الجفاف العاطفي.. القاتل الصامت للحياة الزوجية

تمتلئ أروقة المحاكم في كثير من البلاد الإسلامية بقضايا الأحوال المدنية والخلافات الزوجية، ويعلو مؤشر الطلاق لينبئ أن ثمة شيئًا يحدث. وبعيدًا عن الأسباب المعروفة التي تدخل فيها الخيانة والجريمة طرفًا، ثمة أسباب أخرى تقود إلى نتيجة واضحة تشكّل سهمًا خارقًا في جسد الحياة الزوجية والأسرة، هذه النتيجة تحمل اسم “الجفاف العاطفي” أو “جفاف المشاعر”؛ نتيجة تقتل السعادة والعلاقات وتقود إلى التصدّع والفرقة ليعيش الزوجان والأسرة في البيوت كالغرباء، رغم أن الكل يعرف حقوقه وواجباته كما نصت عليها شريعتنا السمحاء.

 

 

 

ويبقى السؤال المؤلم: من المسؤول: الرجل أم المرأة؟ ربما نعثر على الإجابة هنا أو هناك؛ ولكنها تبقى قيد التنفيذ.

 

 

 

 

لا يرى الحياة إلا بها

(عدنان العويد)، موظف، قال: من الطبيعي أن يكون الرجل أنيسًا للمرأة يستلطفها في مجمل جلساته معها، والدليل اقترانه بها واختياره لها لتكون شريكة لحياته، وأجزم بأنه لا يرى الحياة إلا بها. ومن ناحية التعبير عن المشاعر بين الزوجين فأنا أعتقد أن هذا شيء لا بد منه بينهما ولا بد أن يهتم الزوج بمشاعر الزوجة؛ لأنها تعتبر من أهم الأمور التي يجب الاعتناء بها والتضحية بكل أمر ينال منها.

وأضاف: يجب أن يحترم كل طرف الآخر لكي تكتمل الحياة، وإذا حدث خلاف بينهما فمن وجهة نظري البسيطة يكون نسبيًا وليس بسبب انعدام الحب أو قلة الحب في قلب أحدهما؛ ولكن يرجع إلى الانشغال بالأمور العملية أو لأمور نفسية يمر بها الشخص، وإذا انشغل كل طرف بأمور أخرى -كالزوجة تنشغل بأبنائها أو زياراتها والزوج بعمله وأصحابه- فهذا لا يولّد الجفاف كما يراه الآخرون؛ لأن هذه المرحلة من الحياة الزوجية تكون قد وصلت إلى حد التفاهم التام والشفافية القصوى.

 

 

 

أنانية الزوج

(أم سيف)، ربة منزل، قالت: الجفاف العاطفي سببه أنانية الزوج وحده وحبّه؛ لذا فإنه يشكّل التباعد العاطفي؛ لأنه بعد مرحلة معينة من الزواج يبدأ بالتفكير في نفسه وسعادته على حساب زوجته، ولا يعطيها أي اهتمام؛ بل يعتمد عليها في كل شيء.

وأضافت: في السابق، وفي أول أيام الزواج يشبع الزوج زوجته من الناحية العاطفية والحب؛ ولكن بعد مرور سنة من الزواج يبدأ الزوج بالتباعد عن زوجته والالتفاف حول أصحابه ومعاودة السهر من جديد.

وفي النهاية قالت: الرجل يعتمد اعتمادًا كليًا على زوجته في كل شيء، ودائمًا يتهمها بإهمالها له بسبب انشغالها بتربية الأبناء والزيارات، ومهما قدمت له فهي في نظره مقصرة معه بكل شيء. وبصراحة أرى أن التجمعات التي يتجمعونها تنسيهم مسؤولياتهم وواجباتهم تجاه زوجاتهم وأبنائهم، والأصحاب يؤثرون على العلاقة بينه وبين زوجته.

 

 

 

المنتصر هو القلب

(وحيد زاهر)، موظف، قال: الجفاف العاطفي يأتي أحيانًا نتيجة لظروف خارجية، خارج بيت الزوجية؛ كمشاكل عملية أو مادية، وهذه تؤثر على الرجل كثيرًا، وأيضًا مشاكل داخلية في البيت، وهذا يعتمد على الزوجة وكيفيه تعاملها مع زوجها سلبًا أو إيجابيًا.

وأضاف: من وجهة نظري، الرجل أكثر تمردًا من المرأة، وهناك كثير من النساء يحافظن على بيت الزوجية أكثر من حفاظ الزوج على بيته؛ إلا في حالات شاذة، ويجب على الزوج والزوجة أن يتفاهما في كيفية سير حياتهما العاطفية، وهو الاحترام المتبادل لكيان كل منهما، وبعد هذا الاحترام ستكون هناك عاطفة متبادلة بينه وبينها، والمنتصر في هذا التفاهم هي الأسرة ثم قلبها وقلبه.

 

 

 

الحب لغة الحياة

(ابتسام عبد الله)، طالبة جامعية، قالت: الجفاف العاطفي ظاهرة منتشرة في مجتمعاتنا كثيرًا؛ لأن التربية التي نتربى عليها والعادات والتقاليد التي نشأنا عليها تمنع الفرد من التعبير عن عاطفته وعن مصارحته بالحب المكنون بداخله، لذلك نكون في بعض الأحيان مجبرين على كتمان الحب والتعبير عنه للآخر، وهذه التربية تؤثر على الفرد، وحين يرتبط بشريك حياته يكون قد تعود على عدم البوح بمكنونه للآخر؛ بل يعتبر هذا خجلًا، خاصة بعد مرور سنوات على الزواج والبعض يعتبر البوح بكلمة الحب عيبًا؛ لأنها من الأشياء التي تخجل الفرد.

وأضافت: الحب لغة تروي الحياة، وهو شيء لا بد منه كي تستمر هذه الحياة بين الزوج والزوجة؛ لأنه يعتبر ملطفًا لقلبيهما، ومها مرت سنوات الزوج يجب أن يكون الحب والعاطفة نبراسين لهذه الحياة؛ كي لا يسيطر الملل على حياتهما ويولد الجفاف والروتين بينهما.

 

 

 

الحياة مشاركة

(أبو صالح)، موظف، قال: الحياة مشاركة بين قلبين، ولكي تستمر هذه الشراكة يجب على كل طرف من هذه الشركة أن يعطي ما عنده من حب وعاطفة وعشرة طيبة؛ كي لا يتولد بينهما أي فجوة، ولو كانت صغيرة، ويجب على الزوجين احترام كل منهما الآخر؛ لأن الاحترام هو ما يولّد الحب بينهما ولا يسمحان للمشاغل العملية بأن تكوّن حاجزًا بينهما، ولو كان معنويًا؛ لأن هذه الحواجز الصغيرة ستكبر يومًا وتكون الفجوة أكبر وتنتهي بالمشاكل، وربما لا سمح الله بالطلاق، وأنا أرى أن الزوج والزوجة هما من يعطيان للحياة معنى بأن تكون هناك لحظات خاصة لقلبيهما بين الفترة والأخرى؛ كي لا يمل القلب ويكون نديًا دائمًا ومتشبعًا بالحب، وهذا سينعكس عليهما، وأيضًا على بيتهما وعلى أبنائهما.

 

 

 

إشباع المشاعر

الأخصائية النفسية شروق آل خميس تقول: يطلق مسمى “الجفاف العاطفي” على حالة البرود والركود التي تعتري الحياة العاطفية في الحياة الزوجية؛ ما يسبب الصمت الطويل بين الزوجين والروتين المتكرر الذي يسيطر على حياتهما ويجعلهما يكرران نفس الأقوال والأفعال البعيدة عن الالتفات لمشاعر الحب والمودة المفترض وجودها بين الزوجين.

لا شك أن البرود والفتور العاطفي تسلل إلى بيوتنا وغزا حياتنا، فنال من أحاسيس الزوج والزوجة ومشاعرها حتى أعاق كلاهما عن تأدية دوره المنوط به تجاه الآخر، وهو الإشباع العاطفي الذي يحتاجه الإنسان من حبيبه وشريكه في هذه الحياة؛ وهذا الأمر الذي حث عليه الدين الإسلامي وأراد وجوده في البيت المسلم.

لذلك؛ فإن على الرجل والمرأة ألا يستغربا إذا طلب الواحد منهما من الآخر الاهتمام العاطفي وإشباع المشاعر والأحاسيس؛ لأن هذا حق يدعم الحياة الزوجية وثريها ويبنيها ويخطو بها نحو الثبات والاستقرار.

 

والحقيقة أن المعيقات التي تقف حجر عثرة في وجه هذا العطاء كثيرة؛ ومنها:

  • العوامل البيئية التي تشمل الركض السريع نحو الاستقرار والنمو المادي على حساب الجانب العاطفي؛ مما يخنق المشاعر تحت وطأة المادة وضغوطات الحياة والروتين اليومي؛ ابتداء بمشاكل العمل وانتهاء باحتياجات الأطفال ومطالب تربيتهم. كما أن الأسلوب التربوي المتبع في تنشئة الأسر في بيئتنا له أسلوب يحث على عدم التعبير عن المشاعر والأحاسيس، وكأنها أمر مستهجن أو عيب! حتى يظن الأطفال أن والديهم لا يملكون مشاعر تجاه بعضهما، وينشأ الأطفال على عدم البوح بالحب وكأنه أمر مستنكر، وتقوم أفكار هؤلاء الأطفال على هذه الثقافة التي يرثونها في حياتهم الخاصة حينما يصبحون آباء وأمهات.

  • أيضًا فإن عدم السماح للطفل بالتعبير عن مشاعره بتلقائية يؤثر كثيرًا على معاناته من الجفاف العاطفي في علاقته الزوجية مستقبلًا؛ لا سيّما سياسة تربية الولد ليكون رجلًا، له أبرز مظاهر الرجولة دون الالتفات إلى أن هذا الرجل إنسان يجب أن يعبر عن مشاعره وله حاجات تشبع بالتواصل العاطفي. هذا إلى جانب أن عدم اهتمام الرجل بتفاصيل الحياة العاطفية، مع تركيز المرأة على المشاعر والعواطف، يشكّل بؤرة في التواصل والتقارب بينهما؛ مما يؤدي قطعًا إلى الجفاف العاطفي ما لم تكن هناك نقطة يلتقيان عندها.

لذلك؛ يجب أن يكون هناك تفعيل للجانب العاطفي في الحياة الزوجية ليتم الاستقرار والسكن الذي يستطيع به الإنسان الإنجاز وإظهار أفضل ما لديه، ومن ضمن الأمور التي تعتبر قاعدة هامة لمن يقدم على حياة زوجية جديدة أو لمن أراد أن يثري الجانب العاطفي في حياته.

  • العبارات الإيجابية والكلمات البسيطة التي تعبر عن العاطفة في المناداة والكلام، مع تأدية بعض السلوكيات الصغيرة التي يقدمها كلاهما تجاه الآخر؛ مثل التربيت على الكتف أو اللمسة الحانية أو النظرة المحبة، حيث تسهم هذه التصرفات البسيطة في الكثير من التقارب والتودد بين الزوجين.

  • التقارب الجسدي، ولا يقتصر على العلاقة الجنسية فقط؛ بل يكون بأن يحب أحدهما أن يكون قريبًا من الآخر يجلس إلى جانبه ويسير معه.

  • الحوار، حتى لو كان في أمور عادية؛ مما يسمح -خاصة للمرأة- بالتعليق والحديث والبوح، حيث يمثل الكلام جانبًا مهمًا في حياتها.

  • التعبير بالهدايا عن المشاعر حتى وإن كانت رمزية.

  • التسامح بين الزوجين وعدم التصرف وكأن الواحد منهما يتصيد الزلات على صاحبه؛ فمن غير اللائق أن يكبرا الأمور التافهة والصغيرة.

  • التفاهم حول القضايا المشتركة، السكن والأولاد والمصروف، وأن لا يفرض أحدهما وجهة نظره على الآخر؛ بل الوصول إلى حل مشترك والاتفاق على سياسة محددة، مما يقلل التصادمات بينهما.

  • تخصيص بعض الأوقات التي يستطيع فيها الزوجان التقارب مع بعضهما بعيدًا عن الأولاد ومصاعب الحياة، والتي قد تشمل بعض النزهات أو دعوة أحدهما الآخر إلى عشاء خاص أو سهرة لطيفة.

  • إذابة الجليد وتجديد الحياة وتطويرها، بتطوير كل منهما لنفسه؛ حتى لا يتسلل الملل إلى النفوس.

إن إثراء الحياة العاطفية أمر مهم وضروري، به تكون الحياة أجمل وأفضل، وبه تكون الأسرة دعامة من دعامات الإنجاز والعطاء؛ حيث يبدأ الأمان والاستقرار من الأسرة.

الدمام – سماح سلطان

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.