الحوار التصادمى.. نفق كيف نضيئه؟

كثيرًا ما تندلع ثورة الأم على ابنها الفتى أو ابنتها الفتاة في لحظة خاطفة كأنها شرارة برق..
يكفي لاندلاعها نظرة حانقة يرمي بها الأبناء أو كلمة غير مهذبة يتلفظونها..
ولا يلبث الغضب قليلا حتى يكون قد وصل إلى ذروته كالحريق الهائل ينصرف على أثره الفتى بعيدًا، وتنزوي الفتاة بين جدران غرفتها الصغيرة!!
هذه الصورة لا تخص أسرة بعينها، إنها تنتقل من بيت إلى آخر.. بل إنها قد تتكرر في البيت الواحد مرات عديدة في اليوم الواحد..
هل يمكن أن نجنب الأسرة مثلَ هذا العناء النفسي الذي يسبب شروخًا في العلاقات الأسرية بين كل الأطراف؟
هل يمكن أن نلفت النظر إلى بعض الجوانب، ونحاول طرح بعض الحلول التي قد تمثل للبعض منا شمعة تضاء في نفق مظلم وطويل وبارد؟
بداية الحوار.. صمام الأمان!!
تدرك الأم أن هناك الكثير من الأخطار التي تهدد الشباب، وإدراكها لذلك يضعها تحت ضغط نفسي كبير، لذا تحاول جاهدة درء الخطر بمزيد من اليقظة والتنبه.. بل والتنمُّر لكل ما هو جديد طارئ؛ سواء كان فكرة أو سلوكًا أو لفظًا أو ربما نظرة..
بمرور الوقت تتحول الأم إلى حارس ترهقه حراسةُ صندوق غامض يجهل ما فيه، ذلك أن نمو الأبناء ليس جسديا فقط كالآلة، بل إنه نمو في مسارات متعددة، متواثبة، متفاعلة مع غيرها من التيارات التي في الأغلب لا ترضاها العقيدة السليمة..!
مع انسداد قنوات الحوار أو تجنبها تتحول الأم من حارس إلى شرطي لا يكف عن استجواب الأبناء استجوابًا دقيقًا ملحًّا، وأحيانًا عنيفًا مندفعًا..!
لذا يجب على الأم أن تنتبه لبدايات الحوار؛ فقد تكون هي التي تحمل بذرة التصادم.. أو نبتة التفاهم.. فمثلا:
قد تقصد الأم أن تسأل: إلى أين تذهب؟
لكنها متوترة الأعصاب، قلقة منفعلة فتصيح: ألم تكن في الخارج منذ قليل؟
ومع اختلاف كلمات السؤال يختلف الإيحاء النفسي لها ومن ثم الرد الذي يتجه إليه الأبناء!
السؤال الأول حيادي لا يحمل في طياته اتهامًا أو غضبًا، بل يعبر عن رغبة الأم في الحصول على جواب، أما السؤال الثاني فاتهامي مستفز، وغالبًا سيكون جوابه انفعاليًّا غير محكوم أو مع اندفاع نحو المزيد من الاستفزاز للأم كرد فعل طبيعي ومحاولة لاستعادة الثقة في الذات.
إصلاح خطأ الزوج.. ليس الوقوع فيه!!
الزوج هو الأقدر على صبغ الأسرة كلها بالصبغة التي يتميز بها؛ سواء أكانت هدوءًا وروية.. أم انفعالا وتصادما..
من أجل هذا تتبدى عبر القرون نصيحة نبوية خالدة قالها الرسول صلى الله عليه وسلم للأمة كلها في شخص صحابي كريم استنصحه فنصحه بقوله: لا تغضب.. لا تغضب.. لا تغضب وكأن الأمر بالسيطرة على الغضب كان موجهًا لكل رجال الأمة ونسائها، وإن اختص به الرجال نظرًا لكونهم الأكثر قربًا من موجات الثورات واندفاعات الشجار والمغامرة بالتمادي في الخصام..
إن الأم –الزوجة- تتشبع بطريقة معاملة زوجها للأبناء، بل إنها في أحيان كثيرة تتمثل نفس جمله وعباراته حين تخوض معهم صدامًا من نوع ما!
ومع نجاح بعض الزوجات في امتصاص غضب الزوج والسيطرة على نتائجه، فإنهن يفعلن هذا من منطلق الخوف على المؤسسة الأسرية في المقام الأول، ويندفعن في أثناء العراك مع الأبناء دون ضوابط تقف به عند أول الطريق؛ إذ لا يمثل هذا الصدام في وعي الأم وإدراكها أي خطر على الأسرة، وهذا إضافة إلى كونه ليس صحيحًا فهو يكبر المشكلة ويزيدها تعقيدًا..!!
حكمة الاختيار..!
إن إجراء حوار سريع أو تعليق ما قد يكون أساسًا في إصلاح صدع قائم في الأسرة..
على الأم أن تتعلم طرح عدة خيارات على نفسها قبل أن تجد نفسها قد أجبرت على خيار غير حكيم..!
مثلا:
بدل أن تسأل: أين تذهب ومع من؟
يمكن أن تقول: أقلق كثيرًا لتأخرك.. لم لا تطمئنني عليك؟!
وإذا ما رأت في أبنائها سلوكًا مستهجنا لا يعجبها.. فلا تسارع إلى التعليق: يا له من جيل فاسد.. لا رجاء في إصلاحه!
ولكن لتقل: هداهم الله للحق وأعانهم على الإفلات من النار!
إن التعليق الثاني ربط التصرف المستهجن بغضب الله واستحقاق النار.. وسيبقى هذا الربط قائمًا في نفس الابن لا يغادرها مدى الحياة! حتى إن أبدى عدم الموافقة أو الاقتناع!
إن التعليق الساخر الذي تطلقه الأم وهي تنظر في استهزاء إلى أبنائها يدفعهم بسرعة البرق إلى دائرة العناد والتشبث بما رأته الأم خطأ وإن غضبت!!!
إن جملا تعليقية كثيرة ويسيرة قد تستخدم لتقويم الأبناء، خاصة إذا ما أحسنت الأم اختيار التوقيت والظروف والمكان.. وقبل ذلك إذا أتقنت اختيار الكلمات!!
الموازنات الخاطئة..!!
على الأم أن تتجنب إجراء الموازنات بين فتاها وغيره من الفتيان، أو بين فتاتها وغيرها من الفتيات..
إن ذلك ينشئ في نفوسهم الكثير من الإحباط، ويولد لديهم مشاعر الإحساس بالضآلة وكره الشخص الذي وضع في الموازنة، بالإضافة إلى كونه لا يصل بما تريد الأم من أفكار ومبادئ إلى الأبناء.. إن الفتى والفتاة يسارعون إلى الهرب خارج دائرة الموازنة، والانفلات بدل من التدبر في ما تهدُف إليه الأم ..
وحل هذه المشكلة أن تحول الأم الموازنة التي تقوم بها إلى خبر قصير يؤدي إلى الهدف نفسه..
بدلا من القول: انظر إلى فلان.. ألم يكن زميلا لك؟
لقد اختارته الجامعة وكرمته..على عكس ما أنت عليه من إهمال وكسل!!
قولي -وأنت تظهرين له بعض الأمل-: فرحت لما وصل إليه فلان من نجاح.. وأستغرب أن تملك كل هذه القدرات ولا تلحق به!!
إعلان الإعجاب بشيء ما لا يعني أنهم سيتبنونه على الفور.
إن طريقة هذا الإعلان نفسها قد تغدو هي أفضل الطرق للإقناع بما نرى…!!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بواسطة : سلوى عبدالمعبود محمد قدرة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.