التاءات التسع للسعادة الأسرية

الاستقرار الأسري مقصد نبيل في الإسلام، ومطلب جميل يسعى إليه الإنسان بفطرته السليمة، وأُسست من أجله مؤسسات وجمعيات توعوية، ووُضعت له أنظمة وتشريعات حقوقية؛ لتدوم رحلة الحياة السعيدة، وتبقى الأسرة في مأمن وسلام، وحبٍّ ووئام.

ولَمَّا كان أساس العلاقة الزوجية هو المودة والرحمة، والرضا والسكينة، فإن كل واحد من الزوجين يحب أن يعيش في جوٍّ من التفاهم والتناغم، والانسجام والتوافق مع شريكه، ويريد أن يُدخِلَ الفرحة والبهجة على أهله، وينشر الراحة والسعادة فيهم، لكن كيف الطريق إليها؟ وما الآليات والمقومات المهمة للسعادة الأسرية؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه من خلال التاءات التسع إن شاء الله تعالى.

1- التضحية:

إذا أردنا تحقيق السعادة الأسرية، وأن نجعل بيوتنا منابعَ الطمأنينة والسكينة، فلا بد من التضحية بأشياء كثيرة؛ منها: الوقت، والمال، والجهد، فالناجحون يجعلون الأسرة أهمَّ مشروع لديهم، والثروة الحقيقية التي يستثمرون فيها، فيعطونها الاهتمام والعناية؛ انطلاقًا من المسؤولية المُلقاة عليهم، ((كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته))؛ [متفق عليه].

2- التفاهم:

التفاهم بين الزوجين من أهم مفاتيح السعادة الأسرية، ومُفاده أن يتفهَّمَ كل واحد منهما نفسية شريكه واحتياجاته ومشاعره، وما يحب ويكره، وأن يحترم خصوصيته، ويحاول إشباع حاجته، وتحقيق رغبته بالمعروف، وهو ما لم يكن فيه إثم أو خروج عن العرف والعادة.

والأسرة السعيدة تتفاهم فيما بينها، فيسودها الوئام والتعاون، ويحفُّها الحب والاحترام، ولا تسمح بالتدخل للأقارب والطرف الثالث في أمورها الداخلية.

وكم من كلام قد تضمن حكمةً *** نال الكساد بسوق من لا يفهم

3- التعاون:

الأسرة السعيدة تُوزَّع فيها الأدوار بين الرجل والمرأة، ويتفهم كل واحد دوره ووظيفته على أحسن وجه؛ فمثلًا الرجل يقوم بدوره في القوامة والنفقة والتربية، ويكدُّ ويكدح في توفير لوازم الأسرة، وتهيئة المناخ الملائم للحياة الكريمة، وتقوم المرأة بتنظيم وترتيب البيت، وجعله واحةَ أمنٍ وراحة للزوج والأولاد، وحصنًا لتربية الجيل؛ ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾ [البقرة: 228]، وإن تعاون الرجل مع المرأة في تدبير شؤون المنزل وثناءه على جهدها وعطائها – له أثرٌ كبير في زيادة الألفة والمحبة، ومتانة العلاقة الزوجية بينهما.

وبلوتُ أسباب الحياة وقستُها *** فإذا التعاونُ قوة ونجاح

4- التماسك:

وهو أن يحاول الزوجان أن تبقى الأسرة وحدة متماسكة، لا تقبل التفكك والتشتت والإهمال، وأن تبقى حصنًا منيعًا وحضنًا دافئًا للذرية من الأولاد والبنات، فلا يتصارخان فيما بينهما، ولا يتشاجران، بل يصبر أحدهما على الآخر؛ حفاظًا على كِيان الأسرة ووحدتها وتماسكها، وحرصًا على حماية الأطفال الصغار من الضياع نتيجة الاختلافات الأسرية، ولنعلم أن الكمال المطلق لله تعالى، والمثالية الزائدة ليست من مصلحة الأسرة؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((لا يفرَكْ مؤمن مؤمنة، إن كرِه منها خلقًا، رضيَ منها آخر))؛ [رواه مسلم].

5- التوافق:

من الطبيعي جدًّا أن يحدث خلاف بين الرجل والمرأة، ويتطور إلى الأخذ والرد، والقبول والرفض، وترديد آراء فلان وفلانة أحيانًا، لكن الأذكى منهما مَن يُبادر إلى الاعتذار، وترك العناد والأنانية والتعنت، ويحاول رأب الصدع ولَمَّ الشمل، ونزع فتيل الاختلاف، والعودة إلى الحياة الطبيعية.

الاختلاف وارد في كل بيت، لكننا نحتاج إلى ثقافة إدارة الخلاف، بأن نجعله في حدود اللياقة والأدب، وبأسلوب التحضر والتهذيب حتى في أصعب الحالات؛ عملًا بقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ﴾ [البقرة: 237].

وتجدر الإشارة إلى نقطة مهمة، وهي الاجتناب عند الاختلاف من استخدام كلمات: “أهلك، وأخواتك، وعائلتك”، وكذلك مقارنة أحد الشريكين وصفاته بالآخرين، فإنها تكفي لتعكير العلاقة الزوجية.

6- التنازل:

هناك فرق كبير بين أسلوب التحقيقات وأسلوب البيوت التربوية، فالبيوت لا تُبنى بفتح الملفات، وكَيْلِ الاتهامات، والقِيل والقال، ومناقشة المواضيع بعدسات اللوم والزجر، والشكوى والتوبيخ، بل بالمبادرة والاحترام، والتغاضي والتغافل، والتنازل والتحلي بالصبر في كثير من المواقف، وخاصة عندما يريد الزوجان أن تسير سفينة الحياة برياح طيبة، وبعيدة عن الأمواج والرياح العاتية، ولتعلم أخي الزوج وأختي الزوجة أنه ليس ثمة سعادة إلا في الأسرة، وعندما تتفكك الأسرة، تُهجر السعادة والراحة والنفسية، ولتعلما كذلك أن التنازل دليل على القوة والعقل والحكمة، وسعة الأفق، وليس العكس.

وإذا الحبيبُ أتى بذنبٍ واحدٍ *** جاءت محاسنه بألف شفيعِ

7- التكامل:

مع وجود الفروقات الجسمية والنفسية والفكرية التي أوجدها الله تعالى بين المرأة والرجل لحكمة ربانية: ﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى ﴾ [آل عمران: 36]، إلا أن دورهما تكامليٌّ في الحياة، وكلاهما معين وقوة وستر للآخر؛ قال تعالى: ﴿ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ﴾ [البقرة: 187]، والأسرة السعيدة المترابطة تعمل برُوح جسد واحد وفريق واحد، وتتحمل المسؤولية، وتوزع الأدوار بين أفرادها؛ حيث يقوم كل واحد بواجباته ومهامه، ويعرف حقوقه والتزاماته في تكميل صرح السعادة الأسرية.

8- التواصل:

في عصر الغزو الإعلامي والعالم الافتراضي المليء بالمخاطر والمشاكل، تشتد حاجة الأسر فيما بينها إلى التواصل الحقيقي والدائم الذي يعتبر عنصرًا مهمًّا من مقومات السعاة الأسرية، ويجب أن يكون التواصل بين جميع أفراد الأسرة بشكل مستمر وبصورة إيجابية؛ حتى تزداد الألفة والتفاهم بينهم، ومن مؤشرات التواصل الجيد جمعُ الأسرة على دروس عائلية، والاستماع إلى الآخرين باهتمام، والتواصل البصري عند الحديث، وعدم الانشغال بالزملاء أو العمل عنهم، وكذلك الامتناع عن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي خلال اجتماع الأسرة على الطعام أو في نزهة عائلية.

لن تستطيع سنين البعد تَمنعنا *** إن القلوب برغم البعد تتصلُ

9- التقدير:

الإنسان يحب نفسه، ويحتاج إلى الاحترام والتقدير الشخصي كحاجته إلى الماء والهواء، ويكره التهميش أو التقليل من شأنه، ومن هنا يجب على الزوجين أن يحترما بعضهما البعض، ومن مظاهره المناداة بأحب الأسماء، ((يا عائش))، وعدم التقليل من الرأي، ومنح الشريك الأمان العاطفي، والاجتناب عن التهديد والتعالي فـ((خيرُكم خيرُكم لأهله، وأنا خيركم لأهلي))؛ [سنن الترمذي].

شمعة أخيرة:

الأسر السعيدة أفرادها هم المؤثرون في الحياة، فتصون للكبير مكانته وحقه، وتمنح الصغير دفءَ الرعاية والشفقة، وتحفظ للمرأة منزلتها وكرامتها، وللرجل هيبته ووقاره، وللذرية بشكل عام حقوق الطفولة السعيدة، وتهيئ الشباب لتحمل المسؤولية وبناء الحضارة.

——————————————-

بواسطة :الدكتور/ سعدالله المحمدي.

——————————————-

رابط الموضوع: https://www.alukah.net/social/0/145589/#ixzz7KIhVZ7w3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.