرَّبة إلى العالَم العربي والإسلامي! وخصوصًا في ظلِّ الضعف الرسميِّ العربي، وغياب مؤسَّسات عربيَّة وإسلاميَّة جادَّة تُحصِّن الأسرةَ العربية والإسلامية في الغرب.

 

وفي ظل غياب مؤسَّسات عربيَّة وإسلاميَّة قويَّة تُعنَى بمسألة الإحصاء، وإنجاز الدِّراسات الميدانية عن الزواج المختلط في الغرب، فإنَّه من الصُّعوبة بمكان إعداد جدول رقميٍّ عن تحدِّيات الزواج المختلط وانعكاساته على الأبناء، ولكن – ومِن خلال إمعان النَّظر في مِئات العينات – يُمكن القولُ بأنَّ أغلبية الشباب العربي والمسلم الذي يتزوَّج من غربيات – وخصوصًا المُسِنَّات – إنَّما يريدون الحصولَ على الإقامة، وكثيرًا ما يَنتهي هذا الزواج بمجرَّد تحقيق المراد، وهو: الحصولُ على الإقامة الدائمة أو الجِنسيَّة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بواسطة :هشام عطية – يحيى أبو زكريا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.