الاحتقار وعدم الاحترام.. مسدس مشحون لقتل الحياة الزوجية

أختي الزوجة، لا شك أن الاحتقار بين الزوجين من مفسدات الثقة بين الزوجين، وأكثر ما يضايقك في شريك/ شريكة حياتك أن تكون عباراته قاسية تميل إلى تحجيم شريك الحياة ووضعه في إطار معين بتعريف شخصيته بطريقة ضيقة الأفق للغاية.

وقد يستخدم شريك الحياة عبارات مطلقة (مثل: دائمًا، أبدًا، لا شيء، لا قيمة له، وهكذا)، ومن أمثلة العبارات المطلقة هذه: “إنك دائمًًا ما تقول الشيء الخطأ، دائمًا ما تأتي إلى المنزل متأخرًا، إنك لا تقضي وقتًا معنا مطلقًا، إنك لا تستمع مطلقًا لما أقوله، إن مساهمتك لا قيمة لها”، إلى آخر هذه العبارات التي تصنف الشخص وتعرفه أو تشرح مساهمته أو مساهمتها بطريقة محدودة ومطلقة.

 

 

احترس من المسدسات المشحونة

قد يكون كل ما تقوله عن الشريك صحيحًا ودقيقًا وأنت في حالة الامتعاض وعدم الثقة، ولكن عليك أن تعلم كيف تقول ما تريد، وكيف تختار الألفاظ المناسبة؛ لأن “الألفاظ مسدسات مشحونة بالرصاص؛ فإذا اختار أحد الزوجين أن يطلقها فعليه أن يصوبها إلى أهداف، لا أن يطلق اللفظ كما يطلق طفل على غير هدى مغمضًا عينيه، مكتفيًا بلذة سماع الانفجار”.

 

 

أنت غبي.. أنت مغفل

ماذا تفعل إذا قال لك شريك الحياة أنت غبي أو أنت مغفل؟ وما تأثير هذه الكلمات عليك؟

إن من المعتاد أن تخرج المناقشات الأسرية عن إطارها إذا ما أخطأ أحد الطرفين أو كلاهما وسبّ الآخر ونعته مثلًا بـ “غبي” أو “مغفل”؛ فقد يحدث في إحدى المشاحنات بين الزوجين أن يعترض الزوج مثلًا على شيء قالته زوجته فيقول: “إن هذا بالتأكيد غباء”, وربما أضاف أيضًا: “أنا لا أعرف ما الذي يُفترض أن يكون معنى ما قلتيه؟”.

إن كلا الزوجين في مثل هذه الحوارات يصعّد من غضب الطرف الآخر؛ لذلك تصبح الكلمات في مثل تلك الحوارات أكثر إيذاء من عدم الكلام. بل لا نبالغ إن قلنا إن الكثير من الأزواج يحفرون قبور سعادتهم الزوجية تدريجيًا بواسطة سلسلة من الحفر الصغيرة، التي قد لا يؤبه لها في أول الأمر، وكما يقولون في المثل الإنجليزي: “العصا والأحجار يمكن أن تكسر عظامي، ولكن الكلمات تحطّم قلبي”.

 

 

سمعنا ما تقوله آلاف المرات:

إن الكلمات المؤلمة هي (السرطان) الذي يقضي على الحب ويستأصل شأفته. إننا جميعًا -وبلا استثناء- أكثر تلطفًا مع الغرباء منا مع شريك حياتنا. إننا مثلًا لا نقاطع الغرباء لنقول إننا سمعنا ما يقوله آلاف المرات!

وتأمّل نفسك وأنت تستمع إلى قصص وحكايات الكبار والأجداد والجدات، ولا شك أن هذه القصص تكررت على مسامعنا مرات ومرات، ولكن من فرط الأدب والذوق لا تستوقف المتحدث لتقول له: كفى، لقد مللت من الاستماع إلى هذه القصص، أنت لا تمل؟

إننا مع طول العشرة مع شريك حياتنا وتكرار المشاكل اليومية نبدأ في استخدام ألفاظ جارحة، ثم تتطور إلى إهانات متكررة، وكما قيل: “جراحات السنان لها التئام .. ولا يلتئم ما جرح اللسان”؛ فهذه الإهانات والألفاظ تزرع الكراهية وتفسد الثقة، وتحرم كلا الزوجين من التصرف الطليق مع شريك حياته؛ لأنه وقتها يكون مقيدًا بقيود العناد والانتقام للنفس ورد الاعتبار.

 

 

الاحتقار = عدم الاحترام

إن الاحترام بين الزوجين هام جدًا، وأي مظهر من مظاهر عدم الاحترام يكون سببًا في تحطيم العلاقة بين الزوجين، وهنا تفقد العلاقة الزوجية ودها، وقد يتمنى كل من الزوجين الفراق لما يعانيه من عذاب نفسي بسبب التحقير والاستخفاف. ومن احترام الزوج لزوجته أن لا يستهزئ بها أمام الآخرين، سواء الأهل أو الأولاد، وعدم تشويه صورتها أمام نفسها ومقارنتها بغيرها من النساء، أو أنها لا تصلح أن تكون زوجة؛ لأن هذا له أثره السيئ على نفسية الزوجة.

أما عن الزوجة، فعليها الابتعاد عن التصرف مع زوجها وكأنها أمه، أو أن تعامله معاملة الأطفال؛ فهذا الخطأ الشائع عند بعض الزوجات مدمر للعلاقة بينهن وبين أزواجهن. فالزوجة قد تعتقد أن زوجها لا يمكنه الاعتناء بنفسه أو ترتيب حياته، وتعتقد أنه غير مؤهل للقيام بذلك بنفسه، وأنه يحتاج إليها لكي تدير حياته وتدبرها.

ومن أمثلة هذا: “تكرار التعليمات والأوامر، لا تنس كذا، الدواء في موعده، اسلك الطريق الفلاني للعمل، لا تدر مفتاح السيارة إلا بعد الكشف على الزيت، اشرب الحليب قبل أن تخرج، تناول إفطارك أولًا، لا تشرب الشاي بعد الأكل، احذر القهوة، ملابسك لا تناسب المناسبة التي أنت ذاهب إليها، البس الألوان الآتية، عليك بكذا، لا تفعل كذا…”، .وهكذا العديد من التعليمات الطويلة التي لا تنتهي.

 

 

لا للتهديدات:

قد يتطور الأمر بين الزوجين إلى التهديد وتوجيه الإنذارات (يجب أن تفعل كذا وإلا…)، ولا شك أن الزوج والزوجة أيضًا لا يحبان هذا الأسلوب في الخطاب، ربما يضطر الشريك أن يعمل المطلوب منه، ولكنه سيكون كارهًا لمن أنذره بهذه الطريقة.

كما أن هذه الطريقة في الحوار هي لون من ألوان النقار, وأسوأ ما في هذا النقار أنه قد يبدأ عفوًا؛ ولكنه سريع التحول إلى عادة راسخة؛ فالزوجة التي تبدأ وهي في سن العشرين تتساءل متى يتسنى لزوجها أن يشيد بيتًا لنفسه كما فعل صديقه (فلان)، تتحول في سن الأربعين إلى زوجة مصابة بداء النقار المزمن”.

وإليكم هذا المثال: تلاحظ الزوجة أن زوجها يرقد على ظهره عدة مرات في اليوم، ويكون من الواضح أن ظهره يؤلمه.

تسأله: منذ متى وهو يؤلمك؟

فيجيبها: منذ أسبوعين.

تجيب بسخرية جارحة: استمر، تعامل معي وكأنني شخص غريب.

وهذا التعبير مثل “شخص غريب” يعني أنت تطردني من حياتك، وهذا يؤلمني.

 

 

 

وتأمل معي هذا الحوار:

هي: هل تستمتع بالوقت الذي تقضيه وحدك؟

هو: نعم، بالتأكيد، وأعتقد أنني يمكن أن أحيا طول العمر وحيدًا؛ فإذا لم أكن مسؤولًا عن شخص آخر لباقي حياتي لكنت أصبحت سعيدًا جدًا، وأعتقد أنني…

لم تقبل الزوجة هذه الإجابة، ولذلك سألت مرة أخرى: ماذا لو لم تستطع ممارسة هوايتك المفضلة؟

هنا أراد الزوج أن يريها أن سؤالها ساخر وتهكمي، ولذلك كان رده عليها كالتالي: أتعنين أنني سأوضع في زنزانة أو شيء من هذا القبيل؟ وكالمعتاد، فالسخرية ترفع من درجة الاستثارة في الحديث.

وتستمر المحادثة التي تصل إلى الاستهزاء والسخرية، والخروج خارج المسار الموضوعي.

 

 

الاحتقار في الشرع:

يقول الله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ” [الحجرات: 11].

“لا تلمزوا أنفسكم”: اللمز الطعن باللسان؛ أي لا يعب بعضكم بعضًا. “ولا تنابزوا بالألقاب”: أي يدعو بعضكم بعضًا باللقب السوء. وعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا وفعله حسنة, فقال: إن الله جميل يحب الجمال, الكبر بطر الحق وغمط الناس”. ومعنى بطر الحق (دفعه) وغمطهم (احتقارهم).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم).

لون آخر من ألوان الاحتقار:

هناك لون آخر من ألوان الاحتقار، هو إحراج شريك الحياة.

إليكم هذا المثال: يرن جرس الهاتف وأنت لست في مزاج يسمح لك بالتحدث، ولهذا تقوم زوجتك بالرد على الهاتف، ثم توجه الكلام إليك: يا أبا أحمد، إن أم عمار تريد زيارتنا مع زوجها، أليس ذلك رائعًا؟

وبينما تسمع “أم عمار” على الطرف الآخر تشعر أنت بالحرج من رفض الزيارة؛ لأنك على الحقيقة لا تريد زيارات من أحد اليوم. وتتساءل في نفسك على الأقل: هل من الذوق أن تضعني زوجتي في هذا المأزق الحرج؟

ربما تتساءل الزوجة الآن وماذا كان يمكنني أن أفعل؟ لقد طلبت مني الزيارة، وأنا أعلمتها أن زوجي موجود، هل تريدني أن أكذب؟

وأنا أقول لك: يا أختي الزوجة، لست في حاجة للكذب؛ وإنما نوع من حسن التصرف، فمثلًا تعبرين عن حماسك الشخصي للقاء صديقتك ثم تقولين بكل ذوق: “ولكنني لا أستطيع أن أتحدث نيابة عن زوجي، وسوف أسأله إذا كان لديه أي مشاغل, وسأرد عليك في الحال”.

إن هذا الجواب سيحل المشكلة، وبهذا الشكل سيكون الجميع رابحين، ولم يتعرض زوجك لأن يرى نفسه في مأزق حرج؛ لأنك منحتيه الفرصة ليفكر في اختيارات مختلفة.

وأنا أعرف زوجين: الزوج دائمًا يفاجئ الزوجة بمن يتكلم على التليفون، فيرد ويفتح الخط ثم يعطيها التليفون: خذي فلانة على التليفون, وقد تكون غير مستعدة للحديث مع فلانة هذه من أهله وقريباته. ويظل يكرر هذا التصرف بشكل محرج للزوجة، وطلبت منه زوجته ألا يفرض عليها مكالمة أحد في أي وقت؛ فقد تكون نائمة فيوقظها، وقد تكون مريضة جدًا لا تستطيع ولا تريد التحدث مع أحد، وهو مصمم على هذا التصرف، مما يسبب لها الإحراج والضيق.

 

 

وماذا بعد الكلام؟

 

  1. تذكر أخي/ أختي الزوجة أن الألفاظ مسدسات مشحونة بالرصاص، فلا تطلقها إلا إلى أهداف؛ لا لكي تسمع فقط انفجار الرصاص.

  2. العصا والأحجار يمكن أن تكسر عظامي، ولكن الكلمات تحطم قلبي؛ فإياك وتحطيم القلوب بسوء الكلمات وفن الاحتقار للآخر.

  3. تجنب احتقار الآخر بالسب والنعت (مثل أنت غبي، أو مغفل، إن هذا بالتأكيد غباء)؛ لأن ذلك يفسد الثقة بين الأزواج.

  4. لا تحتقر وتستهزئ بزوجتك أمام الآخرين, ولا تفعلي ذلك بزوجك أمام الآخرين، فهذا فيه تحقير الطرف الآخر والاستخفاف به.

  5. وتذكري حديث حبيبنا صلى الله عليه وسلم: “بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.