البرود العاطفي يؤثر سلبًا على الحياة الزوجية

حينما كان الهواء الساخن يلفح شعر “فدوى” ويلسع شحمة أذنها؛ نتيجة تنعيم “الكوافيرة” لشعرها بجهاز “السيشوار” الكهربائي، كانت هي تقاوم ألم حرارة الجهاز بابتسامة عريضة، وهي تنظر لوجهها في مرآة الصالون؛ إذ كانت في تلك اللحظة تتخيل ردة فعل زوجها “عبدالله” عندما يراها في البيت بعد أن صبغت شعرها وقصته “فراولة”، التي أظهرت جاذبيتها وأبرزت جمال وجهها، وذلك حسب ما أبداه عدد من النساء اللاتي كُنَّ معها في الصالون.

وفي الوقت الذي كان فيه الزوج “عبدالله” يدير مفتاحه في الباب ليدخل المنزل، كانت الزوجة “فدوى” تنتفض سعادة خلف الباب رغبةً منها أن تكون هي أول ما تقع عليه عينيّ زوجها عند دخوله إلى المنزل، لقد كانت حريصة على التقاط ردة فعله، وكانت تتمنى أن تكون عبارة عن دهشة وإعجاب وتقدير لها، بيد انَّه تضايق بعد أن رآها أمامه مُباشرة، وباغتها بسؤال لا يخلو من الدهشة والتعجّب: “خير فيه شي؟”، فما كان منها إلاَّ أن ابتسمت في وجهه قائلةً: “لا، سلامتك، بس حبيت أستقبلك”، إلاَّ أنَّه ابتسم هذه المرّة، قبل أن يباغتها بسؤال آخر: “شكلك بتطلبين مني شيء”، لترد قائلةً: “أنت طالع، وبتعرف”، بيد أنَّه لم يجد حينها ما يسترعي انتباهه، فما كان منه إلاَّ أنَّ ألقى بمفاتيح السيارة على الطاولة القريبة منه، وقال وهو ينزع شماغه: “أيش غدانا اليوم؟”.

إنَّ عبارة “زوجي لم ينتبه” كانت هي العبارة الأبرز، التي تعرف معناها تماماً ثلاثة أرباع سيدات العالم العربي، وهذه النسبة ليست ظالمة، بيد أنَّها ليست مبنيةً على أسس أو إحصاءات علمية، إلاَّ أنَّ (40) زوجة من مختلف الأعمار والجنسيات التقيناهنَّ وتحدثنا معهنَّ عن مدى انتباه الزوج لتفاصيل التغيرات التي تحدث للزوجة أو على صعيد البيت، وجدنا تسعا منهنَّ فقط راضيات عن انتباه أزواجهن لهذه التغيرات، فيما أكدت ثلاث منهنَّ على أنَّ أزواجهنَّ يمكنهم التعبير بطلاقة عن إعجابهم بالتجديد والزينة، وبالتالي الرفع من معنويات شريكاتهم بأبسط وأجمل العبارات، وأجمعت في المقابل (31) سيدة على أنَّ الزوج لا ينتبه عادةً لهذه التغيرات.

حياة روتينية

وأشارت “سمر” –موظفة، وأم لثلاثة أبناء- إلى أنَّها تبلغ من العمر (42) عاماً، مُضيفةً أنَّها تزوجت منذ (16) عاماً، موضحةً أنَّ زوجها وضع منذ العام الأول لارتباطه بها الخطوط العريضة والقواعد المُحدّدة لشكل العلاقة بينهما، مُبيّنةً أنَّ ذلك أدّى إلى جعل حياتهما اليومية تسير بشكل روتيني دون أيّ تجديد، لافتةً إلى أنَّ زوجها جعل الاهتمام بالتفاصيل هنا في آخر اهتماماته.

وأضافت بمرارة: زوجي لا يراني تقريباً، وأكاد أجزم أنَّ عينيه لم تقع على وجهي خلال فترة زواجنا أكثر من (10) مرات، ومع ذلك فإنَّنا لسنا في حالة جفاء أو مشكلات، نحن طبيعيون جداً، فكل ما نحتاجه في البيت أطلبه ويحضره، وكل ما يتمناه أصنعه له، وبيننا حوار لا بأس به، لكن زوجي لا ينتبه لتسريحة شعري أو مكياجي أو ملابسي الجديدة، كما أنَّه لا يهتم إن أنا سمنت أو نحفت، أو كنت مبتسمة أو عابسة، كما أنَّه لا يبالي بتعبي أو راحتي، باختصار لقد تعودت على أن زوجي لا ينتبه.

وشاركتها الرأي “منى” –موظفة، وأم لخمسة أبناء-، مُضيفةً أنَّها تبلغ من العمر (38) عاماً، مُوضحةً أنَّها متزوجة منذ (12) عاماً، لافتةً إلى أنَّ زوجها لا ينتبه للايجابيات بينما تسترعي الأمور السلبية انتباهه بطريقة مستفزة جداً، فمثلاً لا يعنيه أنَّها نحفت، بل يتضايق حينما يزداد وزنها، ومن ثمَّ يُعلق على ذلك بتعليقات سخيفة، كما أنَّه ينتبه إذا كان البيت غير مرتب، بينما لا يُعير اهتمامها بالبيت وترتيبه أيّ اهتمام ولا يصدر منه أيّ تعليق.

زوج مختلف

بينما تقف “سلوى” –إعلامية- أمام هذا الموضوع موقفاً مغايراً، مُضيفةً أنَّها تبلغ من العمر (40)عاماً، ومتزوجةً منذ (15) عاماً، مُشيرةً إلى أنَّها تنعم بزوج مختلف، مُبدية استغرابها كثيراً ممّا تردده بعض النساء المتزوجات في هذا الشأن، مُضيفةً: “زوجي -ولله الحمد- رجل شديد الانتباه، كما أنَّه يثني عادةً على ملابسي وتسريحة شعري ويعرف بدقة ما فعلته بنفسي من تجديد وتجميل، إلى جانب تعليقه على طعامي وطريقة كلامي ومعاملتي لأفراد أسرته”. وأكَّدت على أنَّ زوجها يُسمعها باستمرار أطيب الكلمات وأرقّ العبارات بشكل أكبر ممَّا تتوقّع، مُشيرةً إلى أنَّ طريقته هذه هي ما تجعلها تسعى باستمرار لإرضائه وفعل كل ما يجملها في عينيه على صعيد الزينة وأسلوب الحديث وجودة الطعام وطريقة التعامل مع أهله.

برنامج عقلي

وقال “د. عبدالله السلمان” -مستشار نفسي، ورئيس مركز التنمية الإنسانية للاستشارات الأسرية-: “إنَّ شخصية الزوج غير المهتم تمثل نسبة من الرجال الموجودين في مجتمعنا تصل إلى حوالي (40%)، وهي نسبة كبيرة لا يستهان بها، وأرى أنَّ السبب في وجود هذه النوعية من الرجال يكمن في نمط شخصيته، حيث يغلب عليه جانب تشابه الأشياء والمواقف والأشكال، كما أنَّه لا يُميز بين الفروق والاختلافات.

وأضاف أنَّ ذلك هو برنامج عقلي من ضمن أكثر من (60) برنامجاً عقلياً تتشكل عقولنا عليها منذ طفولتنا وتستمر معنا بينما نحن نكبر، موضحاً أنَّ الأسرة والمجتمع والتنشئة والزملاء والأصدقاء والتعليم أمور ساهمت في جعل هذا البرنامج نمطياً، مُستدركاً: لكن برنامج التشابه والاختلاف ليس هو السبب الوحيد وراء سلوك الرجال بهذه الطريقة، فهناك احتمال أن تكون طبيعة العلاقة مع الزوجة ليست مبنية على التفاهم والانسجام، إنَّما هو ينظر إليها على أنَّها أم لأولاده وزوجة لحاجاته فقط.

أدوار اجتماعية

ولفت “د. السلمان” إلى أنَّ الزوج هنا لا ينظر إلى زوجته باعتبارها حبيبة وصديقة وشريكة عمر، لذلك هو لا يلفت نظره الأشياء المرتبطة بها، وينتبه أكثر للسلبيات؛ لأنَّه في الأساس لم يضع لها تشكيلة الأدوار الاجتماعية المختلفة التي تؤديها في حياته، فهو يختصرها في دور الزوجة والأم، وبالتالي تبرز السلبيات وتختفي الايجابيات، موضحاً أنَّ ذلك عكس الزوج الذي يحب زوجته، حيث انَّ رصيده من الحب يجعله يتغاضى عن السلبيات ويُبرز الايجابيات ويهتم بكل ما هو جديد.

وبيَّن أنَّ معظم الشباب المعاصر يمتلك أدوات حسن التعبير ويبذل جهده لتحسين العلاقة الزوجية وتوطيد أواصرها بالكلام الطيب والاهتمام بالآخر، منتقداً غياب الحوار بين الزوجين في كل ما يتعلق بحياتهما، مُشيراً إلى أنَّ التفسير الخاطئ لسلوك الآخر يُعدُّ أحد أهم أسباب اتساع الفجوة بين الزوجين، مؤكداً على أنَّه يمكن للحوار الهادف المتفاهم المكاشف بينهما أن يحل المشكلات ببساطة، مُبيّناً أنَّ من أبسط آليات علاج حالة اللامبالاة عند الزوج، هو لفت انتباهه.

كلمات بسيطة

وأوضح أنَّ على الزوجة أن تخبر زوجها بلطف عن أيّ تغيير تُجريه في نفسها، وأن تطلب رأيه بابتسامة، كما أنَّ عليها أيضاً أن تخبره بما يسرها، وأن تبادره في المقابل كلما رأت لديه شيئا جميلا، وأن تُثني على ما فعل، سواء على مستوى ثوبه الجديد أو حلاقته أو عطره، مُضيفاً أنَّه يوجد نوع من الرجال يعجبه الجديد، سواء كان في شكل زوجته أو طبخها أو ترتيب بيتها، لكنه لا يعرف كيف يعبر عن إعجابه، إذ يكون هنا سعيداً، بيد أنَّه لا يُفصح كلاماً، مُشيراً إلى أنَّ على الزوجة أن تساعده ليعبر بكلمات بسيطة عمَّا يعجبه. وأشار إلى أنَّ هناك أزواجا يعتقدون أنَّهم إن بادروا بالتعبير عن إعجابهم سيتسببون في أن تتكبر عليهم الزوجة؛ لذا فهم يؤثرون السكوت، مُشدِّداً على أهمية الحوار والمكاشفة بين الزوجين، غير أنَّه يؤطره في إطار زمني محدد، يُضفي عليه عمقاً وأهمية، مُبيِّناً أنَّ على كل زوجين أن يختارا موعداً ثابتاً بدورية ثابتة شهرية أو أسبوعية، على أن يجلسا فيها بهدف التعليق على الشهر أو الأسبوع الماضي، فيبدأ كل منهما حديثه بالثناء على ايجابيات الآخر ومواقفه الطيبة خلال هذه الفترة.

أهمية الحوار

وأضاف “د. السلمان” أنَّ على كل طرف أن يخبر الآخر أنَّه يقترح عليه أو يتمنى منه لو أنَّه انتبه أكثر لكذا، أو كفّ عن قول كذا، أو أنَّه لاحظ كذا، مُشيراً إلى أنَّ هذه الطريقة رائعة لإعادة المياه إلى مجاريها بينهما، كما أنَّ الشريكان سيلاحظان بعدها أنهما يعملان لا إرادياً على تصحيح مسار علاقتهما والابتعاد عمّا يكدر صفو حياتهما، مؤكداً على أنَّه جرَّب هذه الطريقة مع أزواج كانت حياتهما الزوجية على شفير انهيار، وكانا مصرين على الطلاق، فلم تمض نصف ساعة بعد حوار المكاشفة، إلاَّ وخرجا راضيين منسجمين.

وشدَّد على أهمية أن تفهم المرأة وتعي جيداً أنَّ الحياة ليس محورها الرجل، الذي تعيش معه، إن ابتسم ابتسمت حياتها وإن تجهّم تجهّمت حياتها، موضحاً أنَّ هذا هو فعل المرأة، التي لا تحب نفسها وغير الواثقة من نفسها، مُضيفاً: “اهتمي بنفسك لنفسك، ولا تتأثري كثيراً برد فعله إزاء ما فعلت، فهو أحد اهتماماتك وليس كلّها، لا تؤجّلي استمتاعك وتربطيه بثناء الآخرين، حبّي نفسك يحبّك الجميع”.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.