الخيانة الزوجية.. هل هي شر لا بد منه؟

من السهل تجنب الرمح، ولكن ليس السيف المخبوء“- حكمة صينية.

نشرت وكالة كونا دراسة عن “الغيرة الزوجية” بأنها أحد الأسباب الرئيسة لإصابة الزوجات بآلام الظهر والرقبة، مشيرة إلى أن عدم الاستقرار النفسي يدفع المرأة إلى الشعور بالآلام؛ خاصة إذا لاحظت تغيرات مفاجئة على الزوج.

وأوضح استشاري العلاج الطبيعي بكلية طب جامعة شيكاغو الأمريكية الدكتور حسام كمال أن عملية الضغط النفسي المتولد من الإفرازات الهرمونية تتسبب في ارتفاع ضغط الدم المؤقت بمناطق الرقبة والظهر، طبقًا لما ذكرته صحيفة الأخبار المصرية.

وقال إن هذه المناطق تعتبر أكثر تعرضًا للتقلص العضلي، مشيرًا إلى أن المرأة المعرضة للإصابة تتراوح أعمارها بين 20 و50 عامًا؛ فغيرة المرأة جزء من المساحة المخيفة التي تعيشها مع زوج خائن.

وأقسى ما في حدث كالخيانة الزوجية أن الزوجة تعضّ على ألمها وتختزن حزن العالم وثورته فقط لأن المجتمعات العربية تستنكر خيانة الزوج، لكنها في الوقت ذاته تنصح المرأة بالتعقل واحتمال نزق الزوج لأجل بقاء الأسرة؛ فمن يحتمل قهر المرأة؟ ومن يشاطرها نيران الغيرة والشك؟ ومن ذا الذي يجبر إنسانًا أن يعيش مع إنسان آخر لم يحترم إنسانيته ومشاعره؟ وكيف تبقى الأسرة حيّة وأحد أقطابها يموت ببطء؛ لأنه يبتلع الإهانة والقهر؟ الخيانة ليست قضية امرأة؛ إنما هي قضية ذات إنسان تحترق.

 

 

 

 

مدخل

يوضح استشاري الإرشاد الزوجي والأسري د.حمود القشعان أن مفهوم الخيانة الزوجية لا يقتصر على النظرة التقليدية القديمة، التي تحدد الخيانة فقط بالاتصال الجنسي؛ فالخيانة تشمل كل ما من شأنه أن يوجد علاقة غير شرعية، سواء بالكلمات أو المراسلات أو اللقاءات ذات الأهداف المشبوهة التي يترتب عليها مشاعر جنسية وارتباطات عاطفية؛ حتى وإن لم تصل إلى درجة الاتصال الجسدي. 

وإن الثورة التكنولوجية الحديثة وما صاحبها من سهولة وسائل الاتصال، سواء عبر الهواتف النقالة أو عبر الإنترنت، يمكن النظر إليها واعتبارها إحدى الوسائل والنماذج التي تدخل ضمن تعريف أنواع الخيانة.

 

 

 

 

نوع من العنف

أعترف بأنني أكتب هذه المقالة وأستعرض في ذهني صورًا لعدد من النساء المقهورات في بيوتهن بسبب العيش مع زوج خائن، وهي تعرف أنه ما من حل؛ فهو إما منكر وإما مجاهر دون اكتراث!

وأؤكد أن ردود أفعال النساء ليست واحدة؛ إنما تتوقف على وعي المرأة بذاتها وكرامتها، لكن المؤسف أن دراسة حديثة نشرها موقع “أمان” على الإنترنت أثبتت أن 86% من النساء اللاتي سُئلن عن رأيهن في العنف ضد المرأة قد وافقن عليه؛ بينما كانت نسبة الرجال 96%.

والنساء، كما يقول المستشار عدلي حسين، لا يستنكرن وقوع العنف عليهن؛ نظرًا لسيطرة بعض الآراء الخاطئة الموروثة على أفكارهن، مثل “ظل رجل ولا ظل حيط”، وكذلك التفسير الخاطئ للدين.

خيانة الزوج لزوجته بشكل فاضح، وإصراره عليها، في رأيي نوع من العنف؛ فقد أثبتت الدراسات أنه كلما رضخت الزوجة ازداد الزوج عنفًا!

 إذًا؛ سكوت المرأة على خيانة الزوج ليس عدلًا؛ وإنما لستُ أحرض على خراب الأسرة بقدر ما أدعو إلى عدم الخضوع، فمن حق الزوجة ألا تقبل ما يهينها أو يعذبها، ومن حق أولادها أن تحيا كريمة بما منحها الإسلام من كرامة واحترام.

 

 

 

 

فقط احترمي ذاتك!

إن المرأة التي تقف في وجه الخيانة هي التي تستطيع أن تحمي أسرتها، والطرق والوسائل عدة؛ فقط تقرر أن تحترم ذاتها.

وفي تفسير للجوء الزوج إلى الخيانة، يعلق بعض العلماء المسؤولية على المرأة؛ لأنه قد تكون الزوجة نفسها هي التي تدفعه دفعًا إلى امرأة أخرى، أو ما يسمى “عوامل الطرد” التي تدفع الرجل إلى البحث عن بدائل لهذه الزوجة؛ لكنني أرى الخيانة غير مبررة مهما كانت الدوافع، فهناك نسبة من الرجال لا يكتفون بامرأة واحدة ويبحثون عن أخريات، وهذه النوعية لديها خلل في الشخصية.

لكن هناك سببًا أساسيًا للخيانة بشكل عام، هو انعدام الوازع الديني والأخلاقي؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: “إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة، فيقال: ألا هذه غدرة فلان بن فلان”، رواه الإمام مالك بإسناد صحيح.

ثم تأتي العوامل المساعدة المتعلقة بشخصية المرأة أو انعدام الراحة في الحياة الزوجية؛ وكأمثلة لبعض هذه العوامل:

  1. الكره بين الزوجينفقد توصلت عالمة النفس الأمريكية “د. سوزان فورودارد” من الدراسات التي استمرت 14عاماً حول الأسباب الحقيقية التي تدفع الزوج لأن يعامل زوجته بطريقة سيئة وكأنه يكرهها هي البيئة الحقيقية للزوج، فعلى سبيل المثال الرجل الذي يعامل زوجته باحتقار فهو يعتقد أنها الطريقة المثلى للتعامل مادام ربي في منزل يرى فيه اباه يحتقر أمه أما الفتاة فخضوعها للزوج حتى وان ظلمها ناتج عن رؤيتها أمها بهذا الخضوع فتحسبه هو الدور الحقيقي للزوجة ولا تعرف حقوقها الشرعية ويرى علماء النفس أن الكراهية هي درجة حادة وشديدة وتنطوي في الكثير من الأحيان على العدوان بشكل أذى بدني أو مادي أو نفسي أو معنوي.

  2. المللهو يدفع الرجل إلى الهرب من بيته والبحث عن أي مكان يمتعه حيث يتحول الزواج إلى مجموعة من العادات والتقاليد الروتينية.

  3. عدم اهتمام المرأة بنفسها أو بزوجها بعد الزواج والحمل والولادة وتحول الاهتمام إلى الأبناء.

  4. خلو الحياة الزوجية من معانيها السامية كالعطاء المشترك و المشاركة والمرح و التسامح وتقاسم المسؤوليات والثقة.

 

لا للسكوت

 عندما تتأكد الزوجة من خيانة زوجها تمر بمراحل نفسية مترتبة على الخيانة، حددها بعض المختصين وفقًا لنظرية الأزمة كالآتي:

  1. المرحلة الأولى: تسمى الصدمة، من علاماتها الإنكار؛ بسبب الخوف على انهيار العلاقة الزوجية وخوفًا من الإصابة والانكسار ومن فقدان الأطفال. ومرحلة الإنكار وسيلة ذات حدين؛ فهي قد تساعد الفرد للهروب المؤقت من المواجهة والخوف.

  2. المرحلة الثانية: الاضطراب وتتسم بالغضب والثورة.

والمرأة غالبًا لدينا لا تلجأ إلى الإرشاد النفسي لتجاوز الأزمة، مع أن تجاوز آثار الصدمة والأعراض الناجمة عنه تحتاج لإرشاد لمدة تزيد على العام. والزوجات المتعرضات إلى هذه الصدمة لا يتحدثن أحيانًا إلا للصديقات، وهن غالبًا لسن بمقدرة الاستشاري أو المعالج النفسي.

في موقع “أمان” تم طرح (300) سؤال على مطلق ومطلقة في منطقة الخليج حول أسباب طلاقهم؛ فكانت كالتالي:

  1. لم نستطع التفاهم أو حتى الاتفاق على كيفية الطلاق (28.4%)

  2. تدخل الأهل في شؤون الزوجين وقراراتهما (22.4%)

  3. عدم تحمل أحد الزوجين لمسؤوليات الأسرة (7.9%)

  4. صغر السن وقلة الخبرة (6.6%)

  5. اختلاف المستوى العلمي بين الزوجين (4.6%)

  6. التقاليد والأعراف، الزواج الذي لا تصحبه مشورة أحد الزوجين (5.6%).

  7. خيانة أحد الزوجين (3.1%)

 

ومن العجيب أن جاءت الخيانة الزوجية في المرتبة الأخيرة في أسباب الطلاق، رغم أن هناك دراسات تؤكد أنها تعجّل بالطلاق؛ مثل دراسة “غلاس وزملائه” على عينة من 200 زوج يتلقون الإرشاد نتيجة وجود خيانة في حياتهم الزوجية. فقد أكدت النتائج أن الخيانة تعجل بطلاق الزوجين مقارنة بالمشاكل الزوجية الأخرى.

 

 

مشاعر المرأة

قالت أم سلمة رضي الله عنها: “أرسل إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطب بن أبي بلتعة يخطبني له، فقلت إن له بنتًا وأنا غيور؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما بنتها فندعو الله أن يغنيها عنها، وأدعو الله أن يذهب بالغيرة”، رواه مسلم. وأوصى عبدالله بن جعفر بن أبي طالب ابنته عند الزواج قائلًا: “إياكِ والغيرة؛ فإنها مفتاح الطلاق”.

مشكلة المرأة مع الغيرة أن الرجل أحيانًا يستغلها ويتعمد أن يبدي إعجابه بالنساء أو إعجاب النساء به وإن كان كذبًا، هذه اللعبة خطيرة؛ فالشك مر مرارة العلقم في الفم.

ويرى بعض علماء النفس أن الإنسان الذي يلعب لعبة الشك ليس فعلًا أهلًا للثقة، وفي داخله عدوان، وأنه من الممكن أن يخون فعلًا؛ لأنه استطاع أن يلعب هذه اللعبة على مستوى التخيل وصمم سيناريو الخيانة.

 

لكن، لماذا تقبل المرأة خيانة زوجها؟ أو لنقل لماذا تصمت عنها وتسقطها مشاعر سلبية على الآخرين؛ كأن تلاحق علاقاته في العمل مثلًا وتهدد زميلاته بأن لا يحادثنه؛ خاصة اذا كان عمله في مستشفى مثلًا؟! 

هنا يتجلى ضعف المرأة وتدني مستوى تقديرها لذاتها؛ فالمتهم ليس المرأة الأخرى، هذا إن وجدت في الواقع؛ إنما المتهم هو زوجها اللعوب، لكنها تخشى مواجهته؛ ظنًا منها أنها تحافظ على أسرتها؛ إنما هي تهدم ذاتها وصورتها أمام الآخرين حين يبدو شكلها مضحكًا أن تمنع الفريسة أن تذهب للذئب

 

 

آثار خيانة الزوج

لكل فكرة أو فعل طاقة معينة تنتشر عند التعامل مع الآخرين، وعلى الزوج الخائن أن يدرك أن للزيف والخداع طاقات تنتشر في بيته؛ ولذلك تشعر الزوجة غالبًا بما يحركها لمراقبة الزوج وتكتشف الأمر؛ فالعقل الباطن يحتفظ بمشاعر الزوج السلبية -كالخوف والشعور بالذنب- ويبدأ ببث طاقة عقاب الذات بالذات إلى جسد الزوج الخائن، فيجذب الشخص الخائن بشكل غير إرادي وغير واع مواقف سلبية؛ مثل حدوث حوادث له أو انتكاسات مالية.

إن الخيانة الزوجية لا تؤدي فقط إلى دمار الأسرة؛ إذ يحدث الطلاق إذا اكتشف الطرف الآخر الخيانة. ولا تؤدي إلى فقد الانسجام العاطفي والنفسي بين الزوجين وفقدان الثقة في حال بقاء الوضع كما هو عليه؛ لكن آثارها تمتد إلى المجتمع، وأسوأ ما فيها انتشار الفوضى الأخلاقية؛ فالقضية ليست رجلًا خان زوجته فطلبت الطلاق أو ابتلعت الغدر؛ إنها قضية انتشار الفضائح!

قضية أطفال يرون نماذج غير مشرفة تقوم على تربيتهم؛ فالأب الخائن لزوجته غير جدير بأن يكون مواطنًا صالحًا أو أبًا فاضلًا. والأم المكلومة، ما الذي سترضعه أطفالها سوى الذل والمهانة؛ خاصة وأن التفريق بين خيانة الزوجة لزوجها وخيانة الزوج لزوجته ليس عدلًا؛ فالإسلام لم يفرق بين الزاني والزانية، ماذا لو أن كل زوج خائن تأكد أن حدّ الزنا سيكون عقابه؟ هو سؤال بحجم معاناة النساء في أسر مفككة، هو سؤال بحجم الظلم الواقع على نساء ارتضين الذل في محاولة يائسة للحفاظ على الأسرة.

الأسرة كيان هام، وعلينا كمجتمع إيجاد الوسائل لحماية بنيانه في مثل هذا الوضع؛ أين تذهب هؤلاء النساء؟ هل لديهن الوعي الكافي بحقوقهن الشرعية التي تحرم خيانة الرجل؟ هل ينصفهن المجتمع أم يلومهن إذا لم يصبرن على الزوج؛ فلربما كانت نزوة ويعود، وما تكسّر داخل أعماق المرأة لا يهم، ووحدها المسؤولة عن لمّ الشظايا!

 

 

 

 

 

 

 

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.