أسعد زوجين

 

الحمدُ للهِ وليِّ النِّعمة والإفضال، العزيز الجبَّار المتعال، والصلاة والسلام على مَن حاز خِصال الشرف جميعًا على جِهة الكمال، ومَن تبِعه بإحسانٍ إلى يومِ المآل.

 

لم تَدَعِ المدنيَّةُ الحديثة مفهومًا مِن مفاهيم التصوُّر والتصرُّف الإنسانيَّين إلا بدَّلته تبديلاً؛ يُحيل خيرَ تلك المفاهيم شرًّا، وشرَّها خيرًا، ثم صاغته قانونًا أو تقليدًا مقدسًا ملزمًا، يحاكم الفِكر والسلوك برهبةٍ أشد مِن رَهبةِ الدِّين، تصنِّف المتابع الراضي واعيًا متمدنًا، والممانع غبيًّا بدائيًّا.

 

وحين تَقيس ما تُريد البشريةُ لنفسها إلى ما يُريد لها فاطرُها – جلَّ وعلا – يَظهر لك فرق ما بين الهُدى والضلال، والنَّعيمِ والجحيم، ثم تُدرك السرَّ العجيبَ في تشوُّهِ تلك المفاهيم، وانقلابها رأسًا على عقب.

 

إنَّ الإنسانَ المفصول عنِ الوحي والنبوة، المغمور بكلِّ متاحٍ يجيب شهوتَه الدنيا، المفصوم عمَّا يفتح لرُوحه المأسورة منافذَ الانعتاق، لا يَرى للسعادة مفهومًا غير السعي في جلْب كلِّ متعة دُنيا؛ سعيًا يردُّ كلَّ قِيم الوجود إلى النَّفع الجَسَدي القريب.

 

أمَّا الفلسفة الحديثة، فإنَّ أسمى ما رقَتْ إليه الإنسانُ لم يتعدَّ به (منزلة الحيوان)، وعلَّقت رُقيه المدني على هذه الخاصية كما قرَّر الطبيبُ النَّفْسي الأمريكي وليم جيمس[1]، وتساءل الآخَر[2] في حَيرة بالِغة: “هل هناك بناءٌ فِطري للرقِّي العَقلي سوى الغرائز؟ وهل هناك ميولٌ خُلقيةٌ سوى الميولِ التي تدخُل في تركيب الغرائز وتكوينها؟ ترى هل تَكمُن في المستقبل مدارجُ عُليا أخرى للتطوُّر؟ مَن يعلم ذلك؟)[3].

 

فإذا تَعلَّق الأمرُ بالزواجِ صارتْ قاعدةُ الحياة الزوجيَّة ومسالكها وغاياتها لدَى الزوجين ربيعًا كربيع المراعي، هو سرُّ شبعهما وغناهما، والمعشوق الأمْثَل الآسِر لجوعهما وتَطلعاتهما، ويَصير مدَى تقديرهما واحتفال العالَم بهما بحسبِ ما يمتلكان مِن متاع الدنيا، وما يُنفقان على لذَّة أشبه بلذَّةِ البراز لدَى الحيوان أو أدْنى.

 

هذا هو الناموسُ الذي يحكُم الصِّلات الزوجيَّة اليومَ في أرقَى المجتمعات، وقدْ يرقَى زواج اثنين هناك أعْلى الدرجات، فتتدافع الجماهير على شُهودِه القريب والبعيد، ويُسخِّر لتخليد مشاهده إعلامَ الدنيا، لكن غاية ما يَكسبه المتابَع والمتابِع – آخِر المطاف – مُتَعٌ آنية لا تُنشِئ خيرًا، ولا سعادةً، ولا كمالاً.

 

تظلُّ باردةً باهتةً ما لم يغمرْها مهبُّ سكَن حنيف لطيف، يُفرِّج عن الرُّوح، فيقلُّ الزوجين إلى بُوح المودَّة والرحمة الممتدة بين رُبَى هذه الآية الكريمة: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الروم: 21].

 

فلا يَظفرانِ بلذَّة هذا الإشراق، ولا يَطعمان هذا النعيمَ ما لم يريَا آيةَ فاطرهما في خَلقهما لبعضهما، ويَجدَا ما في ذلك مِن سكَنِ الإيمان والوِئام.

 

آنئذٍ فقط يحلو الحبُّ، وتطيب المودَّة، وتَفيض عِشرتهما بالسَّعادة الحقيقيَّة.

 

إنَّ أسعد زوجين في الأوَّلين والآخِرين محمَّد – صلَّى الله عليه وسلَّم – وخديجة بنت خُويلد – رضي الله عنها – مِن بين وصالهما الصفيّ القُدسي جرَى شربُ الحبِّ والسكن، ومدّتْ أفنان المودَّة والرحمة، وفتق ورد السعادة يُظلِّل نموذجهما الفريد.

 

ولعلَّ البيان المؤرِّخ لهذا الزواج الأسعد لم يُسطِّره قلمٌ ماسيٌّ في ديوان ذَهبي يومَها، لكنه خُلِّد بأقدس البيانات، وأروع المشاهِد.

 

خُلِّد ببيانٍ يُنادي على الزوج بأجلِّ ثناء وأجمله: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا ﴾ [الأحزاب: 45 – 46]، زوْج اجتباه ربُّه اجتباءَ الخليل لخليلِه، ثم تولَّى الثناءَ عليه قبلَ الخَلق، وكشف خِصال كمالِه دونهم، بل جعَل ثناءَه لثنائهم معينًا منهمرًا، وقمرًا منيرًا سائرًا.

 

كان يُهيَّأ – صلَّى الله عليه وسلَّم – للرسالة حين ارتبطتْ به خديجةُ – رضي الله عنها – فاصطُفي لها واصطُفيت له، وجرَى توثيق قرانهما في الملأِ الأعلى.

 

فما كان لله العليِّ الحكيم أن يَفصِل زواجَ نبيِّه – صلَّى الله عليه وسلَّم – عن شروط رِعايته المواتية لمقتضياتِ اصطفائه، والزواج لا محالةَ أهمها، وأحْراها بالعناية؛ إذ لو تزوَّج يومئذٍ غيرها لاضطرب ناموس تهيئتِه للنبوَّة جملة.

 

فجَرَى تزويجهما بكلمةِ الربِّ تعالى وعدْله وتدبيره، وذلك – لا جَرَم – السبيل الأليق إلى الإشادة والاحتفال بأسعدِ زواجٍ على وجه الأرض.

 

إنَّ غايةَ ما يُساق لإشهارِ زواج ملِك أو أمير مِن وسائل الفرح والسرور الفانية لا يَعْدو ذَهَبَ الدنيا وزُخرفها، ولو بذل – لإحياء زواجه – مِن ذلك ما في الدنيا جميعًا ومِثلَه معه لما استحقَّ أن يرفع في فضاءِ الخير قِيدَ أُنملة، بَلْهَ أن يستحقَّ احتضان السماء.

 

فإنْ سألت عن فتوة الزوج وجماله الحسِّي وبهائه الجذَّاب، فاعلم أنَّ محمدًا – صلَّى الله عليه وسلَّم – أكمل الخلق جمالاً، وأعظمهم حسنًا، وأنَّ خديجة – رضي الله عنها – أبلغ النساء ظفرًا مِن هذا الوجه وأوفر حظًّا[4].

 

هل رأت عينَا بشرٍ على الإطلاق رجلاً[5]:

(رَبْعة مِن القوم ليس بالطويل ولا بالقصير).

 

(مربوعًا، بَعِيد ما بيْن المَنكِبين).

 

(أَزْهر اللون).

 

(ليس بأبيضَ أَمْهَق، ولا آدَم).

 

(ليس بَجْعد قَطَط، ولا سَبْط رجل).

 

(وجهه مِثل السيف، لا.. مِثل القمر).

 

يدُه – صلَّى الله عليه وسلَّم – في الهاجِرة (أبرد مِن الثلج، وأطيب مِن رائحة المسك).

 

وفي حديثِ جابرِ بنِ سَمُرة: ((خرَج إلى أهله وخرجتُ معه، فاستقبلَه ولدان، فجَعَل يمسح خدَّيْ أحدهما واحدًا واحدًا، قال: وأما أنا فمَسَح خدّي، فوجدتُ ليده بردًا أو ريحًا كأنَّما أخرجها مِن جؤنةِعطَّار))[6].

 

(إذا سُرَّ استنار وجهُه كأنَّه قِطعة قمر)، (يَبرُق وجهُه مِن السرور).

 

كفُّه – صلَّى الله عليه وسلَّم – (أَلينُ مِن الحرير والدِّيباج).

 

ما شُمَّ مِسك ولا عَنبر ولا عبيرٌ أطيب رائحةً مِن ريحه – صلَّى الله عليه وسلَّم[7].

 

(إذا مرَّ في طريقٍ مِن طرق المدينة وُجِد منه رائحةُ المِسك، فيقال: مَرَّ رسولُ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم)[8].

 

هذا هو الرجلُ الذي تزوَّجتْه خديجةُ بنتُ خُويلد – رضي الله عنها – شابًّا في ربيع عمرِه، فأي أمير يَحلُم بأن يكونَ بهذا الصفاء والإشراق لو مُكِّن مِن سبيل سِحري يصطنع به جماله؟!

 

هل ظفرتِ امرأةٌ بما ظفرتْ به خديجةُ – رضي الله عنها – منه؟! وهل في الدنيا زوجةٌ أسعد منها به؟! أو يكون على وجهِ الأرضِ زواجٌ أسعد مِن زواجهما؟! وهل يَكفي في الإشادة به أن نقول: إنَّه (زواج أُسطوري)؟!

 

تأمَّل كلَّ سِرٍّ مِن أسرار جماله المختوم؛ تجدْه مشرقَ سعدٍ وإسعاد، تعشق كلُّ نفْس قُرباه، وتهفو إلى رِياض زُلفاه، ثم تأمَّل تفرُّدَ خديجة – رضي الله عنها – دون الخَلْق بكلِّ ذلك، وظفرها به على جهة الاختصاص، ثم لم تُصِبْ منه سواها إلاَّ بعدَ موتها – رضي الله عنها – وعلى جِهةِ الاشتراك.

 

أمَّا خِصال نفسِه – صلَّى الله عليه وسلَّم – الزكيَّة، وصِفات خُلُقه السَّنيَّة، فإنها أتم حسنًا، وأكمل جمالاً وجلالاً، ولو أسعفني الزمانُ لبسطتُ منها ما يَزيد انبهارك.

 

وأمَّا خديحة – رضي الله عنها – فيَكفيها أنها كانتْ تُدعَى في الجاهلية: (الطاهرة).

 

ويَكفيها أنَّ هذا النبيَّ الأجمل الأجلَّ قد أحبَّها، وتَعلَّق فؤادُه بفؤادها تعلُّقَ الفَنن بقطرات النَّدى، ولا يَزال – صلَّى الله عليه وسلَّم – يحبُّها ويذكرها وهي ميِّتة حتى تقول عائشة – رضي الله عنها -: كأنَّه لم يكُن في الدنيا امرأةٌ إلا خديجة؟! فيقول: ((إنَّها كانتْ وكانتْ، وكان لي منها ولدٌ))[9].

 

فانظرْ كيف أوْجز النبيُّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – أروعَ إيجاز، ولو مدَّ لها مجالَ القول والعد لطرز بذلك صَفحات.

 

ترى هل كانتْ في حاجة إلى إشهارِ زواجها الأسْعَد بالقصورِ والورود والزهور؛ وقد كانتْ غنيَّةً ثريةً ذات جاه واعتبار؟! أم كان لديها مِن الثقة، وغِنَى النفْس، وعلوِّ التطلُّع ما زهَّدها في استغراقِ المُتع الفانية؟

 

وهل يا ترَى تَكفي هدايا الدُّنيا كلها لتهنئتِها ومكافأتها؟ كلاَّ! لقد كافأها مَن اصطفاها لمصطفاه ((ببيتٍ في الجنة مِن قصَب، لا صَخَب فيه ولا نَصَب))[10].

 

ولا يقيسنَّ مفكِّر ذاك القصبَ إلى هذا القصَب، فإنَّ قصور الدنيا جميعًا لو وُضعت في كِفَّة، ووُضعت قَصبةٌ مِن قصبات قصر خديجةَ في كِفَّة، لرجحتْ تلك القصبة بهذه القصور.

 

والذي بشَّرها وتولَّى تهنئتها لم يكُن ملِكًا من ملوكِ الأرض، ولكن ملَكًا مِن ملائكة السماء، بل هو الأمينُ عليهم جميعًا.

 

أيُّ حاجةٍ بمثلها – رضي الله عنها – وهي بهذا التكريم العُلوي الفريد – أن تُسرِف في إشهارِ زواجها على الأرْض؟ وهل يُبقي هذا التخليدُ السماوي في نفْسها اللطيفةِ توقًا إلى صخَب التخليدِ الأرضي؟ كلاَّ!

 

ألا ما أخفَّ أحلامَنا، وما أشدَّ غبنَنا في دِيننا وحضارتنا!

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بواسطة: الدكتور عبد الرزاق مرزوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.